.

فريد البابلي يرحل والعراق يخسر موسيقيا رائدا

سلام الشماع

غيّب الموت في العاصمة المصرية القاهرة، مساء الأحد، الموسيقار العراقي ألفرد جورج، المعروف فنيا بفريد البابلي، وأقيم قدّاس على روحه في منطقة الرحاب بالقاهرة، الثلاثاء.

وولد الفنان ألفرد جورج، الذي غير اسمه إلى فريد البابلي تأكيدا لهويته العراقية، في عام 1943 ببغداد وأكمل دراسته الإعدادية فيها، ودخل الإذاعة العراقية بصفة ملحن في عام 1958، وقدم العديد من الألحان الغنائية لمعظم مطربي الإذاعة العراقية، منهم جميل قشطة، وأحمد الشافي، وداود العاني، وعلي الدبو، وعدنان محمد صالح، وعبدالواحد زيدان.

والتحق الراحل في عام 1960 بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، قسم الكمان الشرقي، وحصل على بعثة دراسية في مجال الموسيقى إلى رومانيا لمدة ثلاث سنوات لدراسة آلة الكمان، وفي الفترة الممتدة من 1971 إلى 1973 أصبح أحد مشرفي لجنة فحص الألحان في دائرة البرامج الموجهة والمحلية بإذاعة بغداد، كما قدم العديد من الألحان الكردية والسريانية والتركمانية التي أداها مطربون ناطقون بهذه اللغات.
هو وبليغ حمدي

انتشرت بعض ألحان فريد البابلي في نهاية خمسينات القرن الماضي وبداية ستيناته، مثل “أحبك يا حبيبي شوفتك عيد” التي غناها حسين السعدي و”وليش كَلبك” لجميل قشطة، كما قدم إلى فرقة الإنشاد الأنشودة الدينية “أقدس شهر للإسلام”، وله ترانيم وأغان باللغة السريانية بصوته، وأغان أخرى لمطربين عراقيين، كذلك لحن عددا من الأغاني والأناشيد الوطنية.

وفي عام 1973 أسهم في عدة نشاطات موسيقية متعلقة بالعزف على العود في قاعة “الشعب” ببغداد، وحصل على درجة الامتياز الأول في مجال الموسيقى والتلحين والعزف على آلة العود، وكان الموسيقار المصري الراحل بليغ حمدي يستأنس إلى سماعه وأصبح أحد أصدقائه.

وفي عام 1974 انطلق البابلي في فضاء العالمية بعد مغادرته بغداد متجها إلى لندن ليواصل نشاطاته الفنية في مجال العزف والتلحين فوضع ألحانا غربية أداها مطربون إنكليز، وفي عام 1975 منح عضوية جمعية الموسيقيين البريطانيين (باسكا) للملحنين والمؤلفين والموسيقيين، وحصل في عام 1997 على شهادة دبلوم الموسيقى الشرقية.
ابتكارات وترية

أضاف فريد البابلي في عام 1956 الوتر السادس بدرجة (فا) والذي أعطي أبعادا جديدة للعود في الجواب، وفي عام 1982 أضاف الوتر السابع الذي أعطى للعود بعدا إضافيا في القرار، وفي عام 1990 صمم وابتكر العود الكهربائي وسماه “العود القيثارة”، وقد أشادت به الصحافة العربية وعدّ ذلك من أهم ابتكاراته.

ووضع البابلي أسلوبا خاصا به في العـزف على العود يعتمد على “تجزئة المقام” الموسيقي الواحد إلى ثلاث مراحل، الأولى هي الافتتاحية ويستعيرها من مقدمة موسيقية لعمل مشهور سبق تقديمه بهذا المقام، والثـانية تتبع العـزف التقليدي، والثالثة يستعين فيها بأغنية مشهورة ذات إيقاع سريع ليختم بها العمل، وبهذا يجعل القطعة الموسيقية وحدة فنية متكاملة، وهـذا الأسلوب لم يتطرق إليه أحد من قبل، مما جعله رائدا في مجال تطـوير العود والعـزف عليه، وأضاف التحسينات الصوتية للعود كما حدث للآلات الغربية.

والراحل كان يردد “إنني أعزف لذاتي من خلال واقـع الناس وأحاسيسهم لتحقيق التواصل معهم والانتماء إليهم”.

ويقول الإذاعي العراقي غازي فيصل، الذي زامل البابلي “قالت لي زوجته فتوح وأنا أواسيها، بعد أن أجلسناه على سريره واستلقى، فتح عينيه وأومأ بيديه وودعني بهدوء، وشوق العراق يشع من عينيه”. هذه هي النفس الراضية المرضية لفنان رائد أصيل، ملك قلبه حب العراق فكان عشقه الأبدي، وكان يحلم بالاستقرار فيه، ويحلم بأن تعلو صروح وشواهد تزدهي فيها روافد الفن العراقي لترتوي منها الأجيال، حضارة وثقافة ولتشع بها فنا رصينا يليق بأهل الحضارات.

ويضيف فيصل “عرفت الموسيقار ألفريد جورج الشهير بفريد البابلي منذ خمسين عاما، إنسانا غنيا بالمعاني السامية، أصيلا في عطائه، مبدعا في سفره، الذي أغنى المكتبة الإذاعية العراقية والعربية بألوان رشفت من مناهل دجلة والفرات فعذبت بسقياها وتعطرت بصفائها وتجذّرت بأرض الوطن”.

زار الفنان البابلي العراق في عام 1995 مع وفد المغتربين العراقيين، وخصص ريع حفلاته لشراء الأدوية وتقديمها إلى بلده العراق، ونفذ عددا من المشاريع الموسيقية أهداها إلى الإذاعة والتلفزيون، ومن الأناشيد التي قدمها “بغداد أغنية المغتربين”، حيث يقول مطلعها “يا زاير وطنّه… شم العطر منّه/ وبعراقنه أتهنّه… وبغدادنه الجنّه/ هاي أرض الجدود والكرم والجود/ وأفرح من أعود… وأرجع البغداد”.

(العرب)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة