الرئيسية / سينما و تلفزيون / تسعون عاما على الفيلم الصامت «شروق»: نقد سينمائي مبكر لحياة المدينة مقابل الرّيف

تسعون عاما على الفيلم الصامت «شروق»: نقد سينمائي مبكر لحياة المدينة مقابل الرّيف

سليم البيك

أتى فيلم «شروق» كمرحلة انتقال بين حقبة الأفلام الصامتة وتلك الناطقة، الذي أُنتج قبل تسعين عاماً، لا يُعتبر أحد أهم كلاسيكيات السينما في العالم وحسب، بل هو حسب لائحة مجلة «سايت آند ساوند» البريطانية لأعظم 100 فيلم، يأتي في المرتبة الخامسة، وفي المرتبة الثالثة حسب لائحة مجلة «تيليراما» الفرنسية لأفضل 100 فيلم في تاريخ السينما.
هو الفيلم الأمريكي الأول للمخرج الألماني فريديريك ويليلم مورنو (أو ف. و. مورنو). تبعته 3 أفلام قبل أن يموت في حادث سيارة عن 42 عاماً.
«شروق» الذي كان أو تجربة لتداخل تأثيرات صوتية مع الموسيقى في فيلم، يُعتبر نموذجاً للتعبيرية الألمانية التي وصلت ذروتها في برلين في عشرينيات القرن الماضي، قد يكون هذا الفيلم أحد أبرز تمثيلات هذه الذروة وإن أُنتج في الولايات المتحدة الأمريكية. في الفيلم، لذلك، تقنيات الإضاءة ليلاً نهاراً، وإسقاطاتها على الأجسام بمن فيها الشخصيات نفسها، في الغرف وكذلك في الأمكنة المفتوحة. نضيف إلى ذلك الأداء المسرحي للشخصيات، وهذا مرافق لعموم الأفلام الصامتة، إنّما برز هنا «للسنتمنتاليّة» في الفيلم، العاطفة المفرطة على حدّيها: من الانجرار الجنسي مع العشيقة – التي تشبه مصاصي الدماء- إلى محاولة قتل الزوجة الطّيبة، إلى محاولات الاعتذار والفرح الساذج مع الزوجة. وبغياب الكلمات، إلا المكتوبة للضرورة والمتخللة بعض المشاهد، كان للأداء المسرحي المبالَغ فيه أن يحل محل الحوار المحكي. وهذا من ميزات تلك الحقبة ومن شروطها، ما يصعب تقبّله في إنتاجات عاصرت وتلت الفيلم الناطق.
الحكاية بسيطة، تصوّر الخير والشر في ثلاث شخصيات ومكانين، الرجل وزوجته وعشيقته، الريف والمدينة. تقابلها كلّها يجعل التباين بين الخير والشر ثيمة أساسية آتية في سياق حكاية الحب بين الرجل وزوجته، حكاية يومٍ وليلة وهي مدة أحداث الفيلم.
من جهة لدينا امرأة مثالية وطيبة ومخلصة وجميلة بشكل ساذج، لملابسها وشعرها ألوان فاتحة، هي الزوجة، نراها أكثر في النهار، ولدينا امرأة لعوب نراها في الليل، أتت من المدينة إلى الريف وبقيت هناك، لملابسها وشعرها ألوان قاتمة هي عشيقة الرجل الذي تقنعه، بخبثها، بأن يبيع مزرعته ويذهب معها إلى المدينة، ولذلك عليه أن يقتل زوجته برميها من القارب.
يشرع في قتلها، لكنه في اللحظة الأخيرة يتراجع، تشعر زوجته بالخطر فتهرب منه، يلحقها، تركب في عربة قطار، يلحقها فيها، يصلان إلى المدينة. ندخل هنا عالماً آخر، بعدما كان الفيلم، إلى لحظتها، قد صُوّر في الريف، تبدأ التباينات تظهر بين الريف والمدينة، وذلك أولاً بعدم الألفة الظاهرة بين الزوجين وبين المكان الجديد، والزوجة تسنى مع الوقت أنها هنا لتهرب من زوجها، ففي المكان الغريب عنها تتآلف معه وهو الذي حاول إغراقها قبل ساعات.
يدخلان إلى كنسية تشهد مراسم زواج، يبكي الرجل ويشعر بالأسى، هنا تنقلب شخصيته ويصير حنوناً، يعودان كعشيقين. من هذه اللحظة يدخل الفيلم في أجواء مختلفة تماماً، إذ كان سوداوياً وتراجيدياً والآن يصير مرحاً وكوميدياً.
يذهبان إلى حفلة راقصة وإلى صالون حلاقة وإلى استديو تصوير ويتمشيان في المدينة ويرجعان إلى بيتهما في الريف، ليلاً، ويقرران أن يركبا قارباً، كما فعلا صباحاً حين رغب بإغراقها، يمرّان بعاصفة وقبل أن ينقلب القارب يكون قد لفّها بطوق نجاة مصنوع من القش، كان صباحاً قد وضعه في القارب لاستخدامه في الهرب بعد إغراقها. يتحطم القارب ويصل هو إلى البر ويفقد أي أثر لها، يصرخ وتبدأ القرية بالبحث معه عنها، وقد كاد يُجنّ لاحتمال فقدانها.
يضطر الرجل للاختيار بين الحياة الريفية وفضيلتها، وبين الحياة المدينية وفسادها، وكل مكان مثّل نفسه كما مثّلته امرأة، الأولى حيث الحب والعفة والثانية حيث الجنس واللذة، ولأن أحدهما لا يستوي دون الآخر سيصل الزوج للحظة يجد كليهما في امرأة واحدة.
الديكور المتقشّف في الريف، في بيتهما، قابله البذخ في المدينة، فزع الناس الجماعي لغرق الزوجة وبحثهم عنها في الريف، قابله هرج ومرج الراقصين الجماعي في المدينة حين فلت خنزير صغير بينها. ليس الفيلم مدحاً لحياة ساذجة في الريف ولعلاقاتها بقدر ما هو نقد لحياة المدينة وضياع الفرد ومشاعره في زحمتها.
في الدورة الأولى لحفل الأوسكار، في 1929، نال «شروق» (Sunrise) جائزة أفضل فيلم مميز وفنّي، وأفضل ممثلة لبطلته جانيت غاينور، لدورها فيه وفي فيلمين آخرين، وأفضل سينماتوغرافي.

(العرب)

شاهد أيضاً

أيام قرطاج السينمائية دورة العودة إلى أفلام الجنوب وبلدانه

يسري وناس تقام الدورة الـ28 من مهرجان “أيام قرطاج السينمائية” الذي يطلق عليه “عميد مهرجانات …