متابعات ثقافية و فنية

رشيد الخيُّون يبحث عن أثر السُّود في الحضارة الإسلامية

الجسرة الثقافية الالكترونية

 

صدر عن مكتبة الملك عبد العزيز بالرياض كتاب “أثر السود في الحضارة الإسلامية”، للباحث العراقي رشيد الخيُّون، وهو من الكتب المحكمة، وقد قدم الكتاب بصفحاته الخمسمائة صورة واضحة عن وجود السُّود وحياتهم ومعاملاتهم في تاريخ الحضارة الإسلاميّة؛ والحريات الجزئية التي منحت لهم، بما عُرف بالعِتق، ولم يمنع لون بشرتهم تقديم مواهبهم كفقهاء وشعراء وقادة جيش، ووصولهم إلى أعلى مراكز السُّلطة، مثلما تقدمت الإشارة. لكنَّ هذا لا يمنع مِن القسوة التي مورست ضدهم مِن قِبل مُلاكهم، والتي قادت إلى انتفاضات وتمردات مثلما حدث بالبصرة. فالأَمر لم يكن يخص حضارة مِن الحضارات، أو دين مِن الأَديان، إنما كان نظاماً عالمياً يصعب اختراقه بإعلان الحرية الكاملة.

 

الكتاب بفصوله العشرة تناول قضية تاريخية، فلا وجود للعبوديَّة في عالمنا اليوم، وإن وجد مَن يتحدث عنها فيعنيها على المجاز لا الحقيقة، كاستغلال ظروف جماعات مِن البشر والاتجار بهم، مثلما نسمع عن الاتجار بالأطفال أو النِّساء، لكنَّ ذلك لا يعني أنها العبودية نفسها، التي ظل نظامها قائماً لعشرات القرون، وتوارثته الأجيال كأسياد وعبيد، وأن يتنازل ذلك الإنسان رغماً عنه كأسير أو بضاعة معروضة في سوق الرَّقيق، ليس له حقوق إلا ماندر، وكانت عالميَّة في تطبيقاتها، مع الاختلاف في التَّطبيق مِن حضارة إلى أُخرى، ومِن بلاد إلى بلاد، وكانت شاملة للسُّود والبيض على حدٍ سواء، مع الأخذ بالأعتبار الموقف مِن اللَّون وتأثيره.

 

ما تبقى مِن رواسب ذلك الموقف القديم تجاه السُّود، الذين ارتبط لونهم بالعبودية أو الرِّق. فالعبودية انتهت بأمريكا العام (1865)، غير أن توابعها مثل التَّمييز العنصري وقوانينه وأعرافه ظلت سارية المفعول ضدهم، حتى إلغي رسمياً العام (1962)، أي أنه استمر ما يقرب القرن مِن الزَّمان، وأنه ظل قائماً بجنوب أفريقيا، ومع أنها بلاد سُود في الأصل، سارياً المفعول لقرون عديدة، إلى بداية إلغائه في العقد الأخير مِن القرن العشرين.

 

إلا أن الأَعراف الاجتماعيَّة تجاه السُّود، وبعد إلغاء نظام الرِّق بلا عودة، في العالم أجمع، ظلت تمارس، فالنَّظرة الاجتماعية مازالت غير سوية تجاه المواطنين مِن أُصول سُود، مع أنهم ساهموا على قَدم وساق إلى جانب الآخرين في بناء الأوطان والحضارات، وتدرجوا في الوظائف وحصلوا على التَّعليم أسوة بغيرهم، وربَّما انتهت كلِّ أشكال العنصرية إلا الاختلاط بالنَّسب، مع أن في صدر الإسلام هُدمت تلك الحدود معهم، وما كان يحصل، في هذا المجال، كأنه عودة إلى ماقبل الإسلام في شأنهم، والمسألة تخص التَّمايز باللَّون لا غير ذلك، فلو كان عبداً أبيضَ ومنح الحرية لما صار اختلاط النَّسب معه مشكلةً، لكنه التَّمييز بين إنسان وآخر على قاعدة اللَّون، مثلما تقدم.

 

يشعر الإنسان الأسود وحده بثقل تلك النَّظرة تجاهه بسبب اختلاف لونه؛ وما يتصل نسبه بماضٍ غابر مِن الرِّق، فإن تحررَ الرِّقيق البيض، مِن عبوديتهم، وسهل عليهم الاختلاط والامتزاج داخل المجتمع، فإن الرِّقيق السُّود ظل التَّعامل معهم مرتبطاً بحكاية حام، ألا هو السَّواد العِقاب.

 

لذا عندما تحرك كُتّاب ومؤرخون مسلمون بمحاولة تزيين السَّواد كلَّونٍ؛ ومع ذلك فبعضهم لم يتمكن مِن تجاوز تلك النَّظرة، فأخذ يركز على الخُلق والمروءة على أنهما يحولان السَّواد إلى بياض، ومعنى هذا على الإنسان الأسود الحرص على التَّمثل بالسُّلوك الحسن وبالجدارة في العمل، وكأن لسان حال أولئك الكُتاب يقول عندما يجدون منه اجتهاداً وتقدماً: “رغم سواده أنه كذا وكذا”، وإذا أخفق وأخطأ قالوا: “إنه أسود”! وهذا ما لا يواجهه البيض في حالٍ مِن الأحوال، حتى ببلاد السُّود أنفسهم. لا تقتصر مثل هذه النَّظرة على السُّود حسب، فكثيراً ما يستخدم ذلك في العنصرية بين قومية وأخرى أو بين دين وآخر أو على أساس الجنس، مثلما هو الحال بين النِّساء والرِّجال، لكنَّ ما يخص السُّود مبعثه آخر وقديم جداً، إنه اختلاف اللَّون.

 

حوى الكتاب بابين بعشرة فصول الأول: في الرِّق وأحوال الرَّقيق: تمهيد في المصادر، السُّود والرِّق قبل الإِسلام، الرِّقُّ والعِتقُ في الإِسلام، ثورات السُّود وتمرداتهم. الباب الثَّاني: أعلام السُّود وتراجمهم: العهد النَّبوي والرَّاشدي، العهد الأموي،العهد العباسي، النِّساء السَّوداوات، الشُّعراء السُّود، أبناء الحبشيات، وخاتمة.

 

المصدرك ميدل ايست اونلاين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق