حوارات

بديع جحجاح: الحرف هو الكائن الحي في الفكرة

الجسرة الثقافية الالكترونية

*سامر محمد اسماعيل

المصدر: السفير

 

كان اللقاء معه في صالته «ألف نون» وبحضرة (دراويشه) على مقربة من ساحة الشهبندر في قلب العاصمة السورية، لقاء يؤلب الكثير من الأفكار والتطلعات التي عمل عليها الفنان بديع جحجاح ـ 1973 مواجهاً الموت العبثي بخطاب صوفي كرّس محترفه ودفعه إلى واجهة الفن التشكيلي المعاصر في بلاده؛ فبعد تخرجه من قسم الاتصالات البصرية في كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1996؛ اشتغل هذا الفنان على أكثر من مشروع، أبرزها كباحث في الفنون الروحانية ومصمم في الغرافيك والعلامات الفارقة والهوية البصرية؛ إذ وجد (جحجاح) ضالته بعد معارضه العديدة في دمشق وبيروت وباريس ودبي، وها هو اليوم يقيم معرضه الأحدث في (كوبنهاغن «دوران ـ 3» 1 ـ 22 آذار الجاري»، وذلك بعد تجربته اللافتة في «دوران ـ 2 دار الأوبرا السورية ـ 2013» والتي مزج عبرها اللوحة بالموسيقى والمسرح والسينما.

 

÷ اليوم أين وصل مشروعك في الاشتغال على الصوفية في اللوحة السورية، لا سيما أنكَ في المرحلة الثالثة منه في «دوران 3»؟

{ كما تعلم مشروع «دوران» قدّم لي شخصية المولوي أو الدرويش، لكن «دوران» هو فلسفة نعيشها يومياً عبر نوم أسميه موتا موقتا، يحظى بعده الكائن بفرصة جديدة فيسكب الخالق ضوءه في أعيننا لنعيش يوماً آخر، ومع كل عودة من هذا النوم ـ الموت الموقت يجب أن يكون هناك وعي جديد؛ حالة رفض دائمة لما نحن عليه. من هنا جاءت فكرة (دوران) كمنظومة امتلكت تراكمية ووعيا إنسانيا وروحانيا وفنيا؛ كان لها إسقاطات بصرية في اللوحة التي عملتُ عليها من خلال الأجزاء الثلاثة للمشروع، ولذلك كان الدرويش في هذا المشروع هو البطل الذي يذكّرنا بأن رحلتنا عبر الكون تتماهى مع الكواكب والنجوم وسعي الإنسان الفردي من أجل مراكمة وعي يجعله يعبر على جسر معرفي مهم، ففي «دوران ـ 1 صالة قصر الشهبندر ـ 2010» كان لهذا المولوي حضور جوهري في لوحاته، تعرّفتُ عليه أولاً كشخص، أما في «دوران ـ 2» فأصبح هناك وعي آخر لهذا الدرويش الذي استحال إلى ذرات ونقاط متناثرة، وبمحبة الخالق تشكّل آدم، وبدأت رحلته البشرية من خلال هذه الروح المقدّسة التي نفخها الخالق فيه من روحه، وشكّله وجعله يتحرك، أما رحلته كإنسان فهي حتماً كانت في اللوحة عبر الموت كجسر محبة والعطاء والمعرفة غير المنتهية. من هنا تحول الدرويش من حالة الصورة إلى حالة الرمز.

الحرف العربي

÷ عملت في «دروان ـ 2 مشروع تفكير» على نصوص قرآنية؛ مشتقاً عبارات منه تحت عنوان «مشروع أفلا» من مثل «أفلا تعقلون، أفلا تتفكرون، أفلا تتذكرون.. الخ»، إلى أي حد يمكن اعتبار هذه المقاربة حساسة من ناحية تناولها تشكيلياً؟

{ في هذا المشروع تكلمتُ عن تحولات مهمة في مشروع التفكير «دوران 2». لقد أردتُ تناول الحرف العربي؛ مفتتحاً المعرض بفيلم سينمائي قصير، حيث كان بعنوان «تحولات نقطة» وكيف أن القوس المتولّد من حركة الدرويش أثناء طوافه يحتضن هذه النقطة، ليولّد حرف «نون» وكيف تولد «أفلا» كمسافة بينكَ وبين الآخر، وهي في الوقت ذاته «أي أفلا» منظومة منطقية من خلال ارتباطها في النص المقدس بالكلمات التي تليها: «تعقل، تتفكر، تتذكر، يشكر» وهذا ما ولد عنه ما أسميته «أبجدية وعي «فالعقل رحلته مفتوحة؛ بعكس رحلة الإنسان في هذه الأرض التي تبدو لي رحلة ناقصة وغير مكتملة، على خلاف رحلة النحلة التي أعتبرُها رحلةً كاملة ومنظومة متكاملة، فالنقص في حياة الكائن الإنساني هو مكمن جمال هذه الرحلة، ورغبة الكائن الدائمة في التحول والصعود على سلّم يروم الكمال لكن لا يستطيعه، ومن هنا خُلقت في «دروان ـ 2» مستويات عدة لدي للتفكير أولها: «تكوين» كرمز، و «جوهر» كرمز ثانٍ و «أفلا» كمفتاح وعي إنساني جديد.

÷ كأنك تريد أن تشتغل على مشروع تشكيلي يغرف من الصوفية، لتكوين خطاب أو مفتاح لثقافة ضد ثقافة العنف والتطرف في العالم العربي؟

{ كل شيء يهرم بما فيه الفكر والمدن والإنسان، والفكرة أيضاً تهرم إذا لم تتطور أو تُفعّل في الاتجاه الصحيح. أجل تصبح الفكرة كالصنم إذا لم يتم تطويرها؛ فالفكرة حرف والصنم مادة، لذلك أن نعبد نصا، مهما يكن هذا النص ومهما تكن أيديولوجيته؛ ما لم يكن له صدى إنساني يهدف للارتقاء بالروح الإنسانية؛ سيصل بنا إلى ما نحن عليه اليوم، فلا وجود لنص يحتكر الحقيقة، ولا كائن ولا مخلوق قادر على احتكار الحقيقة؛ إطلاقاً، وإلا لكان النص المقدّس نصاً واحداً. الحرف هو الكائن الحي في الفكرة، وارتباط هذا الحرف ككائن حي مع حرف آخر إما أن يكون في اتجاه علوي لمستوى حرف «نون» أو اتجاه سفلي بمستوى حرف «باء». بمعنى عندما يرتبط حرف ألف بحرف نون تتوهج في الذاكرة كلمة (الفنون) بعكس ارتباط كل من حرفي قاف وباء وحاء (قبح).

الصوفية

÷ كيف نستطيع أن نصيغ ذلك اليوم من خلال الفن التشكيلي في وجه ثقافة التطرف وإلغاء الآخر في المجتمعات العربية والإسلامية؟

{ ليس فقط في المجتمعات العربية الإسلامية؛ حتى المجتمعات في الغرب مرت بكوارث هائلة ولا إنسانية إطلاقاً، إذاً أجيب من خلال تجربتي مع الصوفية؛ حيث يمكن الارتقاء بالمستوى الإنساني والثقافي والأخلاقي والروحي للحياة؛ فمركّبة الإنسان هنا تكون من جسد وروح ونفس تتحكم ما بين المادي والروحي، وما يسمى (جهاد النفس) لدى المتصوفة هو للارتقاء بكَ كذات أرضية نحو ذات علوية نسميها الله أو الإله، وهذا متوقف على وعي الإنسان في مجتمعاتنا لهذه الفكرة وطريقة تعامله معها، فإما يكون وعيا عالي المستوى يجنح بكَ نحو الأعلى، وإما يشدك إلى الحضيض. الفن التشكيلي دائم السعي لخلق أبجديات مختلفة تتواءم مع العصر الجديد، لكن البطل فيها الإنسان وليس النص. فجدلية المادي والروحي والوصول عبرها إلى الاطمئنان والرضى شكّلت لي بنية أساسية لصياغة هذا الخطاب.

÷ أفهم أنكَ من خلال الفن التشكيلي تواجه السكاكين والدم والقتل والتكفير والتخوين؟

{ في الفن التشكيلي لا يمكن أن تلغي هذه المركّبات إطلاقاً، لا يمكنكَ أن تلغي القبح الذي يقف في قبالته على الضفة الأخرى؛ الجمال، لا يمكن أن نلغي العتمة لأنه يقابلها النهار، هناك حقائق لا يمكنكَ تجاهلها، لكن دعني أعترف أن الفن لا يمكن أن يغير منظومات عقائدية ممولة ومشغولا عليها لتخريب العقول، ودائمة الإنتاج لأبجديات ضد الآخر وإلغائه وسحقه كائناً من كان هذا الآخر. لكن لنقل أن الفن هو أحد الينابيع ـ إن جاز التعبير ـ التي توثّق الأزمات والحروب بأكثر من طريقة، فهناك فنانون ينقلون المشهد على طريقتهم؛ فيوثقون القبح والبشاعة، وهناك من هم يسعون لتوثيق المشهد بطرق أخرى. شخصياً أحاول دائماً في عملي عدم إعادة تكرير المُنتج التشكيلي عبر التنويع عليه، وطبعاً لا أؤيد من يقول بأن القبح هو جسر لعبور إنساني مرتقب، أبداً، يبقى الجمال هو الحقيقة وليس القبح. وهكذا كان «دوران» عبارة عن فيزياء كونية تأخذ يد الدرويش المرفوعة فيها إلى السماء طاقة حب وتبذرها في الأرض عبر يده الثانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة