الرئيسية / دراسات / محمد القذافي مسعود وشعرية الأنا الانسانية

محمد القذافي مسعود وشعرية الأنا الانسانية

الجسرة الثقافية الالكترونية-خاص-

 

وجدان عبدالعزيز

 

عاش الشاعر محمد القذافي اجواء وجع انساني ، حاول التقرب منه من خلال صراع الانا الشعرية ، واناه الانسانية ، وقد ندرك الفرق بين الحقيقتين ، كون الحقيقة الشعرية ، ذاتية مفعمة بالخصائص العاطفية، ترى الأشياء وكأنها تمتلك بعداً إنسانياً، ومحاطة بجو عاطفي يفيض بالفرح.. أو الحزن.. أو العذاب.. أو الأمل.. أو اليأس…. وهذه الأشياء إما خيّرة أو شريرة… صديقة أو عدوة… مألوفة أو غريبة… جذابة أو منفرة. أي إن الحقيقة الشعرية تدرك الأشياء إدراكاً درامياً ، بينما انا القذافي الانسانية ، تحاول الاقتراب من منطقية الاشياء وتسمية الاشياء ضمن مسمياتها أي الاقتراب من الواقعية الواعية ، لكن لغة الشعر تسلك طريق الانفلات والنزوح وخلخلة البنية اللغوية المتعارف عليها ، وهنا يكون الصراع الذي اكتنف ديوانه (لمختلفين في نعناع النظرة) ، ويكاد يكون الصراع ، صراعا انسانيا بالدرجة الاولى ، فـ(الشعر مغامرة جريئة، وفعالية عقلية راقية ومن نوع خاص، تحاول أن تفسر العالم، أو بالأحرى، أن تعطيه معنى، وأن تجبره على البوح بشيء من حقيقته. قد يبدو الأمر غريباً، لأن الناس اعتادوا أن يتركوا هذه المهمة إما للفلسفة أو للعلم، ولم يعتادوا أن يفسحوا المجال أمام الشعر ليحدثهم عن رؤيته ورؤياه كتفسير للكون وللوجود،) وحتى امسك بلحظة الشاعر وهو يعيش الوجع ، اقول ان الشعر يقترب مع رؤى الشاعر القذافي ، كلما كان شعره يقترب من محيطه مع الوعي بحقائق الحياة وتمثلها وامتلاكها ، ثم اعادة انتاجها في اللغة الاخرى ، محاولا التمويه على واقعية الاحداث واخفاء اغراضه الشخصية ، لتكون اقرب الى الموضوعية ، كما هي قضية الوطن “ليبيا” ، فمن الاهداء (إلى اللحظة التي أدركت فيها عشق ليبيا) .. الى متون قصائد الديوان التي حفلت بالكثير من الاوجاع الذاتية والموضوعية ، وحتى الذاتية حاولت الخروج من شرنقتها الخاصة الى دالة الموضوعية وامتلاك شخصية الادب الذي يدافع عن قضية اكبر وهي الوطن .. يقول الشاعر القذافي :

(يئن نخلك في صحراء النزيف .
يعتقد بسكر يضئ .
بنجمة تطل من بيت الجيران
تعلق أسئلة البارحة
على شجرة الكذب القادم .
تتموضع على رصيف
تنعشه خطوات العشاق.
فلا نجمة تأتي ..
لا حجر يهز صبرك)

ليعطي هنا اشارات وايحاءات لرحلة الوجع ، وما يحمله من صبر لايهزه الحجر الصلد ، وهو يحاول ان يكون موضوعيا كرؤية تعالج الاشياء من حوله ويكون شاعرا لايغادر مملكة الشعر ، ففي قصيدة (لوز المعنى) ، يعلنها بانفعال وتوتر بقوله :

(مضيت بين أربعين غربة
وتجرعت المرارة الأربعين
سلكت الآمن إلى سكان الصدر .
طرقت أبوابهم
فخرجت الملوحة على
لسان الهباء .
يعبرون بضجرهم فوق سري .
آه ما أثقلني .
تطوف الدمعة حول نفسها .
يكبر خريف الهجرة
والوطن رصيف .)

اذن هو صراع اكبر من الصراعات الذاتية ، ذات الحلم والعشق الذي يتموضع ذات الشاعر ، ويخرج كي يتموضع في ذات اكبر وهي الوطن .. فصراع الذات يعارضه العقل!! ، لكن الشاعر القذافي يحاول جادا ليكون موضوعيا في صراعه النفسي ، ولكن لماذا لا نحاول سوياً الغور في دهاليز أحداث هذا الصراع وتلك المعارك ، ليكون الوطن رقم واحد ، والذات رقم 2 .. وتحدث الدكتور عبدالوهاب المسيري بهذا الخصوص قائلا : تُعبِّر الموضوعية عن إدراك الأشياء على ما هي عليه دون أن يشوبها أهواء أو مصالح أو تحيزات، أي تستند الأحكام إلى النظر للحقائق على أساس العقل، وبعبارة أخرى تعني الموضوعية الإيمان ، بأن لموضوعات المعرفة وجودًا ماديًا خارجيًا في الواقع، وأن الذهن يستطيع أن يصل إلى إدراك الحقيقة الواقعية القائمة بذاتها (مستقلة عن النفس المدركة) إدراكًا كاملاً. وعلى الجانب الآخر، كلمة الذاتيّ تعني الفردي، أي ما يخص شخصًا واحدًا، فإن وُصِف شخص بأن تفكيره ذاتي ، فهذا يعني أنه اعتاد أن يجعل أحكامه مبنية على شعوره وذوقه، ويُطلق لفظ ذاتيّ توسُّعًا على ما كان مصدره الفكر وليس الواقع. ويعتبر الذاتيّ في الميتافيزيقا رد كل وجود إلى الذات، والاعتداد بالفكر وحده، أما الموضوعيّ فهو رد كل الوجود إلى الموضوع المبدأ الواحد المتجاوز للذات. أما في نظرية المعرفة، فإن الذاتية تعني أن التفرقة بين الحقيقة والوهم لا تقوم على أساس موضوعيّ، فهي مجرد اعتبارات ذاتية، وليس ثمة حقيقة مطلقة، أما الموضوعية فترى إمكانية التفرقة. وفي علم الأخلاق، تذهب الذاتية إلى أن مقياس الخير والشر، إنما يقوم على اعتبارات شخصية؛ إذ لا توجد معيارية متجاوزة، أما الموضوعية فترى إمكانية الوصول إلى معيارية. وفي عالم الجمال، تذهب الذاتية إلى أن الأحكام الجمالية مسألة ذوق، أما الموضوعية فتحاول أن تصل إلى قواعد عامة يمكن عن طريقها التمييز بين الجميل والقبيح. وترتبط إشكالية الموضوعية والذاتية بالمفارقة بين الظاهرة الطبيعة والظاهرة الإنسانية. فقد طغت التصوُّرات المادية التي تُوحّد بين الظاهرتين في الفلسفة الغربية، ويعود إسهام علماء مثل وليام ديلتاي (1833 – 1911) إلى محاولة التنبيه إلى أن ثمة فارقًا جوهريًا بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الإنسانية، فقد أكد أن معرفة الإنسان من خلال الملاحظة البرّانية، وتبادل المعلومات الموضوعية المادية عنه أمر غير ممكن؛ فهو كائن ذو قصد، أي أن سلوكه تحدده دوافع إنسانية جُوَّانية (معنى – ضمير – إحساس بالذنب – رموز – ذكريات الطفولة – تأمل في العقل) وبالتالي فهناك مناهج مختلفة لدراسة كلتا الظاهرتين. ومن خلال هذا الصراع خلق الشاعر القذافي الكثير من الاسئلة التي بقيت معلقة ، تحتاج للكثير من الدراسة والتمعن ، لـ(ان القصيدة الجديدة تحررت على صعيد تشكيل خطابها المستقبلي من احتلال وسطوة اللاوعي المجرد القائم على الانفعال البدائي، واصبحت خاضعة في مرحلة مهمة من مراحل انجازها الى الوعي بشكله المعتمد على الحرية والمتفاعل جدليا مع اللاوعي، تلك الحرية القصوى التي تخضع للجهد والتنظيم الخفي، الذي لايحصل بمنأى عن رؤيا الذات الشاعرة وحداثة مختبر المخيلة فيها)ص10 تمظهرات ، هنا اجد ان رؤية الشاعر القذافي ، قد تبلورت وتناغمت مع المخيال والتجربة ، لتنجب رؤية موضوعية هي بالاساس الاعتراف بالاخر ، فبمجرد الاعتراف والانفعال للوطن ، هو اعتراف وانفعال من اجل الاخر … وفي نفس السياق يقول الشاعر :

(كلما شددت عزمي وخطوت نحوها
بخطى واثقة.
حاولت أن أدرك موعداً يهدره الوقت
يسحبه سلك الخوف
يسخر منه الحال .)

فحتى هواه ، أي حبه لامرأة ، يذوب وينعدم فيه الزمن ، لامتلاكه قضية اكبر فـ(لا شيء أمامي أو خلفي/ ذهب من الكلام ../ فضة من الأحزان/لا حبيبة لي أصدقُها / بلسان مُحترف للغُات ./ فكلما دنت شمس مني/ أخفقتُ في ركوب ظلي إليها.) ، وكأنه يقول كل شيء في هذا الوجود ، لايرقى لهدفه السامي الاخر .. فكلما عقد العزم تضيق كل الدوائر الا دائرة الوطن ، وتكون رحلة الشاعر القذافي ، باحثا عن المعنى بقوله :

(رحلـت السنبلـة
عن ظهـر المعنى ..
..فكـف يا غُرابُ حول
دارنا تحوم .)

والغراب كناية عن اعداء الوطن الذين يحاولون الايقاع بوطنه “ليبيا” ، كون ليبيا في رؤيته هي الحياة ، هي الحب ، هي اكتشاف الذات ، هي الموضوع الاسمى .. ويكون مسلك حياته ..

(وأناي أبت إلا أن تشهر
أسنانها في وجه مرآة
تشظت بفوضاي .
وما بين فوضاي وحد السؤال .
كان الغيم يمطر
تنهداتي ……
وتسكن الحكايا ألمي
أفترش الفقر بالسجائر
والشاي …….
ويغدو عادة ….)

وهذا اعتراف بالانفعالات التي تحيطه ، ليكون في قلب الحدث ، انطلاقا من وسط الفوضى مع توالد الاسئلة من حوله .. (اذ ان العمل الادبي اليوم ثمرة ثقافية خصبة للمعايشة العميقة والجوهرية لقضايا الانسان وتجاربه الجمالية في المكان والزمان والرؤيا والتشكيل والفن ، لذا لايمكن قراءة النص الذي يمثل اداة الاتصال الاولى في العمل الادبي من دون الاستعانة “بالسياق الثقافي باعتباره الحاضنة التي يترتب في اطارها النص” على النحو الذي ينعكس فيه الثقافي في النصي والنصي في الثقافي.) ، هذا التزاوج بين الثقافة والنص ، اي بين المحيط والمبدع والنص الابداعي خلق المعالجة التي تجعل المتلقي والنص ومبدعه ، يكونوا في اشكالية المشاركة والتأثر والتأثير ، فكانت نصوص ديوان(لمختلفين في نعناع النظرة) للشاعر محمد القذافي مسعود ، تحمل سمات هذا الامر .. يضاف له تلك المفارقة التي تخلق اسئلة متوالدة كما اسلفنا اعلاه ..

__________________________________________

هوامش :

كتاب (عضوية الأداة الشعرية) أ.د.محمد صابر عبيد سلسلة كتاب جريدة الصباح الثقافي رقم 14 2008م ص9
كتاب (تمظهرات القصيدة الجديدة) أ.د.محمد صابر عبيد عالم الكتب الحديث ـ اربد ـ الاردن الطبعة الاولى 2013 م

شاهد أيضاً

استشراف : القراءة في المستقبل

يقدّم الكتاب الثاني من دورية (استشراف) السنوية المحكّمة والمتخصّصة في الدراسات المستقبلية، الصادرة عن (المركز …