الرئيسية / . / الشّقران بين البناء والتّفكيك في تشكيل النّصّ القصصي.. “حين يأكلني الحزن” أنموذجًا

الشّقران بين البناء والتّفكيك في تشكيل النّصّ القصصي.. “حين يأكلني الحزن” أنموذجًا

خاص ( الجسرة )

*د. عبد الله عياصرة

14699911_1838192079733165_1183067955_n

لا يمكن أن تتحصل المتعة المرجوّة للقارئ من هاته الومضة السّرديّة الفاتنةِ المرهقةِ الصّادمةِ، إلا بسبر أعماق هذا الجسد الحكائيّ، فلربّما يصل إلى قراره.. ربّما! ولكنّ ذلك يستحيل له من القراءة الأولى، ولن يكون دون أن يمسك بروحِه التي تسري في ذلك الجسد أو يتلمّسها، وخاصّة أنّكِ يا “غازلةَ الصّوفِ”، ومُشَكِّلَةَ النّصِّ؛ جسدِه وروحِه، تباغتينا في معظم الأحايين بقصديّة المفاجأة التي تصدمنا، وتبقينا في حالة من الذّهولِ المفتعلِ من لحظة تسديدِكِ لأوّل لكمةٍ قويّةٍ موجعةٍ في وجوهِنا من أوّل تماسٍّ مباشر بين هذا الكائنِ الذي تقدمينه بشكل مشظًّى، مبعثر، على طريقة زكريّا تامر في القصة القصيرة، وإميل حبيبي في الرواية، وغيرهما، وبدرجةٍ مُقارِبةٍ تيسير سبول، وغيرهم من روّاد الحكاية الرّوائيّةِ ّالكبار، ولكن عندكِ الأمر مختلف وأكثر صعوبةً حقيقةً؛ إذ إنّكِ تكثّفين اللقطات وتختزلينها بحِرْفِيّةٍ عالية قلّ نظيرها، فيما بات يُعرف حديثًا بـِ”القصة القصيرة جدًّا” أو “القصة الومضة” -على اختلاف في التّأربخ لأوّليّتها- فالمِساحة الدّراميّة التي تشتغلين عليها من لحظة البداية(=المباغتة) إلى أن يلفظ ذلك الكائن أنفاسه معلنًا لحظة توقّف قلبه عن الخفقان قصيرة جدًّا، مقارنة مع لعبة(=تقنية) التّفكيك التي يمارسها أولئك الكبار الذين ذكرناهم آنفًا، حتى يُخيّل للمتلقّي/ القارئ للوهلة الأولى بأنه أمام نصّ غير مترابط، قد يصفه في سرّه بالضّعف إن لم يبح بذلك بالعلن لولا خوفه من فخامة الاسم الذي يروّس هاتيك الحكاية، ولكنّه إن لم يتدارك ذلك الإحساس، ويحاول لملمة شظايا النّصِّ/ الجسد المفكك المبعثر، وينجح بذلك، فهو للأمانة؛ متلقٍّ/ قارئٌ ليس موازيًا للكاتب، فالكاتب المبدع يحتاج لقارئ مبدع ذي ذائقة فنيّة عالية، يتمكن من فكّ خيوط النص ولملمته مرة أخرى؛ ليخرج بالرؤية المبتغاة، أو يقدم تصورا مقنعا لما فهمه، وقد يقدم قراءة موازية للنص الأصيل، وقد يتفوق عليه؛ فالأول يبدع ويتجلّى بفعل الكتابة والتّفنّنِ بتقنياتها المتنوّعة، والثّاني يبدع ويحلّق بفعل القراءة والتحليل والفكّ والرّبط والهدم والبناء، والوصول للرؤى المتوارية خلف الكلمات والسطور. ولكي لا أذهب بعيدًا في حديثي عن تقنيات الكتابة والقراءة الإبداعيّتين، أعود وأقول: إنّ هنالك خيطًا رابطًا بين جسد النّصِّ المفكّك (ظاهريًّا)، يجمع بين أشلائه، لا يمكن للقارئ أن يصل إلى الرؤية النهائيّة له، وقصديّته الكليّة إلا بعد أن يتمكّن من الإمساك بأوله وتَتَبُّعِ أثره وإن ظهر تارة أو اختفى تارة أخرى. ومن هنا؛ تبدأ عمليّة الربط والوصل بعد الفكِّ والفصل، وهي عمليّة “بنائيّة” بامتياز يقوم بها القارئ، تقابل عمليّة “التفكيك” التي يمارسها عليه ذلك الكاتب المبدع -الشّقران أُنْموذَجًا- صانع النّصِّ الذي يقدّم لنا كائنًا حيًّا ننغمس في متابعة نموّه حتى يكبر ويستوي على عوده، ويقصد أيضًا إيجاد هذه المعادلة المرّكبة (بين التّفكيك والبناء)، ويبرع فيها. مرهقةٌ هي هاته التّقنية، ولكنّها جدًّا ممتعة لأنّها تشدّك بكامل طاقتِك وإحساسِك نحو عمليّتين مستفزّتين، الأولى؛ محاولة الرّبط بين الأحداث، وترتيبها وتنسيقها ذهنيًّا حتى تصبح ضمن إطار منطقيّ متسلسل، فيصبح النصّ متماسكًا من النّاحية القرائيّة، والثانية؛ فكّ شيفرة النصّ الكليّة، والجزئيّة عبر ائتلاف أحداثه المبعثرة؛ سعيًا للوصول إلى المعنى العامّ أو الكليّ أو النهائيّ من خلال الخروج من حلقة إلى حلقة حتى نصل إلى النهاية المحتومة والمقصودة.
بصراحة؛ لا بدّ للقارئ من ترديد النّظر في هذا الكائنِ السّرديّ الحكائيّ، ليصل إلى كنهه وفكرته ومبتغاه، ولذلك كانت كل هاته التّقدمة بين يديه من فرط استفزازه “ذهنيًّا” بعد قراءته لأول مرة، وحجم الإحساس الذي يحرَّكه في عالم المتلقّي الدّاخليّ إلى درجة تصيبه بالوجوم، والتّفكير، ومن ثَمّ محاولةِ الكتابة والتعبير المترتبة على قراءته على قصره. يبحث القارئ عن رموزه المتناثرة كالقُمَّل، والصّوف، والجديلة، والحزن المأكول، والأصابع المقلّمة، والوريد المذبوح… وما قصة سورة الفاتحة قبل ذلك أو بعده؟! وووو… نعم؛ رموز بسيطة من صلب حياته وحياتنا، ولكنّها لمّا التقت استحالت جسدًا عصيًّا على التّطويع إلا لمن تيسّر له قارئة تملك سرّ ذلك الفنجان الذي خرج منه كلّ هذا البوح وما تحمله رموزه من ألق وحزن وشجن وخيبات ووجع يهدّ أعمدة الضّياء والإحساس في أعماق ذلك المحروم/ة من أبسط حقوق الحياة، ولا يقابل كلّ من حوله بمن فيهم من يترجّى حبّه وعطفه، ويظنّ -متأسّفًا- أنه منه وله! إلا بكبرياء تعجز الجبال عنه وعن حمل حجم الوجع الخفيّ الذي يحمله، وعلى الرّغم من ذلك هو صامد، ولكنّه ينتهى رويدًا رويدًا وهو على قيد الحياة، ويرى نفسه وهو يموت في كلّ لحظة، فمِنْ غصّةٍ إلى غصّةٍ، ومن ميتة إلى ميتة حتى تراكم الموت، وبات يأكل قلب “الحزينة”…
كانت هاته المداخلة الحلقة الأولى على أعتاب نصّ الشقران “المستفزّ” الجميل، وسيكون لي كَرّةٌ أخرى في قراءته لعلّي أفكّ شيفرته أو بعضًا من رموزه -كما أسلفت- من خلال منهج نقديّ أو أكثر، كالمنهج النّفسيّ تحديدًا، وإن كان يتطلّب معرفة كبيرة في خلفيّات الكاتب ومنطلقاته، وتفاصيل حياته، ونظرته للكون والحياة، وطبيعة فكره وتفكيره وأيديولوجيته ومرجعياته… نعوّضها ببعض ما تراكم لدينا من خبرة بأسلوب كتابته وطرحه في نصوصه وقصصه، وومضاته.
#يتبع…

شاهد أيضاً

صوتي صهيل الزيتون.. ل -سلطان الزغول-

-سلطان الزغول-