الرئيسية / سينما و تلفزيون / ‘جواب اعتقال’ استسهال درامي في معالجة قضية الإرهاب

‘جواب اعتقال’ استسهال درامي في معالجة قضية الإرهاب

سارة محمد

النتيجة الأهم التي يخرج بها المشاهد بعد مشاهدته الفيلم المصري الجديد “جواب اعتقال” للنجم المصري محمد رمضان هي صعوبة الجمع بين التأليف والإخراج، وهو المأزق الذي لم يستطع المخرج محمد سامي -الذي كتب الفيلم وأخرجه- التغلب عليه في هذا العمل الذي يناقش واحدة من أهم القضايا العربية والدولية الشائكة في الوقت الراهن، وهي قضية الإرهاب.

أراد سامي في الفيلم طرح قضية الإرهاب من منظور محلي ودولي، لكن جاء ذلك بشكل غير متماسك ودون ترتيب في الأفكار ولا يشير إلى رسالة واضحة ومحددة، اللهم إلاّ الكراهية التي ستصيب المشاهد تجاه بطل العمل الإرهابي خالد الدجوي الذي يقوم بعمليات إرهابية ضد قوات الأمن.

 

ترميز في غير موضعه

التفكك يبدأ منذ بداية أحداث الفيلم، والتي يروي فيها الضابط “محمد عبدالعزيز” (الذي يلعب دوره الفنان الأردني إياد نصار) تفاصيل عن حياة البطل “خالد الدجوي” (الذي يؤديه الفنان محمد رمضان)، يسرد فيها لماذا أصبح قلبه مملوءًا بكل هذه الكراهية والعداوة،

وهنا يتوقع المشاهد أن تأتيه الإجابة بأن الدجوي تعرض مثلا للاضطهاد من إحدى القيادات الأمنية، أو للافتراء من أحد المسؤولين بالدولة، إلاّ أننا لا نرى أيا من هذا، وبالتالي لن نعرف لماذا أصبح بطل الفيلم إرهابيا؟

طفولة خالد الدجوي لا تحمل أكثر من كون والدته تركته وتزوجت شخصا آخر غير أبيه، لأنها أحست بأن أباه أقل من المستوى الذي كانت تحلم به، وكان الأب يعمل خادما لبعض الأشخاص الذين يظهرون مع بداية الأحداث بأنهم مشايخ يؤدون الصلاة بالمساجد، ثم نكتشف بعد ذلك أنهم أعضاء في جماعة إرهابية.

ويظهر الأب في أحد مشاهد “الفلاش باك” حاملا أحذيتهم مهرولا نحوهم ليضع الأحذية تحت أرجلهم، فيستوقفه الابن في نظرة غاضبة تجعله يترك الأحذية ويقوم هو (الدجوي) بدفعها نحوهم برجله، ومن هنا تبدأ عقدة “الطاووس” لدى البطل بحسب ما يرد على لسان الضابط الراوي بكونه يريد أن يكون فوق الجميع.

وفي كل ما سرده الضابط لم نجد شيئا بعينه يدفع البطل إلى اتخاذ هذا المسار الإجرامي، واستكمالا للخلل الدرامي كان “الترميز” الذي استخدمه مؤلف ومخرج العمل على مدار الأحداث بلا جدوى، وعلى سبيل المثال تحديده عام 1993 الذي حدث فيه مشهد الأب والمشايخ والأحذية، وكأنه يريد أن يقول لنا بشكل غير مباشر إن هذا التوقيت كان النواة الأولى لزراعة الإرهاب في مصر، مع أن التاريخ الحقيقي لحوادث الإرهاب الدموية كان في عام 1990 عندما اغتال المتطرفون رئيس البرلمان الأسبق رفعت المحجوب.

بعد ذلك استخدم المخرج تاريخ 2005، حيث قتل الدجوي شخصا آخر تشاجر مع “الشيخ عبدالله” (الذي يلعب دوره الفنان سيد رجب) في مدينة المحلة التابعة لمحافظة الغربية بشمال مصر، وهنا لا نعرف أيضا لماذا عام 2005 في المحلة؟ فهل أراد التلميح إلى أحداث احتجاجات المحلة ضد غلاء الأسعار؟ طبعا لا يمكن، لأن احتجاجات المحلة وقعت في 6 أبريل 2008، ومنها نشأت حركة 6 أبريل الشبابية المعارضة في مصر.

المفارقة الأكبر، أن الفيلم لم يحدد لنا عن أي مرحلة للإرهاب يتحدث بالضبط، وترك الأمر مفتوحا حتى يعطي لنفسه مساحة وافرة من التعرض لأي حدث في أي وقت، وهو مأزق آخر وقع فيه العمل لأنه ببساطة لم يحدد لنا ما إذا كان يتناول إرهاب جماعة الإخوان أم لا؟ ما أوقع المشاهد في الحيرة.

ولا تتوقف الرموز المضطربة في الفيلم عند هذا الحد، بل ننظر فنرى البطل موجودًا في شقته في قلب ميدان التحرير بالقاهرة، وهو أمر غير منطقي، لأنه إذا كان المخرج أراد الإشارة إلى أن هذا الميدان كان بداية لتوغل وانتشار الجماعات الإرهابية وتدفق التيارات المتطرفة من الخارج إلى داخل مصر فإن هذا غير صحيح، فقد ارتبط الميدان في وجدان المصريين بالدعوة إلى التحرر والمواطنة الراقية وبتسامح المسلمين والمسيحيين، وهو ما ظهر في ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، فأي ربط منطقي إذن بين الميدان والإرهاب؟

 

لماذا تكرهون مصر

خطأ درامي آخر أكد تهلهل الأحداث، تمثل في اللقاء الذي تم بين أعضاء قيادة التنظيم الإرهابي بمصر ونظرائهم في لبنان، ويسأل الدجوي أحد قادة التنظيم هناك بسذاجة “لماذا كل هذه الكراهية لمصر؟”، مع أنه كان الأولى به أن يوجه السؤال إلى نفسه وإلى قادة التنظيم المصريين (وهو المصري الإرهابي الذي يكره مصر)، فيرد الآخر قائلا “لا تسألني أنا فأنا أنفذ الأوامر مثلك، لكن اسألهم هم”، وهنا سيطرح المشاهد تساؤلا “من هم أعداء مصر بالضبط؟”، الفيلم لم يقدم أي إجابة.

أراد مخرج الفيلم أن يظهر جانبا خفيا من شخصية الإرهابي وهو المحبة المبالغ فيها التي يكنها لابنة عمه “فاطمة” التي تلعب دورها الفنانة دينا الشربيني، فنرى الدجوي ينهال بالضرب المبرح على شخص أراد أن يتقدم لخطبتها، ويصل العقاب إلى حد أن يجرده من ملابسه، وبدا المشهد مشابها لطريقة تعذيب تنظيم داعش لمعارضيه، من حيث وضع الركوع على الركبة والتذلل والبكاء من الضحية، وطبعا يسأل المشاهد نفسه “هل يحدث ذلك في مصر.. فأين ومتى بالضبط؟”.

بطل الفيلم، بعد أن أجبر فاطمة على الزواج منه رغم إرادتها هي وأبيها (الفنان الراحل أحمد راتب) يظل يردد لها أنه يريد إظهار الجوانب الإنسانية فيه وأنه قادر على الحب، إلاّ أننا لا نرى أي جانب عاطفي أو إنساني فيه، بل كل تصرفاته كانت ضربا وتعذيبا وشجارا ودماء، على العكس من أعمال أخرى وقعت فيها البطلة في حب الإرهابي بعد معرفة الجانب الآخر فيه، ومنها مثلا فيلم “الإرهابي” للفنان عادل إمام وشيرين، ومؤخرا مسلسل “عد تنازلي” لعمرو يوسف وكندا علوش.

ولم تتم معالجة الجانب الأمني بانضباط في الفيلم وكشف عن أخطاء صريحة في السيناريو، فعلى سبيل المثال أظهر الفيلم وزير الداخلية كشخصية مهزوزة مذبذبة غير قادرة على اتخاذ أي قرار في مواجهة الضابط محمد (إياد نصار) الذي يدير الأزمة، وسوف يقول المتفرج لنفسه بالتأكيد “كيف يفرض ضابط مهما كان رأيه على الوزير بهذا الشكل؟ ولماذا يقبل الوزير ذلك؟”.

المخرج والمؤلف محمد سامي لم يضع رسالة واضحة لفيلمه، ولم تكن هناك تجربة متماسكة يستطيع الشباب المصري والعربي أن يستفيد منها كي لا يتجه نحو ارتكاب تلك الأفعال الإجرامية، كما لم تكن هناك رؤية عميقة وواضحة لقضية الإرهاب، وبدا واضحا أن المخرج أراد أن يستفيد من براعة الممثل محمد رمضان في أداء مشاهد “الأكشن”، لكن بعيدا عن دراما البلطجة التي حذر الجميع رمضان من الاستمرار فيها، وظهر ذلك جليا في كادرات التصوير التي تظهر مدى القوة الجسمانية والبدنية للفنان.

وبعيدا عن مأزق محمد رمضان، فإن أزمة جمع المخرج بين وظيفته كمخرج ومهمة التأليف تُعد أزمة كبرى قد يقع فيها بعض المخرجين الجدد الذين تستهويهم تجربة تنفيذ فكرة معينة دون دراستها بشكل متأن، وقليلة هي تلك التجارب التي حققت نجاحا في هذا السياق، ومنها تجربة المخرج محمد دياب صاحب فيلم “اشتباك” و”678” وغيرهما.

(العرب)

شاهد أيضاً

أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه

يسري وناس تقام الدورة الـ28 من مهرجان “أيام قرطاج السينمائية” الذي يطلق عليه “عميد مهرجانات …