متابعات ثقافية و فنية

نضال كرم: الكتابة أشبه بقفزة نحو الجنون

الجسرة الثقافية الالكترونية

 

محمد الحمامصي

 

بعد ست مجموعات شعرية، وكتاب مقالات مختارة في السياسة والشأن العام، يقدم الشاعر السوري نضال كرم روايته الأولى “ستريتش” الصادرة عن دار ليليت في ثلاث طبعات، وفيها يعري المسكوت عنه في المجتمعات العربية والجنون الذي تَمكَّنَ من وأد العقل، فبعد سيطرة الصورة، والإنترنت، وخَرْق القنوات المفتوحة لكل ما هو محظور، تُعبِّر بوضوحٍ عن الأزمة الحقيقية في مجتمع يدعي في كثير من الأحيان تمسكه بالأخلاق.

 

وكرم عمل في الصحافة السورية لمدة تتجاوز ست سنوات، وتم ترشيحه من قبل السفارة البريطانية في دمشق لمسابقة أفضل صحفي متقصي لعام 2008. من أعماله الشعرية “لهمس تعتق من حبر الغياب”، “حلم في ارتباك الروح”، “أعيش بكِ وبالحب”، “تمطرني حباً.. أسرف في الموت”، وكتاب “ثقب في جدار الصمت” مقالات في السياسة والشأن العام، ومجموعة قصصية بعنوان “لم أكن يوماً أنا”، ويستعد لإصدار روايته الثانية بعنوان “اسبرانزا”.

 

وفي هذا الحوار معه نتعرف على اتجاهه لكتابة الرواية خاصة ونضيء جوانب مهمة في تجربته.

 

بداية وحول تجربة كتابة الرواية الأولى، قال: أستهلُّ بعبارة أوردتها في روايتي القادمة “اسبرانزا” حيث أقول على لسان إحدى الشخصيات “بين المغامرة والمقامرة نقطة فقط، لا تقامر على أغلى ما تمتلكه في الحياة”.

 

وأضاف: اليوم.. باتت الكتابة أشبه بقفزة نحو الجنون، قفزة تفوقت على المغامرة لكنها ليست بمقامرة إذ إن ذاك الجنون الذي أقصده يأخذ بيده الوعي، وفي اليد الأخرى تراه يمسك بالعذاب الحلو، الجنون الواعي في الرواية مُركَّز ودقيق، هو خلق على غير المألوف، فقد بات العالم مألوفاً بما فيه، وما فيه لا يمتُّ إلى العقل بصلة في أغلبه، إذن.. لا بد أن تأتي الكتابة بكل ما هو غير متوقع، هذا لا يعني أن تحكمه الفانتازيا كمعيار أو أسلوب طرح، فهل يقف الأدب موقف المصدوم من هذا الواقع فيتأخر عنه، أو يقتصر دوره ليكون الناقل لعبثية الواقع وعبثيته فيسير معه جنباً إلى جنب؟ من هنا أرى أنه لا بد أن تكون الكتابة سابقة وعليها أن تأتي بالجديد دوماً وإلا باتت ضرباً من العبث أو اللهو”.

 

ويرى نضال كرم أن الرواية تقف في مقدمة أجناس الأدب في ذلك لأنها الوعاء الأكثر قدرة على تحقيق ذلك، الكتابة الروائية فعل صادم يكشف مفاهيم الحياة التي يكون البشر بحاجة لها ومن هنا يكون التحدي كبيراً في قول ما يريده الروائي بشكل خاص، الإبداع في الرواية ممارسة روائية فعلية وليست صياغات نظرية جامدة تعتمد الفذلكة في التوصيف والتحليل، الروائي فيلسوف يجعل من كل ما يكتب حياة، فيها من المنطق ما ينظم الحياة ويعيد تشكيلها من جديد. إن لم يكن للروائي دور بارز هنا فليلتفت إلى حل الكلمات المتقاطعة ويقرأ زاوية الأبراج كل صباح، وليحلم بقية النهار بكلمات تتحدى الريح، لا شيء يمنعه من الحلم.

 

رواية ستريتش

 

وأشار إلى أن “ستريتش” هي الرواية الأولى له، وهي الكتاب الثامن بين مؤلفاته، بعد خمس مجموعات شعرية ومجموعة قصصية وكتاب مقالات مختارة في السياسة والشأن العام.

 

وتكمن أهمية “ستريتش” في موضوعها وفي طريقة تقديمه بعيداً عن المراوغة أو المواربة، يجب أن يتم التسديد على الهدف بشكل يحقق الغاية، لم يعد هناك متسع من الوقت للعمل وفق منطق المجاملات أو قبولها من الآخرين، ظروف الحياة باتت أقسى من أن يأتي الأدب بلين أو سطحية، وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن تكون ثمة فجاجة في الطرح، الأدب الفج خاسر، ولا بد من تحقيق معادلة تكسب فيها جولتك وإلا ستخرج مذموماً مدحوراً، إذ لا بد من عقل واعٍ يدرك تماماً ما يجب أن يكون عليه المنتج الذي يقدمه، خاصة إذا ما كان بحالة مواجهة مباشرة مع المجتمع، ومن هنا كانت “ستريتش” العمل الأول الذي توفرت فيه شروط المواجهة سعياً وراء غايات مُثلى لبناء الإنسان المعاصر في طرح أهمية تصحيح مسار العلاقات الإنسانية وتهذيبها”.

 

التهديد بالقتل

 

وحول روايته لقصة المثلية الجنسية، لفت نضال كرم إلى أن استقصاء المعلومات والبحث في عالم “ستريتش” السري والصارخ بذات الوقت كانت من الأمور المرهقة للغاية، ظواهر في المجتمع تستوقفك، تفكر فيها، تستكشف، تبحث، تستقرئ، تسأل، تتعمق، وفي النهاية تقرر المواجهة، وتشرع في الكتابة لتلبي حاجة المجتمع إلى كتابات بمستوى لم يُقدَّم من قبل بهذه الجرأة ليخوض غماره بهذا الشكل والمضمون.

 

وقال “سوف تُعتبر ستريتش مرجعاً حقيقياً وهاماً للمهتمين، إذ إن عالمها له خصوصية لا تشبهه أي من العوالم الأخرى، ستريتش ليست رواية تقرأ حروفها فتكتفي، لا بد من الغوص فيما وراء الكلمات والقصة المروية لتتبين الهدف من طرحها، الأمر ليس صعباً ولا يحتاج لفك شيفرة، ولكن يجب عدم الأخذ بها بمنطق سطحي ساذج.

 

واوضح أن الحفاظ على القيم الفنية في الرواية كعمل أدبي وعلى القيم الإنسانية التي تحملها في مضمونها هو الهدف من كتابتها، إذ إن موضوعاً كهذا يمس المجتمع في جوهر وجوده، ويتهمه بالتقصير والتآمر على صدقية علاقات أفراده وحقائق واقعهم المعاش، عندما تواجه المجتمع (والحديث عن عموم المجتمعات العربية رغم أن ستريتش تتناول هذه الفئة الموجودة ضمن نسيج المجتمع السوري كمثال) بعيوبه وما يتسبب به من خلل في توازن العلاقات الإنسانية والتمسك بالقشور ونبذ العقل المفكر، فأنت تتوقع أن تلقى صدَّاً ومواجهة عنيفة، ولو لم أكن بحالة تأهُّب لهذه المواجهة لما كتبت ستريتش، خاصة أن موضوع الرواية شائك ويحتمل الكثير من الجدل، لكن ما لم أتوقع حدوثه أن يتسبَّب الأمر بتهديد كاتب الرواية بالقتل.

 

هنا أضحك، لأن التهديد كان من المتشددين والمتطرفين ولم يكن خطابي موجَّهاً إليهم، فهؤلاء لديهم لغة وحيدة هي لغة الإرهاب، وقد أثبت الواقع العربي عموماً صدقية هذا القول لما تسبَّبوا به من ويلات، ورغم ذلك، فلكل إنسان أن يحكم على أي عمل أدبي وفق رؤيته وذائقته الفنية والأدبية، ولكن من المفترض أن يقرأ بالفعل، لا أن أن يتسرَّع في حكمه انطلاقاً من معرفته الأولية بموضوع الرواية فقط”.

 

الانقلاب على الذات الروائية

 

وأكد نضال كرم أن الاهتمام بالشكل الروائي يفرضه الموضوع، وتتنوع تقنيات السرد الروائي تبعاً لذلك، ولهذا أعتبر أن جدية الأفكار والموضوع المطروح يأتيان في مقدمة اهتماماتي ضمن عالم الرواية، يليهما مباشرة طريقة التقديم وكيفية تناول الأفكار لكي يكون لها التأثير الأكبر والأوضح على القارئ.

 

وأوضح أن المحاكاة الذاتية تبدو قبيل البدء بالكتابة مرحلة هامة وأساسية، ومن الضرورة بمكان إحداث انقلاب على الذات الروائية في كل مرة يبدأ فيها الروائي كتابة نصه، مركز هذا الانقلاب هو المنجز السابق، كما يتكرر مع كل مرحلة مفصلية يمر بها الروائي في إنجازه العمل الذي بين يديه حتى يضع النقطة الأخيرة وينتهي من منجزه الروائي.

 

المشهدان السوري والمصري

 

وحول رؤيته للمشهدين الروائيين المصري والسوري قال: هناك تفاوت ملحوظ في المستوى العام للمشهد الروائي المصري، لا شك أنه توجد كتابات جيدة لكتاب ومؤلفين نحرص على متابعة أعمالهم، لكن بالمقابل يختنق سوق الكتب بوجود روايات من غير اللائق تصنيفها كروايات، رغم أن بعضها يحقق أرقام مبيعات مرتفعة وطبعات متعددة نظراً لتسويق اسم كاتبها لغايات ربحية فقط دون الاهتمام بمعايير الجودة على المستوى الأدبي، ولهذا السبب استخدمت كلمة “سوق” فالسوء في السوق.

 

هناك خطورة ملموسة في تفشي جغرافية الفوضى، وفوضى الحياة عموماً أثَّرتْ بشكل عميق على عالم الأدب فتأثَّرَ بها ولم يؤثِر عليها للأسف. ثمَّة من يُخرّب في الذائقة الأدبية لدى الجمهور المتلقي عن عمد، لعبة الأسماء والألقاب والاستسهال والإسفاف كلها تعتبر من أمراض أي وسط ومنها الثقافي، وأعتقد أننا تأخرنا في مواجهتها.

 

نكاد نختنق، ولستُ مع الذين يردّدون بأن الزمن كفيل باختفاء من هو غير جدير بالتواجد كروائي، لا بد من تصفية نقية حازمة وجادة، ولا بد من وقفة مع مسؤوليات دور النشر وما ترتكبه من أخطاء كبيرة ليس هدفها سوى الربح، الأمر إن بقي محصوراً باعتباره تجارة فسوف نخسر الكثير بعد، من تراه يذكّرهم بأن الأمر مرتبط بالفن والإبداع أولاً ؟!

 

وأضاف: أما في سوريا، فثمة عدد قليل من الروائيين والروائيات، أما الرواية السورية فهي في مكان ما وراء الشمس، تتلمَّس خطوها نحونا ريثما تضع الحرب أوزارها، من الممكن أن نجد مخلوقاً عجيباً مُتفحّماً نتيجة قربه من الشمس ولون الحقد قد صبغ كلماته، ومن المحتمل أن نجد كائناً غاية في الروعة يشبه طائر الفينيق، عندما تقترب من كوكب الأرض سوف نتحدث عن الرواية السورية، وواقع الرواية العربية عموماً ينطبق عليه ما ينطبق على الواقع المصري مع اختلافات بسيطة نوعاً ما.

 

الرواية حياة

 

ورأى نضال كرم أن الرواية حياة كاملة، وأن ما يحكم الإنسان العربي في الحياة المعاصرة من تحديات يحكم الرواية، وقال “بتنا في عالم مجنون، تتشابك فيه المصالح والغايات، والأهداف المعلنة وتلك التي تبقى حبيسة النفوس، بين الوجود والعدم يناضل الإنسان أو يتخاذل.

 

وفي الرواية؛ تقف اللغة لتكون أهم وأول ما يواجه الرواية من تحديات، خاصة في الوقت الراهن، إذ يبدو أن الاستسهال يقود البعض نحو مزالق الاستهزاء والسخرية بأساسيات اللغة، نتيجة جهلهم بها وعدم بذل العناية المطلوبة من قبلهم، يتعاملون معها بأسوأ مما يتعامل به الحطَّاب مع القطع الخشبية التي ينوي وضعها في الموقد، فلا يشذّبها ولا يهتم بشكلها ما دام يعتبرها طعاماً للنار.

 

لا بد من الحفاظ على لغة جادة متوازنة، ومن الضرورة بمكان الابتعاد عن الاستعراض والتكلف في الألفاظ والمفردات، أو الاستغراق في التوصيف المؤذي للسياق، وكذلك بذل العناية بلغة الحوار التي يعزز من خلالها الروائي رسمه لشخصيات الرواية، فتنبثق منه الحياة الحقيقية لها، لا أن يكون كلاماً فارغاً من أي مضمون يدعم بناء الشخصية، وإلا بات ضرباً من الثرثرة الفارغة.

 

ولا شك أن تتبع أثر التقنيات الحديثة في الرواية وفي الكتابة عموماً ضروري، الإنترنت والتكنولوجيا الجديدة التي تجعلنا على تواصل مباشر مع العالم بأسره، ومدى تأثرنا بها وإلى أي مدى كان الانتفاع مفيداً، هل كانت بناءة في حياتنا أم هدّامة، وأين وصلت العلاقات الإنسانية في ظل وجود هذه التقنيات؟

 

كما يقف الصدق اليوم على عتبة الرواية، فإما أن يكون أساسياً فيها أو يهجرها، لا أستطيع أن أعوّل على رواية تفتقد إلى الصدق، وما دمنا في الحياة اليوم نفتقد أكثر من أي وقت مضى إلى الصدق فهو إذن وبلا أدنى شك: الهواء الذي تتنفس من خلاله حروف الرواية.

 

إن التحدي الهام بالنسبة للروائي هو ذاته الروائية، وإلى أي مدى يريد الوصول، هل يخضع للتكرار فيما يكتب أم يتمكن من إخضاع أدواته ليخرج بالجديد الذي لا يرتضي أن يشبه نفسه ليقلد الآخرين.

 

أعمال جديدة

 

وكشف نضال كرم أنه خلال هذا الشهر تصدر روايته الثانية بعنوان “اسبرانزا”، وقال: تعنى الرواية بالمرأة العربية كموضوع رئيس عبر سبر أغوار عدة شخصيات تتلمس المعاني المثلى في الحياة والجدوى منها في ظل افتقاد الرجل الداعم والمؤثر، سوف نرى فيها المرأة بكل حالاتها عندما تكون الرجولة الحقيقية غائبة، وما تأثير ذلك على المرأة، فضلاً عن الاغتراب النفسي الداخلي للإنسان، وهنا أورد مقولة منها حيث تقول بطلة الرواية: “هو الخذلان، عاقبة كل امرأة تقف بمفردها لتواجه أعاصير الحياة أمام رجولة ناقصة، أمستِ الرجولةُ برأيِها فكرة ممجوجة، مُشذَّبة من الخارج ومُختَرَقة في الصميم”.

 

وأشار نضال كرم إلى أنه يعكف حالياً على كتابة الرواية الثالثة والتي ستكون جزءاً ثانٍ من رواية “ستريتش” وبعنوان مختلف يتناسب مع الطرح الجديد من خلال تناول عدة جوانب أخرى من الموضوع نفسه، سعياً منه وتأكيداً على ذات الهدف، وسيكون المشروع القادم أكثر جرأة مما كان في “ستريتش”، رغم أن جرأتها تجاوزت جرأة أي مُنتَج سابق تطرَّق إلى هذا الموضوع، ومن قرأ الرواية يدرك تماماً حقيقة ما أقول.

 

المصدر: ميدل ايست اون لاين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة