مسرح موسيقى

“نهارات علول”.. فنتازيا سياسية بدلالات فلسفيّة

الجسرة الثقافية الالكترونية

*أشرف مصطفى

المصدر: الراية

 

صرخات مكبوتة في جحيم حياة مواطن عربي بسيط يطلقها العرض المسرحي “نهارات علول” على خشبة مسرح قطر الوطني في آخر أيام مهرجان الدوحة المسرحي، حيث يطرح العرض الختامي عدة أسئلة ليترك بعد ذلك المتلقي يبحث عن إجاباتها من خلال فنتازيا تضمنت خطاباً ذا لغة إنسانية عامة يستطيع أن يفهمها كل من يملك قدراً من المشاعر، فالعمل به رسائل فلسفيّة عميقة ويناقش قضايا محورية تدور حول حتميّة قيام الثورات في ظل وجود القمع والظلم والاستبداد المؤدي حتماً إلى الانفجار.

 

والمسرحية من تأليف مرعي حليان وإخراج فهد الباكر، ويقوم ببطولتها مجموعة من الفنانين من أصحاب الخبرات والشباب منهم: عبد الرحمن المزيعل في دور علول، مشعل الدوسري في دور حاني، حنان صادق في دور علاية، منذر أحمد في دور حرفوش، نايف سالم، خديجة نايتسي في دور حرفوشة، أميرة في دور حرفوشة، سيف أحمد في دور حرفوش، مريم فهد في دور المحامية، حمد الهاشمي في دور القاضي، علي السعدي في دور حرفوش عازف، علي ربشة في دور الشرطي حارس القصر، سامح محيي الدين في دور الشرطي وأحد حرّاس القصر وهدى المالكي في دور حرفوشة، ويوسف العرقوبي سينوغرافيا العمل، ودراما تورغ موسى الأمير، والعمل من إنتاج شركة مشيرب للإنتاج الفني.

 

و”نهارات علول” تتحدّث عن مجموعة من الشخوص الذين يمثلون الطبقة الفقيرة ويقتاتون على الفتات التي يلتقطونها مما يتبقى من فضلات الأغنياء، ويحاولون أن يلتفوا حول شخص يُمثلهم وهو علول الذي يقود انتفاضتهم في محاولة لتغيير الوضع، ويقتل أثناء الدفاع عن حبيبته علاية ولكن ذلك يتم بشكل غير مادي، والعمل يقول إن الرصاص لا يقتل بل يحيي بداخلنا الحق والأمل والدفاع عن حقوقنا كبشر والبحث عن العدالة والعيش الكريم. فالمسرحية تحكي لنا عن ثورة للحرافيش أو الفقراء وهي المسألة التي تمّت معالجتها بأنماط وأشكال مُختلفة في المسرح العربي، وفي هذا العمل يتحدّث حليان عن “علول” ذلك الفقير المُتمرّد الذي أعلن ثورته وتمرّده عن حياته وحاول أن يشحذ همم الحرافيش ليتضامنوا معه ولكنهم خذلوه، فلم تبق له غير حبيبته “حلاية”، ويتم إطلاق رصاصة على علول ولكنها لم تمته بل تسري في جسده لتشعل جميع أحاسيسه ومشاعره، فيمرّ بمراحل متباينة ومتفاوتة من جراء هذه الرصاصة غير المادية، ولكنه يمتلك جرأة ويصبح صاحب مواقف حتى يتم إلقاء القبض عليه والحكم عليه بالإعدام رميًا بالرصاص للمرة الثانية، وهي قمة التهكم والسخرية حيث إن الرصاصة لم تمته في المرة الأولى بل زادته إصرارًا ومع ذلك يصدر القاضي حكمًا آخر برميه بالرصاص. ويمكن أن يحتمل العمل إسقاطات سياسيّة لشعوب تبحث عن الحرية والعدالة والحقيقة وغيرها من الأبعاد التي جسدت في المسرحية، وتعبّر عنها علاية حبيبة علول التي تعمل خادمة في قصر وتضطهد وتغتصب ويتم تعذيبها وعندما يحاول حبيبها أن يُدافع عنها يقتل برصاصة لا تقتله وتنطلق الثورة، وتوضّح شخصية علاية كمية التناقض والتعارض الذي يمكن أن يعيشهما إنسان مقهور تعرّض لظلم.

 

تميز العمل بسعيه لصنع فرجة اعتمدت على التمازج بين مفردات السينوغرافيا، ولغة الجسد حيث العمل على إيجاد إيقاع سريع انتهجه مخرج العمل بديلاً عن الحوار الطويل، فتميز الإخراج بالحركة المتزايدة والمتسارعة التي جاءت موظفة بطريقة جيدة مع تصاعد الصراع النفسي الذي يعيشه كل من علول، وصديقه حاني الذي يعاني مما يعاني منه علول وكأنهما شخصية واحدة أراد لها العمل أن تنشطر نصفين ليكمل كل منهما الآخر وهو ما مكنهما من التعبير عن ذلك الصراع الذي زاد مع الوقت من قوة أفراد الشعب بنداءاتهم المتكررة والتي شكلت عائقاً على السلطة التي تمثلت في القاضي وجعلته يبدو متلعثماً في أغلب اللحظات، وكأنه لا يستطيع أن ينطق بتلك الأحكام الجائرة والتي تنافي العقل والمنطق ليشبه الديك الذي يردد صيحات لا تنم إلا عن مخلوق لا يتحكم في قراراته أو أفعاله بل يؤمر بها، وقد تفوق الفنان حمد الهاشمي من خلال تنقلاته في المشهد الأخير من القوة إلى الضعف ازدادت معها هيمنته في أدائه لشخصية القاضي غير المسؤول بشكل أثار إعجاب الحضور، خاصة بإيجاد تناغم كبير بينه وبين مريم فهد في دور المحامية حيث استطاعوا أن يجذبوا الجمهور إليهم بالعديد من المواقف الكوميدية، كما نجح كذلك كل من علي ربشة وسامح الهجاري في إضافة العديد من المواقف المضحكة التي جعلت الجمهور يضحك على أشد المواقف مأساة وهي المتمثلة في عذابات علول، كذلك فقد نجح عبد الرحمن المزيعل في أداء دور علول من خلال إظهار صورة العاطفة المتأججة والمكبوتة في ذات الوقت مشفوعة بفاعلية نفسية مؤثرة، ليشكل بها مع حنان صادق “علاية” أنغاماً موسيقية بتنويعات روحية، أسهمت في دفع العرض، وتطوره بشكل متصاعد، بلغ ذروته في النهاية باختياره لقاءها قبل أن يتم تنفيذ حكم الإعدام عليه، وهو المشهد الذي عبر لنا عن إيجابيتهما للحظة الأخيرة والتي تمثلت في كون البطل متحرراً من القيود حتى ولو كانت حياته ثمناً، وتتصاعد في النهاية الفلاشات الصوتية المتقطعة إيذاناً ببدء حياة جديدة على أمل أن تتمتع بالحرية كاملة.

 

وقد حاول الديكور أن يتجه نجو التجريد فجاءت مفردات العرض تعرض حالة إنسانية بحتة يمكن أن يعايشها أي إنسان في أي زمان ومكان، وقد تحلت بدلالات سيمولوجية عميقة حيث تخلى المخرج عن تجهيز خشبة المسرح بالديكورات، واكتفى بإضافة مستوى علوي على الخشبة على هيئة منحدر به العديد من الحفر والتي يتم إسقاط كل من يحمل كلمة بداخلها، وفي ذات الوقت استخدم مستوى أعلى في خلفية المسرح ليتحرك عليه أفراد الشعب المنددين بما يحدث في الأسفل وكأنهم أصحاب الكلمة العليا في النهاية، وهي الحيلة التي استخدمها ليضيف من خلالها بعض العبارات التي تتشابه مع تعليقات الجوقة اليونانية التي تتابع الحدث من خارجه لكنها في الحقيقة جزءاً منه، وبذلك اكتفى المخرج بالتركيز على صنع أجواء امتلأت بالرمزية، كما استخدم المؤثرات الصوتية للإيحاء بجو الفزع والخوف الذي يعيش فيه البطل، ولتصوير حالتي الحب والعنف المتناقضتين. فنجحت المؤثرات الصوتية والإضاءة في التعبير عن الصراعات الداخلية التي تتفاعل في داخل نفس البطل الذي يمثل إنسان هذا العصر التائه بين الرغبة في التواصل مع الناس ورفضهم ومحاولة التخلص منهم، أي بين البوح والفضح. وهو ما يعبر عنه في المسرحية بقول الجمل المتناقضة. وفي محاولة الباكر أن يعطي العمل أبعاداً سياسية من خلال علاقة القاضي بعلول عبّر بذلك العرض عن واقع أليم من خلال مساحات الظلام الواسعة التي اعتمد عليها واستخدامه الإضاءات الغامقة للتعبير عن شخصيات تحيا في قلب الظلمة ليرمز بذلك للرضوخ بالمصير الذي يحدّده أصحاب السطوة، وهي بشكل أو بآخر جاءت لتعكس معاناة الشعوب التي تقع تحت السيطرة من قِبل القوى المتسلّطة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة