الرئيسية / . / لا أحملُ لي أخباراً جيدة

لا أحملُ لي أخباراً جيدة

خاص ( الجسرة )

*إبراهيم جابر إبراهيم

أقتفي أثري .
أخرجُ كلَّ يومٍ خلفي. أتَتبَّعُ خطاي. ثم سرعان ما أُضَيِّعُني في الزحام. وأعودُ لأنتظرني.
لا أحملُ لي أخباراً جيدة. لكنَّني أحتفلُ بالقليل منها : أنَّني عُدت !
أسترقُ النظر إلى وجهي. وأقول : كبرتَ يا طفلي العزيز. أتحسَّسُ تحت عينيَّ بإصبعي، وأتأملُ في الشحوب الظاهر. فأنتبه وأرمقني بحزن. وننام كلانا حزينين على ما صِرنا إليه !
أستيقظُ قبلي. أنظرُ في المرآة وأتحسَّسُ بدوري تحت عينيّ، وأتأمَّلُ الشحوب الظاهر. ثم أعود إلى فراشي على رؤوس أصابعي، محاذراً أن أستيقظ فأراني !
أظلُّ أتقلَّبُ في الفِراش على جانبيّْ، ثم أستوي على جانبي الأيسر، فأصير أقابلُني وجهاً لوجه، حتى أن أنفاسي الساخنة تلفحُني، أحاول أن أتبيَّن فيَّ ما يُشبهني، وأدوِّرُ في وجهي عمَّا يجعلهُ وجهي !
أضيقُ بي بسرعةٍ، فأديرُ لي ظهري، .. لكنَّني سرعان ما أشفقُ علَيّْ، فأعود أشدُّني من كتفي، وأبتسمُ لي، ثم نجهشُ كلانا في عناقٍ كأنَّنا ذاهبان الآن !
وفي الصباح سرعان ما أُضَيِّعُني في الزحام ثانيةً.
..
يقتفي أثري.
مثل ظلٍّ رؤوم .
يخافُ عليَّ من حكمته أو يخاف عليه من شجاعتي. فيغافلني في الطريق، ويدَّعي أنَّهُ أضاعني في الزحام.
يعود . لا لينتظرني. بل ليتأمل نقصانه الفريد !
يغمس كفَّيه بالدهان. يطلي وجهه بالأزرق والأصفر، يخمشُ يده بأسنانه، يصرخُ لا ليسمع صوته. بل ليسمعني أئنّْ . كأنَّما يفعلُ كلَّ ذلك ليبدِّدَ وحشة أطرافه.
كلّ ذلك “يسكنُ باللقاء” . حين تغشانا طمأنينةٌ عارمة. ويعودُ الثوبُ للبدَن .
لكنَّه سرعان ما يخلعني. و
يُضيِّعُني في الزحام.
إزدحام النفس بالنفس.
..
أقتفي أثري. أقلِّبُ وجهِيَ فِيَّ.
أين أذهبُ في كلِّ مرةٍ لا أجدُني. لا أثر لقدمٍ مرَّت هنا. لا ندوب في الطريق الذي أذهبُهُ . غير الأسى.
الأسى الذي يشبهُ يداً مرَّغْتَها في الشحار .
الأسى الذي يظلُّ بيني وبيني حين أعود بدوني. وأجلسُ في انتظاري !
الشحار الذي يشبهُ قلباً تمرَّس في القول : كبرتَ يا طفلي العزيز.
..
لا أحد يدُلُّني . أعرفُني حين يتكىء ظلِّي علَيّْ. فأقوده بحكمتي المريضة ، ويحملُني بشجاعته على ظهري : أين نذهبُ الآن ؟!
يسألني .
فأقفزُ من السفينة الى ” البرّ الجبان “.
..
أصحو ليلاً على صوت لهاثي. أجدُني أحدِّقُ فيّْ . كلَّما التقينا أحسُّ كأنَّني أخبىءُ خلفيَ ــ لي ــ شيئاً !
أُمسكُ وجهي بكفّي. أديرهُ هنا. ثم أديرُهُ. عَلِّي أتذكَّرُ أين عثرتُ عَلَيّْ. لا أعرفُ الرجل الذي يتبعُني منذ خمسين سنة. لم يأخذني الى ما أُحِبّ . ولم آخذه الى ما خَطَّطنا لهُ .
وكأننا نتسابقُ إلى جريمةٍ ما. كلما غسلتُ يَدَيّْ راح يحدِّقُ في قلبي !
لم يحمل لي ظِلّي يوماً أخباراً جيّدة.
..

لا أعرف الرجل الذي أتبعُهُ منذ خمسين سنة.
كنتُ أمشي خلفه بممحاةٍ كبيرةٍ.
.
لا أثر لي . لا أثر لي .
لا أثر .
*كاتب عربي

شاهد أيضاً

العرب في خضم أتون من الاستهتار الشعري

علي لفتة سعيد منذ عام 1968 نشر الشاعر العراقي جبار الكواز أول قصيدة له في …