متابعات ثقافية و فنية

جائزة ‘رابطة القلم’ الأميركية للشعر المترجم 2016

الجسرة الثقافية الالكترونية

تحسين الخطيب

دأبت “رابطة القلم PEN” في أميركا، ومنذ تأسيسها قبل نحو تسعين عامًا، على تعزيز الكتابة، وتمكين الأفراد، في شتى أماكنهم، وبصرف النظر عن هوياتهم العرقية والجنسية، من التعبير عن أفكارهم ووجهات نظرهم بكل حرية، وبدون سلطة أو رقيب، وجعل هذه الأفكار، والآداب المكتوبة، متاحة للجميع بطرائق يسهل الوصول إليها. ناهيك عن دفاعها المستمر، بوصفها فرعًا من “رابطة القلم الدولية”، عن الكتّاب ضدّ الأخطار التي قد تلحق بهم بسبب أعمالهم، كما تقيم مهرجان “أصوات من العالم”، وهو مهرجان يقام سنويًّا تستضيف فيه أصواتًا أدبية من شتى أصقاع الأرض للاحتفاء بحريّة الكتابة وحيويّة القوة العالمية للأدب.

كما دأبت في كل عام على تقديم جوائز أدبية، يبلغ قيمتها المادية نحو 150 ألف دولار، وفي فئات مختلفة: القَصّ والشعر وأدب الخيال العلمي وفن المقالة والكتابة الرياضية وأدب الأطفال والترجمة والدراما.

وأمّا جائزة الشعر المترجم لهذا العام، والتي تبلغ قيمتها المادية ثلاثة آلاف دولار، فتتنافس عليها، ضمن قائمة قصيرة أعلنت هذا الشهر، خمسة مجاميع شعرية “مدرسة العزلة” للشاعر البيروفي لويس هيرنانديس، ترجمها من الأسبانية أنطوني غيست؛ و”القصائد الأخيرة” للشاعر الصيني وانغ آن شه، ترجمها من الصينية ديفيد هنتن؛ و”مخفوق ريلكه” للشاعرة البرازيلية أنجيليكا فريتاس، ترجمتها عن البرتغالية هيلاري كابلان؛ و”احترقتُ في العيد” للشاعر الروسي آرسيني تاركوفسكي، ترجمها عن الروسية فيليب ميتريس وديميتري سورتسيف؛ و”القصائد الكاملة” للشاعرة اليابانية شيكا ساغاوا، ترجمها عن اليابانية ساواكو ناكاياسو.

لويس هيرنانديس: الحالم في مدرسة العزلة

وعلى الرغم من الحياة القصيرة التي عاشها الشاعر البيروفي لويس هيرنانديس، إلّا أنه قد نشر ثلاث مجموعات شعريّة وهو لمّا يجاوز الرابعة والعشرين بعد.

مات وهو في السادسة والثلاثين، بعد صراع مرير مع الإدمان ومصحّات العلاج النفسي، ملقيًا نفسه على سكّة قطار مسرع. وإنه إن كان قد كفّ عن نشر الشعر، إلّا أنه لم يصمت عنه: ظل يكتب حتى آخر أيامه في دفاتر يوميّات ملئت بالقصائد والترجمات والأقوال والرسومات وقصاصات الجرائد. ومن هذه الدفاتر جمعت القصائد وتمت ترجمتها إلى الإنكليزية تحت عنوان: “مدرسة العزلة: قصائد مجموعة”، ونشرتها دار “سوان آيل برس.

ونعثر في صفحات هذه المجموعة الصغيرة (76 صفحة) على صور عميقة تستحضر ماضيا بعيدا وأصواتا تتناوب عليها المسرات والحب والشهوة والحزن والعزلة والكآبة والأحلام. يصف الشاعر الأميركي ريجينالد غيبنز قصائد المجموعة بأنها تخلق نبرة لغة عمل كتب في التوّ واللحظة كي يصون أجزاء من تلك اللحظة ويحفظها من أجل لحظة أطول، “فالعيش مصنوع من الزجاج”.

“أنا لا أذكرُ عينيكِ/ بل ما أبصرتْ عيناكِ فقط”، يقول في إحدى قصائده. ونقرأ في واحدة أخرى “يستلقي قلبي/ مغمورًا في أمواجِ بحرٍ/ مجهولٍ:/ في بحرٍ/ سريٍّ/ ولسوفَ تشعرون بالأسى/ نحوي/ وحدها العاطفة تدومُ/ وليس الشعر”.

أنجيليكا فريتاس: سجائر وبيرة ومخفوق ريلكه بالحليب

هذا هو الديوان الأول للشاعرة البرازيلية أنجيليكا فريتاس. وقد اختارت له عنوانًا لافتًا “مخفوق ريلكه، أو ريلكه شيك”، على وزن “ميلك شيك، أو مخفوق الحليب مع الفاكهة أو الشوكولاتة”.

ريلكه الذي في العنوان هو الشاعر الألماني ماريا راينر ريلكه، وأمّا الإشارة إلى الخفق أو الخضّ فهي إلى اللغة الشعرية ذاتها: أن يفتك الشاعر باللغة كوحش ضار يقتات على دمها ولحمها.

وليس ريلكه هو الشاعر الوحيد الذي تخضّه الشاعرة في قصائد هذه المجموعة، بل نعثر أيضًا على وليام شكسبير ووليام بْليك وجوزيف برودسكي وغيرترود ستاين وعزرا باوند وماريان مور.

” أَعِدَّ لي مخفوق ريلكه/ معَ الحُبِّ وحليبِ الأوفالتين/ وحينَ أحظى بليلةِ سهادٍ/ ولا شيءَ يضيءُ/ أطلبُ مخفوقَ ريلكه/ والتهمُ بْليك محمّصًا”.

ليالي فريتاس ليال ضارية من وحدة ووجع في القلب “فحين لا تكونُ ثمّةَ سجائر/ ولا بيرةٌ لائقةٌ/ أطلبُ مخفوقَ ريلكه/ وأبلعُ بْليك محمّصًا/ وأرقصُ كدرويشة”.

وانغ آن شه: قصائد أخيرة في غابة المعبد

كان وانغ آن شه (1021-1086) واحدًا من أعظم شعراء سلالة سنغ، وأكثر رجال السياسة إثارة للجدل في الحقبة التي عاش فيها. لم يبدأ آن شه كتابة الشعر إلّا بعد اعتزاله السياسة. راح يمارس بوذية الزنّ ويطوف الجبال التي تحيط بمنزله، ويكتب قصائد صافية صنعت مجده الشعري.

معظم قصائد آن شه قصائد قصيرة لا تتجاوز الأربعة أبيات. قصائد متبصّرة عن مرور الوقت والرحيلات والأنهار والأشجار والجبال والسدم والخلاء البوذي.

ففي قصيدة له بعنوان “خمس صفصافات”، نرى ضجر الشاعر المطلق وقد صار في حضن الطبيعة لازورد أخضر في أبدية خضراء: “خمسُ صفصافاتٍ ومنزلُ أيكةِ تُوت،/ ملاذٌ من القشّ تحتَ ثلاث حوراتٍ بيضاء:/ طائفًا بينها،/ أيها الضجَرُ المُطلقُ،/ أرى فجأةً لازوردَ أخضرَ في لازوردٍ أخضر!”.

ونرى الشاعر، في قصيدة “مطر الربيع″ وهو يشرب بجرعات كبيرة كأسًا من سديم الشفق الذي هو “سديمٌ قارصٌ يخفي ألوانَ الربيع″ و”طَلٌّ/ واجمٌ يسقمُ بهاءَ الأشياء”. ونعثر عليه في قصيدة أخرى وهو على قمة الجبل ناظرًا إلى جدار المعبد وقد صار الضيف والمضيف معًا.

ونراه أيضًا يرعى الغيوم في ليلة قمراء في نهر حول الجبل. وفي قصيدة له بعنوان “نشيد”، نراه يغلق كتابه في غرفة يضيئها الفجر وينام قرب الشلال المتحدّر البارد كأنه الجبل والغابة على حدّ سواء.

آرسيني تاركوفسكي: تجليات الذات الجوانية

ولد آرسيني أليكساندروفيتش تاركوفسكي في أوكرانيا سنة 1907 ثم انتقل إلى موسكو في العام 1923، للعمل في الصحافة. تحققت شهرته في ثلاثينات القرن العشرين بوصفه مترجمًا حاذقًا للشعر التركماني والأرميني والعربيّ. “قبل الثلج”، كان عنوان الديوان الأول لتاركوفسكي والذي ظهر في العام 1962، حين كان يبلغ من العمر 55 عامًا. شاعت شهرته على نحو أوسع حين عمد ولده، المخرج الشهير أندريه تاركوفسكي، إلى تضمين بعض قصائده في أفلامه. مات في العام 1989، قبل ستة شهور من سقوط جدار برلين.

وعن صعوبة ترجمة أشعار تاركوفسكي، يقول الشاعر الروسي إيليا كامينسكي “كيف يستطيع المرء ترجمة أعمال الكلاسيكي الروسي آرسيني تاركوفسكي؟ تخيّل مـحاولة تـرجـمة وليـام بتلر يـيـتس: الـبلاغة البديعة الباذخة، والعاطفة المتوترة، ونغميّة اللـغة المحليّة، والخـلفية التاريخية المعقدة، والمعادلة القديمة للشاعر ضدّ الـدولة، ونبرة غنـائـيات الحب الرقـيقة، كلّها وقد تداخلت في بعضها البعض على نحو بديع، مما يجعلها عصية على النقل”.

ولكنه، رغم ذلك، لا يقف ضدّ المحاولة: محاولة ترجمة الشعر الكلاسيكي بكل معماره الخاص من لغته الأم إلى أيّ لغة أخرى، بل ويثني على الترجمة التي أنجزها فيليب ميتريس وديمتري سورتسيف لأشعار تاركوفسكي لأن الترجمة قد أنجزت بشغف، وبذائقة جمالية عالية، وبإصغاء عميق يشبه الصلاة، ولتمتعهما بآذان شعراء حقيقيّين. وكانت الترجمة، نتيجة لذلك، تشبه “غزالاً يحدّق في وجهك مباشرة قبل أن يركض”.

ويصف الشاعر الأميركي، المولود في موسكو، مايكل دومانيس تاركوفسكي بالشاعر الذي “يخلق تجليّات جوانيّة بهيّة من سعادة بسيطة وحزن خالص، من انتصارات الذات الفردانية على الوقائع الوحشية للحياة اليومية في زمن الحرب وروسيا الشيوعيّة”.

يقول تاركوفسكي في إحدى قصائده “إنني أكوّمُ صفوفًا من هياكلِ الحطب/ كي أذيبَ وهيجكَ الثلجيّ،/ كاما، يا نهري”. ونسمع يتوجع في قصيدة أخرى “تحتَ نيرِ الحظّ السيء،/ صرتُ عاجزًا، هشًّا، وعنيدًا./ لأنَّ آخرَ مرّةٍ تكلمّتَ فيها عن الشهوةِ./ ليستَ شهوةً. إنها الحزنُ الذي يعذّبنا”.

تشيكا ساواغا: قصائد الثمار المجروحة

ساواغا هو الاسم الأدبي، والذي يعني “الضفة الشمالية”، للشاعرة آيكو كاواساكي المولودة بهوكايدو سنة1911، والتي تعدّ من أوائل الشاعرات الحداثيات في اليابان. بدأت الدراسة لتصبح معلمة لغة إنكليزية، ولكنها سرعان ما ارتحلت إلى طوكيو، وهي في عمر السابعة عشرة، لتلتحق بأخيها الذي بدأ اسمه يلمع في الدوائر الأدبية هناك. نشرت قصيدتها الأولى “الحصان الأزرق” في العام 1930. تأثّرت بالشعر السوريالي، كما ترجمت أعمالًا لجيمس جويس وفرجينيا وولف وآخرين. ماتت بسرطان المعدة وهي في الخامسة والعشرين.

قصائد تشيكا ساواغا قصائد قصيرة عن الأحلام التي هي ثمار مجروحة وعن القمر الذي يبزغ من بيضة مكسورة، وعن الوردة التي تتفتّح في الصدر لا مرئية، وعن الكلمات البيضاء، وعن الأسماك الزرقاء والطيور الوردية التي تطير محلقّة في الرأس.

وعن الأشياء التي تضيع ولا تعود، وعن الليل الحرّاق الذي يمدّ لسانه الطويل فتزحف ألسنة اللهيب على بطونها فوق الأرض. وعن الصبايا اللواتي يجمعن على أطراف أصابعهنّ شفة الموجة التي ترنّ في طوق أجوف.

وعن الشرائط المعلقة في الهواء “ضجَّ الهواءُ بالضحكِ خارجَ نافذتي/ وفي ظلِّ ذلكَ اللسانِ الملوّنِ/ تهبُّ أوراقُ الأشجارِ محتشدةً/ لستُ قادرةً على التفكير/ هل ثمةَ أحدٌ هناك/ أمدُّ يدي في العتمةِ فلا/ أجدُ سوى ريحِ شَعرٍ مديدة”.

المصدر: العرب

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة