نداء الأحياء للموتى: رواية السيّد إبراهيم وأزهار القرآن

الجسرة الثقافية الإلكترونية-خاص-

*د.يوسف حمدان
*د.يوسف حمدان

العمل الأدبيّ ذو الإشكاليّات التأوليّة معرفيّا وثقافيّا له قدرة عالية علىتأصيل حضوره في الفضاء الإنسانيّ وحفظ آثاره لا في الذاكرة حسب، وإنما الأكثر أهميّة في تشكيل القيم والرؤى التي تنعكس بالضرورة في السلوك والممارسة. ومقاربة الأعمال الثريّة في رؤاها تستلزم إدراك أنّ ثمة مزالق في عمليّة القراءة والتأويل، قد تؤدي إلى حمل المسائل المطروقة على نقيض حقيقتها، كأن يتمّ التعامل معها بظاهريّة قاصرة عن اكتناه المضمر في الأقوال والأفعال والعلاقات، ودون الكشف عن مدى الاتساق بين مكوّنات الرؤية في العمل الأدبي، الأمر الذي يُظهره في صورة من التناقض والابتسار، وكذلك فرض المواقف الشخصيّة والرؤىالذاتيّة عليه، لا سيّما إذا اتّصل الأمر بالقضايا ذات الحساسيّة، كتلك التي تقف على العلاقات بين المجتمعات والثقافات والأديان المختلفة.
تظهر مثل هذه المزالق فيماحدث من جدل حول رواية الفرنسيّ إريك إيمانويل شميدت “السيد إبراهيم وزهور القرآن” (ترجمة خالد الجبيلي) وحول الفلم بالعنوان ذاته بطولة عمر الشريف، بسبب العلاقة بين السيد إبراهيم المسلم ذي الأصل التركي الذي يعيش في حيّ يهوديّ في باريس، وبين طفل يهوديّكان في البداية لا يرى ضيرا في سرقة بعض المتاع من بقالة السيد إبراهيم، واصفا ذلك بأنّه مجرد عربيّ. وأيضا لأنّ السيّد إبراهيم يظهر متساهلا في مسائل دينيّة، خاصّة شربه الكحول أثناء رحلة في أحياء باريس مع موسى الطفل اليهوديّ، وتبنّيه له في نهاية الأمر، وهو ما لا يجوز في الإسلام. ومما لا شكّ فيه أنّ محاكمة شخصية السيّد إبراهيم انطلاقا من تلك الأفعال، باعتبارها مخالفات دينيّة فقط، يقوّض رؤية الروايةويقلبها رأسا على عقب؛ كون ذلك يخلّ بالنموذج التقابلي الذي تعمل الرواية على تقديمه.
يمثّل موسى الطفلُ اليهوديّ حلقة الوصل والفصل بين محوري التقابل في الرواية، وهما السيّد إبراهيم ووالد موسى، الذي يسبب لابنه أزمات نفسيّة واضطرابات سلوكيّة بفعل علاقته المتوترة به، وهو محامٍ غير ناجح في عمله وفي علاقاته الاجتماعيّة والأسريّة، فقد تخلّت عنه زوجته منذ ولادة موسى، وأخذت معها ابنه بوبول الذي استمرّ طيلة حياته في ذكره أمام موسى على أنّه الابن الأفضل، وظلّ يكلّف موسى رغم أنّهفي الحادية عشرة من عمره بتدبير أمور المنزل ومستلزماته. وبينما يناهز موسى البلوغ، بدأ بالاتصال ببنات الهوى ويدفع لهنّ ما يجمعه مما يوفّره خلسة عن أبيه من نفقات البيت، دون أن يتوقف توقه إلى حاجاته الماديّة والعاطفيّة.
يجد موسى في السيّد إبراهيم صورة متزنة للإنسان بعد أن تقوى علاقتهبه،ويفاجأ بمعرفته بأنّه يسرق من بقالته دون منعه أو تعنيفه على ذلك. على العكس يجد فيه عوضا رحيماعن علاقته بوالده المنكبّ دائما على كتبه الفلسفيّة والقانونيّة الكثيرة، ويرى أنّ علاقة إبراهيم بكتابه وهو القرآن أكثر أُنسا ورحمة. وبعد تخلّي والد موسى عنه نتيجة فصله من عمله ومن ثمّ انتحاره يتبّنى السيّد إبراهيم موسى، على الرغم من المصاعب القانويّة في الإجراءات اللازمة لإنجاز التبنّي رسميّا.
الأب دائم العبوس والقلق والكآبة، وهو ما جعل موسى يشعر بأنّه يُعامل “كلصٍ” رغم أنّه لم يسرق حتى تلك اللحظة، فيقرر نتيجة لذلك أن يسرق منه فعلا! (ص 10) وبالمقابل السيّد إبراهيم دائم الابتسام والاستقرار، ويُلقي السرور في نفس موسى ويبدأ يناديه بـ “مومو” للتحبب، ولا يشعره بالسقوط لأنّه سرق بعض الأشياء ليحقق ما يريد، ويقول له: “مومو، إذا كان عليك أن تستمرّ في السرقة، فاسرق من هنا، منّي أنا” (ص 16)، وهو ما يجعل مومو يقسم ألا يفعل ذلك على الإطلاق. السيّد إبراهيم يعلّم مومو الابتسام، فيقول له: “يا سيّد إبراهيم، عندما أقول لك الابتسامة شيء لا يفعله إلا الأغنياء، فإنّي أعني أنّها للناس السعداء فقط” (ص 21). يصرّ السيد إبراهيم على عكس ذلك وأنّ “الابتسامة هي التي تجعلك سعيدا” (ص 10) حتى لو كان الظرف صعبا، وهو ما يتحقق فعلا بعد ذلك في ممارسة مومو، ويجعله يقول: “يا له من جنون يا سيّد إبراهيم، كم تبدو واجهات محلّات الأغنياء فقيرة جدا، فلا يوجد فيها شيء” (ص 28).
الأب غارق في قراءة كتبه “التي يُفترض أنّها تحمل في طيّاتها جوهر العقل الإنسانيّ، والقوانين من ألفها إلى يائها، وخلاصة الفكر الفلسفيّ” (ص 18)، إلا أنّه يحيا في أفق ضيّق، ولم يرَ مومو من خلاله فضاء أوسع من شقّتهما وشارعهما. وكذلك يضع الأب ابنه موموفي مقارنة محطّمة مع ابنه الآخر، الذي يظهر في نهاية الرواية أنّه غير موجود أصلا، باعتباره النموذج الناجح في كلّ شيء. بالمقابل، السيّد إبراهيم لا يقرأ سوى كتاب واحد وهو القرآن،غير أنّه يملك أفقا رحبا، ويأخذ مومو في رحلة عبر شوارع باريس وأحيائها، وشكّل له مصدرا للحكمة والرضا، فيسأله كيف يعرف كلّ ذلك، فيجيبه: “أنا لا أعرف شيئا. أعرف فقط ما يقوله قرآني” (ص 26). وفي حديث مومو للسيّد إبراهيم عن أخيه بوبول، يقدّم له صورة متفوّقة مثاليّة، تتضمّن استصغارا لنفسه بالمقارنة معه، فيشعر بكثير من الزهو والثقة من جواب السيّد إبراهيم له: “مومو، سأقول لك شيئا واحدا، أنا أحبّك أكثر من بوبول بمائة مرّة، بل بألف مرّة” (ص 25).
تمثّل هذه المقارنة، التي يمكن أن تمتدّ أكثر مما تقدّم، المثال الذي تعمل الرواية على بنائه، مثال المتصالح مع الوجود باعتباره المركز والقيمة السامية لقداسة الحياة، ومثال التحنّط عدوّالبقاء. هذا ما سيقود للمحور الأخير في المقارنة وهي بين انتحار والد مومو وموت السيّد إبراهيم أثناء رحلة مع مومو في تركيا إثر حادث في سيّارتهما. تنحّي والد مومو وموته منتحرا فاقدا كلّ أمل يغدو حتميّا لإكمال نموذج السيّد إبراهيم الممتلئ بالحياة والقبول بها، ومرجعه في تعامله مع قرآنه الذي يعلنه منذ البداية، وهو أنّه صوفيّ متخفف من الحديّة الصارمة في التعامل مع فضاءاته الرحيمة، مقابل عنف النصيّة القانونيّة لوالد مومو. نداء الحياة في قرآن السيّد إبراهيم جعله يملأه بالأزهار، مقابل نداء الفناء في كتب والد مومو وشخصه، لذلكيشعر مومو بالانعتاق مع بيع كلّ كتاب منها بعد غياب والده وانتحاره. استناد والد مومو المغلق والمتصلّب إلى هذه الكتب المتعددة التي يُفترض أن تعني الانفتاح في المرجعيّات مقابل كتاب السيّد إبراهيم الواحد القائم على المحبّة يُحيل الأهميّة إلى المنطلقات الفكريّة والعقليّة التي تُقارب الكتب من خلالها. والد مومو، على الرغم من أنّه يهوديّ، إلا أنّه لا يؤمن بالله الذي هو، في سياق الرواية، المحبّة لا البغض، والتصالح لا الصراع، والحاضر والمستقبل لا الماضي ومآسيه. عندما يسأل مومو والده: “وهل كونك يهوديّا يعني أن لا علاقة لك بالله؟” فيجيبه:”بالنسبة لي نعم. أن تكون يهوديّا فهذا يعني أنّك لا تحمل سوى ذكريات. ذكريات سيئة” (ص 30). من هنا، يغدو انتحار والد مومو خلاصا لابنه من تلك الذكريات السيئة وانعتاقا له من بؤسها وضيقها. بالمقابل يجد مومو أنّ السيّد إبراهيم قد أوصى له بكلّ ما يملك، فيعود ليشغل مكانه في بقّالته، ويلتقي أمّه التي أنكرها سابقا حين جاءت باحثة عنه بعد انتحار أبيه. موت السيّد إبراهيم يعني انفتاح الحياة أماممومو وإرثا مركزه أزهار قرآنه، فيتحوّل مومو من “مومو موسى” إلى “مومو محمّد”. نداء السيّد إبراهيم يبقى حيّا في مومو، لأنّه نداء الأحياء للموتى.
*أستاذ الأدب والنقد الحديث في الجامعة الأردنيّة

شاهد أيضاً

ماذا يفعل واحدنا بالشعر الذي كان حفظه؟

حسن داوود في واحدة من طرفه التي لم أنسها، سألني صديقي الشاعر حسن عبدالله مرّة …