منوعات

عبد الغني العريسي.. نشاطه الثقافي والقومي

الجسرة الثقافية الإلكترونية

المصدر: الرأي

 

د.عصام سليمان الموسى

 

عبد الغني العريسي (1891-1916) صاحب صحيفة «المفيد»، من الصحفيين العرب الذين شنقهم السفاح جمال باشا حاكم سوريا العثماني في العام 1916 لأنه دعا لحرية العرب واستقلالهم. 

كان العريسي، بحسب أديب مروة في كتابه «الصحافة العربية» من بين أحرار العرب الذين أُعدموا في مطلع أيار 1916 في ساحتي الشهداء في دمشق وبيروت، وكان من بين هؤلاء 16 صحفياً، لمواقفهم القومية. ونتيجة هذا أُطلق على جمال باشا، حاكم سوريا أبان الحرب العالمية الأولى، لقب «السفاح» لكثرة الذين شنقهم من العرب، مسلمين ومسيحيين، في العامين 1915 و1916، بتهمة دعوتهم لحرية العرب.

تبين د.فدوى نصيرات في كتابها «عبد الغني العريسي: نشاطه الثقافي والقومي، 1891-1916» (دار البركة، عمّان، 2009) أن عبد الغني محمد بن عبد الرحمن العريسي وُلد في بيروت لأسرة ترجع في أصولها إلى ليبيا، وكان جده هاجر إلى مصر ثم استقر في لبنان. وبحسبها، فهناك خلاف بين الباحثين بشأن عمره الحقيقي، وتقدر نصيرات أنه ربما كان في أواخر العقد الثالث، وأوائل العقد الرابع من عمره، عندما نُفذ فيه حكم الإعدام.

وقد درس العريسي في بيروت، وأصدر صحيفة «المفيد» في العام 1909، وواصلت هذه الصحيفة الصدور حتى العام 1915، وأثناء ذلك سافر العريسي إلى باريس طلباً للعلم. وبمناسبة سفره أقامت الجمعيات العلمية في بيروت ودمشق احتفالاً وداعياً شارك فيه مثقفون ألقوا كلمات أشادوا فيها بذكاء العريسي ونشاطه وغيرته الوطنية القائمة على مصلحة الأمة، وعدّوه بمثابة مثلٍ يحتذى للشباب العربي في الشجاعة الأدبية، والجرأة على المجاهرة بالفكرة العربية. وفي فرنسا درس في كليات السياسة والصحافة وعاد إلى بلاده إثر تخرجه في 10/8/1913 بعد أن قضى هناك 16 شهراً (ص32).

واصل العريسي نضاله القومي في باريس، وعمل على عقد المؤتمر العربي الأول (18-23/6/1913) لجمعية «العربية الفتاة» بالتنسيق مع حزب اللامركزية. وكانت محاور المؤتمر أربعة، أهمها «حقوق العرب في المملكة العثمانية وضرورة الإصلاح على قاعدة اللامركزية». 

أما صحيفة «المفيد»، فارتكزت مواضيعها كما حللتها د.فدوى نصيرات، على الأمور التالية: النهوض القومي، دور الإسلام في نهضة العرب، التحذير من مخاطر الاستعمار والمطامع الأجنبية، الاهتمام بالتنشئة الجيدة والأخلاق السمحة والفضائل التي هي أساس البناء الاجتماعي. كما دعت إلى نشر العلم والمعرفة وإنشاء المدارس، وأن يكون التعليم باللغة العربية، كما اهتمت بالنهضة الاقتصادية داعيةً لإيجاد موارد ومصادر جديدة.

ازداد تشبث العريسي بفكرة القومية العربية بعد العام 1913، إثر سياسة التتريك التي أخذ الاتحاديون في تطبيقها، مؤكداً أن «للعرب ذاتية خاصة»، وبها «يختلفون» عن سواهم من رعايا الدولة العثمانية. وهكذا وقف موقفاً قوياً في وجه تهميش العرب، وفي وجه عملية التتريك.

وحين شعر العريسي بأن الخطر يتهدده، وبأنه بات مطلوباً، حاول الفرار إلى الحجاز للالتحاق بالشريف الحسين بن علي هناك، إلا أن الأتراك كشفوا شخصه وألقوا القبض عليه في محطة مدائن صالح.

وساق جمال باشا السفاح تهمةَ انتساب العريسي لحزب اللامركزية، وجعلها سبباً لإعدامه مع نخبة من المفكرين العرب. وواجه العريسي الحكم بشجاعة، وحين التفّ حبل المشنقة حول عنقه يوم 6/5/1916، قال بصوت جهوري: «أبلغوا جمال باشا إن الملتقى قريب، وإن أبناء الرجال الذين يُقتلون اليوم سيَقطعون بسيوفهم أعناقَ آبائِكَ الأترك.. إن الدول لا تُبنى على غير الجماجم، وإن جماجمنا ستكون أساساً لاستقلال بلادنا» (ص50). 

وحقاً، لم يطل الأمر كثيراً، فبعد فشل وساطة الشريف الحسين بن علي مع جمال باشا بشأن إطلاق سراح المعتقلين العرب، لم يجد الشريف الحسين بداً من الإسراع بإعلان الثورة العربية في 10/6/1916، أي بعد شهر واحد فقط من إعدام قافلتي الشهداء العرب. وقام جيش الثورة العربية، التي بلغ عدد محاربيها العرب ما بين بدء العمليات الحربية وانتهائها عام 1918 مائة ألف بقيادة الملك فيصل الأول، بدكّ معاقل الأتراك، وتحررت دمشق وبيروت، وأعادت الثورة للعرب كرامتهم وحريتهم.

وصدقت نبوءة العريسي، إذ تم اغتيال أحمد جمال باشا (السفاح)، بعد أن حاول التخفي هارباً بعد سقوط الدولة العثمانية، على يد أحد الوطنيين (الأرمن) في العام 1922 في «تفليس» انتقاماً للمجازر التي ارتكبها الأتراك في حق شعبه.

إننا نحني جباهنا إجلالاً للشهداء الذين دفعوا أرواحهم لتتحرر أمتهم. إن كل صحفي ومفكر عربي، مدين لهؤلاء الرجال شهداء الكلمة. وهذه تحية للباحثة في تاريخ العرب الحديث د.فدوى نصيرات، على إعدادها هذا المؤلف النفيس، لهذه الشخصية عروبية الهوى، التي تحلّت بالشجاعة الفكرية، والانتماء للأمة، وتحدّت العثمانيين الأتراك في محاولتهم القضاء على الشخصية العربية القومية. 

وهي دعوة لأن يتجه طلبة التاريخ للبحث عن هؤلاء الرجال، شهداء الحق، الذين أعدمهم السفاح، وتحليل نتاجهم الفكري، فنحن أحوج ما نكون إلى ذلك في هذا الزمن الذي يشهد غزواً فكرياً منتظماً يهدد القيم الوطنية.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة