الرئيسية / إضاءات / عائلة القرّاء المُخلصين.. إبراهيم جابر إبراهيم

عائلة القرّاء المُخلصين.. إبراهيم جابر إبراهيم

الجسرة الثقافية الإلكترونية-خاص-

كم مرةً تمنَّيتَ في صباك المبكّر لو أنك تجلسُ نصف ساعةٍ مع نجيب محفوظ لتقنعه بأن نهاية الرواية ما كان يجب ان تكون على هذا النحو، أو أن تقترح عليه أن يغيّر مصير إحدى البطلات .

لم يكن ثمة طريقة في ذلك الوقت للاتصال بـ “نجيب محفوظ”.

كان “الكاتب” طلسماً سحرياً لا يمكن مَسكه.

والمفارقة العجيبة أن “الكاتب” كان يعيش بدوره في ذلك الزمان عزلة مُمرضة، هي التي ــ غالباً ــ ما كانت تصنعُ الكتابة.

لكنَّ العالَم يندفع الآن بحماسةٍ غريبةٍ لإعادة تسمية الأشياء، وتفكيك المُسلّمات دون أي تردد؛ ومن ذلك “العلاقة بين الكاتب والجمهور”، التي بدأت حدودها تختفي، حتى باتت كآثار “الطباشير البيضاء” !

هذه الحدود التي تم ترسيمها بصرامةٍ بالغة، واعتناء شديد، في القرن الماضي، حتى بدا الكاتب للقارىء آنذاك وكأنه عالمٌ “مرصود” يحتاج دخوله الى سحرٍ ما، فجرى التعامل معه بتوقيرٍ مفرط، فضلاً عن توقير فكرة الكتابة ذاتها !

في العقد الأخير، تم تحطيم هذه العزلة تماماً، ضمن أصنامٍ وأيقوناتٍ كثيرةٍ جرى انتهاك حصانتها، ودخل القارىء بيت الكاتب وعاثَ فيه كَشفاً، وبحلقةً، حتى لم تعد هناك أي توريةٍ تنفع أو مَجازٌ يقي !

صار متاحاً للقارىء والكاتب أن يلتقيا في زقاق الكتروني، أو مقهى على “الانترنت”، فيدخل القارىء لمناقشة كاتبه فيما كتب، ويضع فكرته، أو انتقاده، او حتى شتيمته، وأن يرى كاتبه أمامه يحاول الدفاع عن نفسه !

خسر الكاتب صورته الطوباوية المحتشدة الرمزية، وبدا كربّ بيتٍ يستقبل ضيوفه بالبيجاما، ولم تعد هناك الصورة الإفتراضية التي يقضي القارىء وقتاً طويلاً في رسمها لكاتبه .

لكنّه، وبالمقابل، أتاح هذا العالم الالكتروني للكُتّاب ما لم يتح لأسلافهم، وهو فرصة “الكتابة التفاعلية”؛ الكتابة التي تنصتُ بعد كل فقرة لتسمع رأي القارىء، وتتلمس أين حفرت جيداً في وعي المتلقي، وأين أخطأته !

وهي تجربة نادرة لم يعشها آباء الكتابة، الذين كانوا يتلمسون ردود الأفعال على كتبهم بأرقام البيع، أو مقالات قليلةٍ يكتبها نقادٌ صحفيون .

أما الآن فصار ثمة مساحة ليلتقي الكاتب والقارىء ويتناقشا ويختلفا، ويعود الكاتب بجملة انطباعات تتشكل لديه، تساعده على محاكمة نصّه، ليس بصيغةٍ تضعه موظفاً عند القارىء على قاعدة ” ما يطلبه الجمهور”، ولكن بالصيغة التي تجعله عليماً بما يحدث لدى المتلقي، وأين تقع أولوياته الآن، والى أي حدّ تطورت آليات القراءة. لتتبعها آليات الكتابة !

ربما يكون الكاتب قد فقد الى حدٍ ما هالة الغموض المحاط بها، لكنّه حصل على عائلةٍ من القراء الناصحين، الذين هم أبطاله في آخر الأمر !

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …