متابعات ثقافية و فنية

استراتيجية الحكي ورؤى التناص الشعريبصدد رواية «شراك الهوى» لمحسن أخريف عبد السلام ناس عبد الكري(المغرب )

الجسرة الثقافية الالكترونية – القدس العربي -عبد السلام ناس

يتجه المنظور التقليدي في تعريف الرواية إلى القول بأن غايتها هي التعبير عن تجربة ما بمساعدة متن حكائي يعالَج من خلال حبكة . بيد أن بحوثا أخرى معاصرة تتجه إلى رفض هذه الأطروحة التي تربط التجربة بالتواصل والتداول، ولا تتقبل في باب التجربة إلاّ الكتاب/النص. فالأمر يتعلق هنا بإنتاج المعنى لا بتنقيل معنى قائم بذاته. ففي الرواية الجديدة تمثلُ التجربة ُالكينونة َالعميقةَ للإنسان من خلال حياته العاطفية التي تستدعيها ذاتٌ غامضة «شاهدة»..
وعليه، يمكن توصيف الأعمال الروائية الراهنة التي تتعاطى التجريب من هذه الزاوية، زاوية تعويض الأثر الخطي للحبكة القصصية بحمولة التداعيات المتسرّبة عبر عوالم الاستيهام وتجاويف الوعي المرجعي العميق. وفي هذا التيار الهادر من تداعيات المشاعر والأفكار وتحولات الصيرورة، تتموقع رواية «شراك الهوى» للمبدع الشاب الشاعر والروائي محسن أخريف.علما بأن راهن الشكل وجدّة المبنى لا يلغيان أثر الديمومة والطابع الكوني المشترك للمعنى الذي تحمله هذه الرواية.
بصدد الرواية وصاحبها: الوجود معية، والإنسان يحقق وجوده بمعية الغير. هكذا يؤطر الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر M.Heigeggerمفهوم العلاقة بين أفراد البشر. بينما يتجه زميله إمانويل ليفيناسE.Livinas صاحب نظرية قَبول الآخر، إلى شرح هذه العلاقة وتفسيرها من خلال مظاهر فرعية أهمُّها علاقة الامتلاك، وعلاقة السلطة، وعلاقة المعرفة، وعلاقة الصداقة والحب. وهذه الأخيرة تتأسس على تجاوز علاقة السلطة وإلغائها، واستبدالها بعلاقة الذوبان والانصهار والانمحاء في الغير. إنّه النبض الذي يسري في الرواية التي نحن بصدد تقديمها، لأنها عوّلت في خضمّ التناقضات التي تصرّفها على إحياء قيمة الحبّ وتحويلها من سلطة الغرائز إلى الانتصار لأحاسيس الإنسان، أحاسيس التماهي والذوبان. وقد صدرت هذه الرواية الموسومة بعنوان «شراك الهوى» في موسم 2013 عن اتحاد كتاب المغرب كتتويج للجائزة التي منحتها المؤسسة لإبداعات الشباب. مما يجعل الحديث عنها في باب النقد والقراءة مرتهنا بالبحث الموضوعي المبني على التحرّز من إصدار الأحكام الانطباعية التي تتوسّل الحدوس السطحية. وللعلم فإنّ هذا العمل هو أوّلُ نصّ روائي يُبدعه صاحبه الشّاعرُ محسن أخريف بعد دوواينه الثلاثة: ترانيم للرّحيل، حصانان خاسران، وترويض الأحلام الجامحة. وكما سلفت الإشارة فقد اختار الكاتب للرواية عنوانا ماكرا يتحدّد في عبارة «شراك الهوى». وهو دال استعاري يُخفي إحساسا بالشّدّ والاختناق، على خلفية من دلالة ملفوظ الشِّراك بكسر الشين ومثله الشّرَك،وهو بمعنى الحبائل والكمائن التي ينصبها الصائد لاقتناص غنائم الصيد. أما مجلى الأثر فهو هاهنا موصول بنزوع الهوى كقوّة مزاجية تؤثر في السلوك، أو كقوة عاطفية تُلهب الوجدان . ومن ثم تعيّن هنا التمييز بين هوى النفس وهوى العاطفة وكلاهما قد يكون معنيّا في النصّ بذات المعنى والصّفات.
رواية الواقعية الرقمية: إن تصنيف هذه الرواية ضمن تيار الواقعية الرقمية كاتجاه حديث له أكثر من دليل يوضحه، ومن ذلك أن نظام التواصل والتشارك الرقمي يؤطر أحداثها ويكبل وقائعها، وبأنها توظف موضوعة الحب كمحرك لهذه الوقائع في نطاق التشارك الرقمي الذي يقوم من عبر الارتباط بالشبكة العنكبوتية واستعمال الحاسوب. ومن ذلك أيضا أنها تحذو حذو تيارات معاصرة في الرواية الغربية بدأت تسلك هذا المنحى بتواتر وكثافة تحت مظلة الجنس واحتكار العلاقة بالجسد الأنثوي. وإنّ عنونات بعض هذه الأعمال لتكفي للدلالة على ذلك المقام، من قبيل: فئران ورجل، للويس وينغون، الذي يخط تحت مظلة الحكي الأوتوبيوغرافي، سجل غزواته الأنثوية عبر صفحة الاكسيل بما يلائم تقنية الضغط الرقمي، وتنقيل التجربة عبر هذا المثلث الرهيب: الحياة الحقيقيةin real life/ الحياة الثانية أوالثانوية second life/ اللاحياة no life. وفي رواية «شراك الهوى» تتخذ العلاقة بين الواقعي والافتراضي بعدين متلازمين: بعد التعاقب والانسجام والتسريع وفق منطق الحكي. وبعد التعارض والتنابذ والتكثيف وفق دليل الحياة ومجلاه النفسي والأخلاقي. أما البعد الأول فهو يحيل إلى عوالم حقيقية توازي بناء حبكة الحكي حتى تتوقف عند لحظة الفراق بين البطل والبطلة، بانتقال الأخيرة من طنجة إلى الصويرة. وأما البعد الآخر فعوالمه افتراضية تقضي بتجميد الصّيرورة، واستبدال منطق سرد الوقائع بمنطق استعراض الكثافة، على خلفية من التداعي الموصول بالأحلام والاستيهامات. بيد أن دلالة الافتراضي في النسقين تبدو مختلفة. فهي في البداية تحيل إلى الافتراضي الرقمي بمعناه القدحي، وفي النهاية تؤول إلى الافتراضي بمعناه الأخلاقي والمثالي. وتلك هي الفرضية التي تعوّل هذه القراءة الغاوية على إثبات دليلها.
سؤال الهوى ومناصات العشق: يقتضي هذا العنوان الفرعي الإشارة إلى التعريف الذي وضعه ميخائيل باختين للرواية باعتبارها نصّا سرديا وجنسا أدبيا ممثلا للذاكرة الخلاّقة التي تسير نحو التطوّر الأدبي. أي باعتبارها خليطا من كل الأجناس الأدبية التي سبقتها. بل هو يذهب أبعد من ذلك إلى القول بتأطير تاريخ الرواية في منحيين: الأول مونولوجي أي أحادي الصوت موصول بالتعبير الذاتي المباشر حول محور الذات، ومن أمثلته الروايات البيوغرافية وما يقوم منها على التأمل والتجريد. أما المنحى الثاني فهو المنحى الديالوجي أو الحواري القائم على نظام تعدد الأصوات وتقديم نص سردي طليق ومنفتح على أنظمة القول والتعبير. وعليه كان رهان تطوير الرواية منذ نهاية القرن التاسع عشر.
وضمن هذا النظام الذي يقوم على استضمار تعالقات النصوص يستوقفنا في هذا المتن الروائي ملفوظ الهوى بمعناه الوجداني الموصول بتيمة الحب المتوغلة في سيكولوجيا النزوع الإنساني.ثم تبقى هذه التيمة بدورها موضع السؤال حول مدلولها النرجسي أو الافتراضي. فأما مدلول الحب النّرجسي فهو موصول بالبعد الواقعي لأحداث في هذه الرواية. ومشكلته كما ترى ليزا ليتسير Lisa Letessier هي تجاهل الآخر. وهو في هذه الرواية يتلبّس موقف (كمال) بطل الرواية في تصريف مشيئة الغرام وفق أعراف الفحولة التي ترى المرأة مجرّد إيقون للمتعة الحسية. أمّا هذا الدور النصي فتمثله الأنثى (سعاد) جوكر الغرام الذي يسدّ الفراغات العاطفية للبطل على امتداد الرواية. وأما مرموز هذا الموقف النرجسي فمجلاه في الموروث السّردي الكوني من خلال كتاب الليالي العربية arabian nights، من خلال شخصية شهريار التي تلخّص العلاقة بالمرأة في موقف الشكّ ثم في الاشتهاء العابر الذي تعقبه متعة المحو الأبدي. ممّا جعله ينساق عبر تجربة الاقتران كلّ ليلة بأنثى ثم يُعدمها قبل أن تطلُع شمس النهار، إلا ليلة واحدة كانت أنثاها شهرزاد تضاعفت إلى ألف ليلة وليلة من متع الحكي والأشواق حيث الأحدوثة تتحوّل إلى رحم تتخلق منه الحكايا. وأما شهريار هذه الرواية الموسومة بشراك الهوى فهو شاب من جيل الزمن الرقمي الافتراضي يعكس القطب الذكوري الأوحد الذي تصطفيه أحداث هذه الرواية دون غيره من مرموزات هذا الجنس ودواله.ودليل هويته الذكورية تلك يكاد يكون محصورا في التوصيف السّردي بضمير المخاطب، إلا ماكان من إشارة أو إشارتين لاسمه «كمال» في آخر فصول الرواية، مع ملاحظة أن دليل هذا الاسم موصول بالإحالة على الذات دون مرجعها. فكمال هو هنا رمز للكمال بذاته،على عكس قرين الهوى (وفاء الكلداني) فاسمها يجمع بين ماهية بمضمون أخلاقي (وفاء)، وبين مرجعية بمضمون تاريخي (الكلداني) إحالة على الحضارة الكلدانية البابلية التي تحيط بأجواء كتاب الليالي. أما دورهذا الأنا الفحولي الذي توقّعه كاف الخطاب في المحفل السردي للرواية، فنراه موجّها إلى الافتراس كما العنكبوت، ينصِبُ الشراك لضحاياه حتى يتساقطن واحدة تلو أخرى في مذبح الشّهوات، إلا واحدة ألقت عليه الشراك حتى أمسى صريعا يتقلب في حباله المجدولة من خيوط الدهاء. إنّها وفاء الكلداني شهرزاد هذه الرواية والرمز الذي يقود قارءها إلى استضمار مفهوم الحب الافتراضي الممتد عبر تجربة الأنثى الممتهَنة التي يتحّوّل ضَعفها حَيال سلطة المذكر إلى فعل مواجهة، إلى شراسة موصولة بقوّة الدهاء. فحين تشعر الأنثى باستفحال ما يحاك حولها من امتهان يكون ردّها ممهورا بشُحنة الصّمت وفوْرة الاحتجاج، ومجلاهما معا في العناد وقوّة الرفض وفي طاقة البوح التي تُوقِّع فعل الكتابة.
ومابين هذين الحدين المتنابذين لصفة الهوى لابد من داع أو من سبب يرهن مشاعر الشريكين ويجعلها موضع السؤال. إنه العنصر الدخيل أو المشوش. و هو إمّا أن يكون نشاطا يستحوذ على اهتمام أحد الشريكين دون الآخر فيصدُر عنه خلل في توازن العلاقة. وتلك هي خصّيصة هذا العصر الذي تطغى فيه الأهواء والنزوع إلى الانغلاق والتقوقع في الذات. أو أن يكون كيانا دخيلا يقتحم العلاقة بينهما، ويجعلها افتراضا معلّقا بين الوهم والمستحيل. ومزية التشويق والمتعة في محكيات الغرام رهينة بهذا المعمار الدرامي، ومنه استمدت مطلق الحكايا وأنماط الشعر الوجداني حليتها ضمن مثلث العشق الذي يتوّجه تدخّل شخص ثالث هو الغريم مسنودا بقوة العرف الاجتماعي أو بنزوع النفس الإنسانية التي لا يَعقِلُها منطق أوْ برهان. ويحضرنا مثال عن المظهر الأول ضمن زاوية السرد من خلال حكاية العاشق والمعشوقة في كتاب الليالي، حيث تنتهي الحكاية بهذه الأبيات التي تنعى موت الحبيبة حسرةً على ضياع الحبيب، بعد أن جرفته رياح الهوى إلى غيرها:
مررتُ بقبر دارسٍ وسْـط روضة عليه من النُّعمان سبعُ شـقـائقِ
فقلت لمن ذا القبرُ جاوبَني الثرى تأدّب، فهذا القبرُ بَرزخُ عـاشـقِ
فقلت: رعاك الله يا ميْتَ الـهـوى وأسكنك الفردوسَ أعلى الشّواهق
مساكينُ أهلُ العشق حتى قبورُهم عليها تُرابُ الذلّ بين الـخـَلائق
أما المظهر الثاني فله في موروثنا الشعري مثال رائع هو للأعشى صناجة العرب من معلقته الشهيرة التي مطلعها:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل = فهل تطيـــق وداعا أيّها الــّرجل؟
والمعنى يتحدد من هذه الأبيات الأربعة:
عُلّقْتُهَا عَرَضاً، وَعُلّقَـتْ رَجُـلاً = غَيرِي،وعُلّقَ أُخرَى غَيرَهَا الرَّجلُ
وَعُلّقَتْـهُ فَـتَـــــاةٌ مَـا يُحَـاوِلُهَـا = مِنْ أهلِها مَيّتٌ يَهْـذِي بِهَـا وَهـلُ
وَعُلّقَتْنِـي أُخَيْـرَى مَـا تُلائِمُنِـي = فَاجتَمَعَ الحُـبّ حُبًّـا كُلّـهُ تََبِـلُ
فَكُلّنَـا مُغْـرَمٌ يَهْـذِي بِصَـاحِبِـه = نَــاءٍ وَدَانٍ ، وَمَحْبُـولٌ وَمُحْتَبِـلُ
وأما مؤشر العنصر المشوش في رواية شراك الهوى فطبيعته من حال النأي والهجران ومنَ الارتحال بمعناه الحسّي والوجودي. وهو الذي لأجله استبكى الشعراء الأوائل الأطلال وقال فيه ابن زيدون الأندلسي بيته الشهير:
أضحى التنـــــائي بديلا من تدانينا = وناب عن طيب لقيانا تجافينا
غيض العدا من تساقينا الهوى فدعوا = بأنّ غصّ فقــال الدهـر آمينا
أما ارتباطه في الرواية بمؤشر الصمت وانقطاع الأخبار من طرف القرينة، فوحده يكفي للتلويح بفضح الحساسية النرجسية لأنثى هذا العصر الرقمي التي تفوق كلّ الحساسيات. أما البعد الكوني لهذا الموقف فموصول بأطياف النص الغائب لأنثى الشعر الشّامخة بحكمة الصمت وقوة البوح، منذ الدّعجاء بنت وهب و ليلى الأخيلية وولاّدة بنت المستكفي، إلى غادة السّمان وأحلام مستغانمي ووفاء العمراني وغيرهن من أطياف الشموخ الأنثوي التي تحفّ بهذا النص. ومجلى ذلك في موقف وفاء الكلداني التي وسمتها الرواية بأنها في الواقع متحدثة جيدة وفي الإنترنت محاورة ذكية تنصب الكثير من الشراك (ص41)، بادٍ من خلال هذا البوح الرّهيب الذي يفجر مكنون الصمت في وجه القرين المقصي عبر آخر صفحة في الرواية:
«أنا صاحبة الأسماء كلّها…جرّبتُ خلقَ شخصياتٍ أخرى ..وما دمتَ أنت مدمناً على التجريب، تابعتُ خلق الشّخصيات حتّى أُتخمَك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة