الرئيسية / دراسات / على صهوة الإبداع: د يحيى الأغا ناقدا

على صهوة الإبداع: د يحيى الأغا ناقدا

خاص (الجسرة)

يوسف أحمد أبو ريدة

في عصر مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأدبية على الشبكة العنكبوتية الإنترنت كثر المبدعون والمدّعون، وبرز للمتفحص حاجة الساحة الأدبية إلى نقاد ذوي بصيرة ثاقبة لتمييز طيب الأدب من خبيثه، وبخاصة أن كثيرا من دارسي الأدب ابتعدوا عن الروح العلمية والإبداعية فرفعوا من لا يستحق، وأشاحوا عن الكثيرين من ذوي الأقلام المبدعة والأفكار الجديدة، والرؤى المحلقة من الشعراء.
في قراءاتي لكتب الدكتور يحيى زكرياالآغا الذي يتميز بالنظرة الثاقبة الإبداعية والروح العلمية وجدت قامة نقدية علمية شامخة تتميز بالأصالة والمعاصرة، وتتحلىبوقار الناقد الأكاديمي، وتجدد الناقد المبدع، لقد تميزت كتبه بدراسات واعية متأنية للشعر المعاصر وبخاصة الشعر الفلسطيني، فلم يكتف بالوصف المجرد والإحصاءات والتصنيفات المتسرعة كما فعل الكثيرون، بل أعمل فكره المتوقد في مئات النصوص الشعرية، واستقرأ الكثير من الدواوين المعاصرة، فاستنطقها تفسيرا وتوضيحا آخذا بيد المتلقي، فاكّا مغاليقها، وكاشفا عن مضامينها والقيم الشعورية والوجدانية فيها بروح الناقد المبدع الذي لا تنقصه الأدوات العلمية، ولا غرو فهو يحمل الدكتوراه في الأدب العربي.
كان من مهماته التي رأى أنها ذات قيمة عليا أن يوثق النصوص والأقوال التي تدور حول الشعراء النابهين المتميزين، فاكتفى بالتوثيق في كتابه ” سميح القاسم في ظل الغياب”، وترك للقارئ أن يحيط بآراء متنوعة عن الشاعر، لكنه عمد إلى دواوين كثير من الشعراء الفلسطينيين، فاستقرأها وسلط مصابيح فكره على كثير من شعراء الداخل والشتات، فجاء كتابه إضاءات في الشعر الفلسطيني المعاصر، متناولا شعراء كان على النقاد والدارسين أن يتلفتوا إلى أشعارهم أمثال حسين معين بسيسو وشكيب جهشان وشفيق حبيب وفاروق مواسي وحسين مهنا، وزينب حبش.
وفي دراسته العلمية المتميزة للبنية اللغوية والموسيقية في الشعر المعاصر تجد أنه يمتلك كل الأدوات للنظر في النصوص مفيدا من المناهج الحديثة في النقد سواء تلك التي تتناوله من الخارج وما يحيط به من بيئة اجتماعية، والمناهج التي تستقرئ النص وتدرس بناه الفنية والمعنوية من خلال النص نفسه، كاشفا عن ملامح الشعرية في النصوص وما فيها من قيم فنية واتجاهات كونية ووطنية حديثة.
في جعبة سيرته الذاتية الكثير من العطاء النقدي، سواء أكان على شكل دراسات نقدية أم على شكل مقالات أدبية ونقدية، إضافة إلى مساهماته في المؤسسات الأدبية وعطاءاته في الصحف القطرية المختلفة، والفعاليات الثقافية في الدوحة.
والمستقرئ لأعماله ودراساته يجد أنه قد يسلط الضوء أحيانا على الكاتب فيدرسه من جوانب مختلفة وربما يدرسه من زاوية محددة، إذ يدرس الصورة الفنية في شعر فدوى طوقان وأثره الوجدان الإسلامي فيها، في حين يكشف عن ملامح عامة للشعر الفلسطيني من خلال دراسته المتميزة ” جماليات القصيدة في الشعر الفلسطيني المعاصر”، فهي دراسة مستفيضة عميقة تكشف عمق نظرته وتحليله، ومنطق إسقاطاته النقدية البارعة، فهو لا يكتفي بالنظر للأشياء من الخارج، ولا يكتفي بما قاله الأقدمون عن الصورة وتقسيمها إلى تشبيه واستعارة وكناية في شعر فدوى طوقان، ولا يكتفي بالجماليات الخارجية من وزن وقافية وصورة في القصيدة الفلسطينية المعاصرة، بل يسبر أغوارها ويكشف ما غمض من صورها متكئا على ثقافة واسعة، وفكر متوقد حي، وذائقة فنية مرهفة، تجعلني أتمنى لو أنه يتوفّر على الوقت الكافي لمزيد من القراءات المختلفة لجوانب الشعر الفلسطيني والعربي، لأنني أعرف انشغالاته الحياتية الأخرى في العمل الدبلوماسي والتربوي والاجتماعي والمؤسسي التي تحد دون تفرّغه للدراسة النقدية.
وبالعودة إلى كتابه البنية اللغوية والموسيقية في الشعر الفلسطيني المعاصر، تجده معنيا بإبراز جماليات القصيدة الفلسطينية وما فيها من قيم فنية وثقافية تقف كصخور جبل الكرمل في وجه محاولات الطمس الإسرائيلية، ويرى أن القصيدة هي جذر من جذور البقاء في وطن الكنعانيين، غير أن أنه يكشف عن امتداد طبيعي للشعر الفلسطيني في محيطه العربي، وعن ارتكازه على ثقافة شرقية لا تعارض التجديد في التشكيل اللغوي والموسيقي والفني، فهو يرى أن من البدهي أن يحافظ كثير من شعراء فلسطين على نمط التقفية التقليدي، في حين يقطع آخرون منهم شوطا طويلا في التحرر من القافية في شعر التفعيلة، وفي اشكال بناء القصيدة الفني كالسردي والحواري والدرامي، والرمزي، وهي في رأيه تغطي قضايا الإنسان الفلسطيني المشتركة المتمثلة في الأرض والإنسان والمعاناة والشهادة والحرية.
الشكل والمضمون قضية نقدية دارت حولها صراعات جدلية كبيرة منذ أن نشأ النقد المنهجي، ووقف النقاد منها على طرفي نقيض، فمنهم قدّم المضمون ومنهم من وقف مع الشكل قلبا وقالبا، وليس أدل على ذلك من نظرية رأس البصل عند رولان بارت.
لا يفصل الدكتور يحيى الأغا بين الشكل والمضمون، إلا لغرض الدراسة العلمية، فهو يرى أنهما يلتحمان ليشكلا بنية القصيدة، وأما تشريح النصوص باستخدام أدواته الفكرية والنقدية الفذة وأدوات علم النص الحديث، فهو مما يقوم به بغرض استكناه النصوص واستنطاقها، إذ يلح على فكرة الالتزام عند الشاعر الفلسطيني، الذي يعالج قضايا الفلسطيني المشتركة بشكل حديث، فالشاعر- فيما يرى الدكتور- يستمد من واقعه وثقافته الخاصة وثقافة المجتمع صوره وأحاسيسه ويصهر هذا في بوتقة قصيدته الملتزمة البعيدة-فيما يرى-عن الرومانسية، وفي نظرته للبناء الرمزي للقصيدة الفلسطينية المعاصرة يرى أنه أمدّها بتنوع البنية الموضوعية، وعبر عن مكنونات النفس، وعن أهداف فنية وشحنات انفعالية داخلية، وعلى هذا لا يكون الرمز مجرد دلالة موضوعية عابرة، إنما يكون مكونا أصيلا من مكونات القصيدة التي يلتحم فيها الشكل بالمضمون والإيقاع بالمعاني والصور وظلال الألفاظ.
ولا ينظر للصورة الفنية إلا ضمن بناء القصيدة الكلي، فهو يدرسها ويشير إلى ما تحمله من دلالات نفسية واجتماعية، وما فيها من تنوع في البنية الفنية والموضوعية، وحتى في نظرته إلى الإيقاع فهو لا يكتفي بالإشارة إلى التراث والحداثة فيه، وإلى تقسيمه إلى عمودي وتفعيلة، إنما يدرس ارتباط الموسيقى بالقيم الفنية والتجارب الشعورية والدفقات النفسية التي تعبر عن صوت الشاعر الإنسان، والوسط الاجتماعي والوطني الذي يعيش فيه.
في دراسته للشعراء لا يكتفي بالدراسة اللغوية والموسيقية، إنما يتلقط ما يتميز به الشاعر كما يقول النص، فهو يرى أن دواوين فاروق مواسي- مثلا- حافلة بالمدن الفلسطينية التي يريد لها أن تبقى ماثلة في أذهان الأجيال رغم سنوات الاحتلال الطويلة، ويرى أن حسين مهنا مثلا يرتكز في شعره على بعدين أحدهما وطني محلي والثاني إنساني عام، وما بينهما يلتقط الأدوات الفنية التي تميز شعره وتعبيراته الفنية.

شاهد أيضاً

مغامرة الكتابة وتجريب المختلف قراءة في رواية “خارج السيطرة” للكاتب عبد اللطيف ولد عبد الله

العلجة مودود (خاص الجسرة) طالما كانت الأعمال الأولى للروائيين محل اهتمام كبير بالنسبة لنا نحن …