أعيشُ كنملةٍ .. أفكِّرُ كثعلب

* إبراهيم جابر إبراهيم

خاص ( الجسرة)

كيف ينجو النمل ؟
رغم الأقدام العملاقة التي تتزاحم، تركضُ، تقفُ، تمشي، تتسكع، تخبط الأرض بالرقص أو بالتحية العسكرية، ورغم الماء الذي يندفع، يجري، يجرفُ، يتجمد ثلجاً، ينهمر سيلاً أو كالسَيل، رغم الصناديق الثقيلة التي يقذفها العُمّال عن أكتافهم على الأرض، رغم قطع الأثاث التي لا فراغ تحتها أبداً، رغم الإسمنت : الكابوس الأسوأ في حياة النمل !
رغم الأطفال السخيفين الذين يشعلون النار في زوايا الحديقة والعشب الناشف، أو فوق رؤوسها تماماً !
تنجو هذه الكائنات الهشّة.
.
ترى كم احتاجت من الوقت، وأي الطرق سلكتْ، لتصعد نملةٌ عنيدةٌ الى الطابق الثلاثين في البناية !
.
كم مَرَّت برجالٍ صرعى في الطريق !
.
كم مرّةً انزلقت ساقها المَجهرية ، كم من الشقوق التي سلَكَتها التبستْ عليها فامتلأت عيناها بالضوء أو بالغبار، وكم راوغتْ من الأقدام والأبواب والسجّاد السميك كي تصل الى زاوية المطبخ هنا . وهل جاءت بحثاً عن الحياة أم جاءت تدَّخرُها !
لا يبدو عليها الشكّْ. ولا تبدو ممتلئة باليقين. لكنَّها تظلُّ تقيسُ الطريق بعينها مثل امرأةٍ تتوجَّسُ ممَّا يحاكُ لها .
ترجعُ للخلف خطوتين ، أو ثلاثاً ، لكنها سرعان ما تعود بالتفافٍ ماهر مثل لاعب كرةٍ محترف، لتتمَّ مشيها الدؤوب . لم تَركَنْ لفكرة “الفريسة الضعيفة”، ولم تُسلِّم بأنَّها أضعفُ خلق الله حولاً وقوَّة، فها هي تماطل الأقدام العملاقة التي تحشرها في أكثر من زاوية، وتنفذ من بين سلكي كهرباء أو بين اصبعي رجلٍ سمين، لكنَّها تظلُّ تنشبُ أقدامها اللحوحة في مفاصل الأرض ، تدافعُ عن حصَّتها فيها، وفي الحياة، باستماتة مقاتلٍ وشغفِ عاشقة.
لم تُخلق للقتال، لكنَّها مستعدةٌ له في كلِّ ساعة. وليست تُهدي حقَّها في الحياةِ لأحد.
كم نجت من قبضةٍ غاشمة، ولم يُهشِّم رأسها الذريّ مِعولٌ يهوي من الأعلى مثل قدرٍ لا رادَّ له، وكم تسلَّلت بهدوء من تحت ركامِ بيوتٍ عظيمةٍ لم ينجُ من أهلها أحد !
كم يوماً احتاجت النملة لتصعد الى الطابق الثلاثين في البناية !
مَن ، و ، ما الذي قادَها من يدها اللّيِنة لتصل الى هذه المطارح العالية، وهل كانت سلالتها لتعيش ملايين السنين لو كان صعودها هذا واحدة من المغامرات غير المدروسة جيداً !
ربما كان لها في هشاشتها ما يدفعُها للحنكة. وما يجعلها تعيشُ كنملةٍ وتفكِّرُ كثعلب. وربَّما كان صَغار شأنها هو سياجها، أو أنَّ فكرتها عن القوَّةِ خِلافَ ما تَعلَّمنا تماماً !
تنهبُ الحياةَ كأنَّها ستنفدُ بعدَ قليل .
أو كأنَّها لا تُصدِّقُ حصَّتها من هذا الجحيم الساحر.
تغرسُ عَينها المُدوَّرةَ الصغيرةَ في حبة القمح كأنَّها معركتها الأخيرة، ولا تعود بظهرٍ خفيفٍ أبداً. تجرُّ أرباحها ، وغنائمها ، بعينٍ يقظة مثلما يجرُّ ثعلب خلفه جثة غريمه . وسرعان ما يعودُ للنِزال .
..
وربَّما أن لـ ” الملكة ” في مملكة النمل رأياً خلاف هذا الذي قيل كلَّه ، لو أنَّ الحياةَ لم تنفد قبل قليل ..

شاهد أيضاً

ماذا يفعل واحدنا بالشعر الذي كان حفظه؟

حسن داوود في واحدة من طرفه التي لم أنسها، سألني صديقي الشاعر حسن عبدالله مرّة …