الرئيسية / إصدارات / من يهتم بالأدب إن تحول إلى كتابة لغوية جوفاء؟

من يهتم بالأدب إن تحول إلى كتابة لغوية جوفاء؟

حنان عقيل

في مجموعتها القصصية الأخيرة “حائط غاندي”، الصادرة مطلع هذا العام، والتي جاءت بعد توقفها عن الكتابة لأكثر من عام، تستند الكاتبة المصرية عزة رشاد إلى شخصية غاندي في مجموعتها لتجعل منه البطل الرئيسي خلف الكثير من التفاصيل.

وتقول عزة رشاد “أتتني قصة “حائط غاندي” بعد فترة التوقف عن الكتابة، لتفتح أمامي الباب مجددا، هذه القصة التي لا تتجاوز الثلاثمئة كلمة منحتني ثقة هائلة، ومنحتني الأمل في كتابة قصص أخرى ليكون كتابا قصصيا رابعا لي بعد كتبي القصصية الثلاثة: ‘أحب نورا.. أكره نورهان’، و’نصف ضوء’، و’بنات أحلامي’ ولهذا صرت مدينة لها باتخاذ عنوانها عنوانا لهذا الكتاب”.

وتتابع “لا يمكنني أن أتجاهل أن فترة توقفي عن الكتابة ثم عودتي بمشقة حقيقية، خلال عامي 2013 و2014 وهي فترة تميزت دوليا ومحليا بأحداث جسام غلب عليها طابع العنف، عنف الدول وعنف الجماعات المناوئة، سواء في الحروب أو في التفنن في القتل، والولع بالتعذيب: نحرا وحرقا.. إلخ، وصولا إلى عنف الأفراد وظهور أنواع غريبة من الانتهاكات، فيصعب أن تمنع غاندي من التسلل إلى قصة أخرى ‘رسائل بظهر الغيب’، أو من الظهور الخاطف في ‘رسالة علياء’، أو تمنع ظهور أينشتاين وليوناردو دافنشي، وشجرة الدُر ويحيى حقي وغيرهم، الذين أتوا لأن لحظات التهديد للوجود الإنساني استدعتهم كرموز للحضارة الإنسانية”.

 

تاريخ آخر

تمثّل “حائط غاندي” في جزء كبير منها، ثورة ضد المفاهيم والموروثات المغلوطة سواء في ما يتعلق بوضع المرأة في جميع مراحل حياتها أو غيرها من الموروثات الفكرية والتاريخية المتداولة.

وتلفت رشاد إلى أن المبدع ليس معلقا في فراغ، ولا يحيا في برج عال، إنه ابن هذا العالم، هذا الواقع، لكنه يتعامل مع كل ذلك بجمالياته الخاصة وبرؤيته التي تتسم بالموضوعية والحياد، فالإبداع هو عين ترى الأبعد والأعمق، والذي تعجز عن رؤيته العين العادية، كما لا يمكن إنكار تأثير التاريخ أو ما نتصور أنه التاريخ في الحاضر والمستقبل.

وتبيّن رشاد “يؤرقني أن التاريخ يكتبه الأقوياء، ولو زعزعنا هذا الثابت فلربما ننفتح على تاريخ آخر، مختلف تماما، أو تواريخ عديدة أخرى، ولهذا يجب أن ننفض الغبار عن الخفي والمُحرَّم، ونصغي لأصوات الفئات المهمشة والمنسية أو التي أريد نسيانها ودفن حقيقتها مع جثامينها بنفس اللحد، أو تصدير صورة زائفة عنها تخدم أغراض الأقوياء والسلطويين”.

 

مناوءة المألوف

الهمّ الأنثوي يتبدى واضحا في عدد من القصص داخل المجموعة فيما يرى الكثير من النقاد أن التركيز على قضايا المرأة في العمل الأدبي هو عجز من الكاتبة على الخروج من شرنقة الأنثى، تُعلّق رشاد “لا أشعر بالطمأنينة تجاه إطلاق نعوت على الكتابة النسائية مثل”شرنقة الأنثى”، لأنها نعوت تهدف إلى الحدّ من حرية الكتابة، ولا أعتبرها سوى فخاخ تبدد اهتمامات المبدعين والنقاد بلا طائل، فمن وجهة نظري لا أتصور للأدب وجودا إن لم ينفتح على كل ما هو إنساني، بل على الكون كاملا: إنسانه وحيوانه ونباته وجماده وطبيعته وكيمياءه، وكل عناصره وظواهره، وهذا التصور أقرب لحساسية كتابة المرأة التي تنتبه لصوت الأحراش لا المراكز، وتصغي للهامشي والمستضعف والمنسي والمُهمل والمرفوض والمُحتقر وتستوعب كل ما حولها، وهذا هو منظوري الشخصي للأدب النسوي المغاير، إنه الإصرار على تحقيق العدالة لجميع الفئات وصيانة حقها جميعها في أن تقول كلمتها وتكون موضوعات للسرد، وعدم الانحياز لأي منها”.

وتضيف “الأدب النسوي الحقيقي لا يتمحور حول المرأة كأنثى فقط، بل أيضا كإنسان، ولا يتمحور حول المرأة وحدها، حتى لو أتت الكتابة بلسان امرأة، كما أنه يسعى لئلا يكون تكرارا لما سبق كتابته بذات القواعد الصارمة الرافضة لأي خروج عليها، وألا يكون أيضا نموذجا لما يُسوَق لكتابته وتقديمه باعتباره النموذج العصري الوحيد، الذي يجب أن يُحتذى، مع ما يحمل هذا المنحى من رفض للآخر، ورفض للتعددية في جوهرها”.

وتلفت رشاد إلى أنها على المستوى الشخصي لديها رغبة في خوض تحدّ أكبر، خوض حرب أكثر ضراوة ضد ذاتها وبحثا عنها ومن أجلها بنفس الوقت، لأجل تحريرها بالأساس، قائلة “أريد أن أجترحها بشكل لم يحدث من قبل، أن أصل لأبعد خباياها غورا، أريد أن أكتب شيئا “جنونا” لم يُعرف من قبل، ولا يمكن أن يكابده سواي، هذا ما أريده ولا أعرف إن كانت طاقاتي تواكبه أم لا؟ وهذا ليس بالقليل، فما من شيء أكبر يمكنني أن أنتظره من الكتابة، فدورها برأيي هو التأثير الذهني والوجداني في المبدع والمتلقي معا، لإعادة النظر في الرؤية للعالم والذات والآخر، للحياة والموت، وفي قيمه الجمالية أيضا، وربما يراكم هذا على المدى الطويل قدرة لمناوءة الثابت والمألوف من الأفكار، وهذا أكثر واقعية من الحلم بتغيير العالم”.

وتشير عزة رشاد إلى أن كل ما تحتاجه للكتابة هو الانفراد بذاتها، فالولوج إلى دواخلها ومناطقها المعتمة هو أقصى انفتاح على عوالم الإبداع، لأن رؤيتها عن كثب، بعيدا عن صخب العالم وزيفه وضغوطاته، هو الذي يمَكّنها من رؤية داخل العالم والاقتراب من حقيقته، وتقول “هذا صعب في ظروفنا الحياتية الحالية، حيث تقتات على الذهن والوجدان عشرات إن لم يكن مئات من الشواغل مع كل طرفة عين، بالإضافة إلى حالة مزاجية تسمح بشجاعة مواجهة الذات”.

وتعمل رشاد كطبيبة بجانب عملها الإبداعي، وهنا تبيّن أن كل علم يفيد في تطوير ذهنية المبدع وتصوراته وطريقة تفكيره، كما أن كل مهنة تفيد، خاصة تلك التي تتيح التعامل مع الناس، وتضيف “فما بالك حين يكون هذا التعامل في لحظات حرجة: مرضى وذويهم.. إلخ. وبالتأكيد لا أحتاج أن أقول إنّ هشاشة الحياة تُخرج من أعماق الشخص الكثير من المخاوف الدفينة والضلالات والتناقضات، والأشواق المغدورة كذلك، وكل معرفة أعمق بالبشر هي خبرة تنعكس في الكتابة بشكل غير مباشر، لكن من جهة أخرى تسلبكِ ممارسة الطب الكثير من الوقت والجهد وراحة البال”.

(العرب)

شاهد أيضاً

شعر النثر العربي في القرن العشرين

محمد عبد الرحيم عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة، سلسلة كتابات نقدية، صدر كتاب …