.

عادل السيوي: شاعر الوجوه

الجسرة الثقافية الالكترونية

محمد شعير

عادل السيوي رسام وجوه، كان آخرها بعد الثورة إذ رسم بيكاسو وسط الجماهير الثائرة، الجرافيتي بالنسبة له نقلة معاصرة بامتياز. رُشح لوزارة الثقافة وهو يرى أنها مناسبة للتخطيط الثقافي لكن وسط جو ثقافي مستقل ويرى أن الأجيال الجديدة أوسع من القدرة على استيعابها.

متى تشعر بالسعادة؟
فوجئ عادل السيوي بسؤال العجوز اليوناني. توقف لحظات قبل أن يعدد اللحظات التى يشعر فيها بالسعادة: فى الرسم، وكرة القدم.. والصيد والبنات!
أنصت العجوز للإجابة.. قبل أن يعاود السؤال مرة أخرى: ولكن ما هو الشيء الذى تشعر معه بالتحقق الكامل. لم يفكر السيوي طويلاً.. وأجاب: الرسم..لا شيء آخر!
فى تلك اللحظة التى تعود إلى منتصف السبعينيات اتخذ السيوي من الرسم «حرفة»..تماماً كما اتخذ نجيب محفوظ من الكتابة «حرفة».
بعد سنوات قليلة من هذه الواقعة سافر السيوي إلى إيطاليا ليدرس الفن، بعد أن درس الطب فى القاهرة، هناك التقى أشخاصاً تعلم منهم الكثير: فلاسفة شاركهم السكن، وفنانين. وعندما عاد إلى مصر التحق بمرسم الفنان المصري حسن سليمان الذى كان أيضاً ضرورة».
رحلة السيوى مع العرض العام بدأت فى 1980 كان معرضه الأول فى أتيليه القاهرة، أعمال البدايات تقريباً، لم يكن بعد قد ذاب فى مكينة «التشكيل الأوروبي»، المعرض ضم لوحات عن النوافذ والنساء، وأبواب البيوت، معرضه الثاني كان فى فلورنسا، كان معرضاً جماعياً للفنانيين الأجانب المقيمين فى إيطاليا، لم يشارك سوى بثلاث لوحات صغيرة لامرأة ترتدي قبعة، وكان خجولاً من المعرض حتى أنه غادره قبل أن يبدأ. فى 1997 كان معرضه الأهم فى قاعة مشربية، حيث تم تقديمه كفنان من مصر، وعلى المستوى الفني كان المعرض إعلاناً فنياً عن التخلص من الثقل «الوجودي» والاتجاه إلى الخفة متأثراً بأفكار الروائي الإيطالي إيتالو كالفينو وماتيس.
ثم كان معرض بيروت 1993 حيث بدأ البورتريه يظهر للمرة الأولى فى عالمه الفني.. ثم بدأت رحلة عالمية: باريس وبرشلونة ونيودلهي وبرلين والمكسيك وجوهانسبرج ونيويورك… وفينيسيا.
اشتغل السيوي في كل هذه المعارض على فكرة الوجوه، مرآة الباطن الدفين وسره المكشوف. وجوه خجولة ومتحدية في آن معاً، منزوية وعامرة بالحكمة، ومحملة بالكثير من الذكريات البصرية بداية من أخناتون ووجوه الفيوم، إلى الأقنعة الأفريقية والملامح التعسة لوجوه المارة في زحام القاهرة وغيرها من المدن المكتظة بالبشر والألم.
ومن فكرة الوجوة اللامعروفة انتقل الى الوجوه المعروفة في معرضه الهام « نجوم عمري الذي تضمن بورتريهات لونت حياته بالبهجة في الطفولة والشباب: سعاد حسني، إسماعيل ياسين، زكي رستم، عبد الحليم حافظ، فريد شوقي، صلاح جاهين، وآخرين. المعرض نوع من الحنين للحظة وأيضاً وضع لحظة أمام لحظة، هو كمان معرض عن الغياب.
الوجوه المعروفة لكنها تنفصل عن صاحبها، ليدخل منطقة الخيال الخاص بالفنان.
فى المرحلة الأخيرة قدم معرض «حكايات» حيث اللوحة تشخص أماكن وكائنات وأشياء، سحر السرد فى اللون، لم يرتح يوماً إلى التجريد بقدر ما كانت الحكاية هي القادرة على اجتذابه. فالأشكال والرموز والعلامات والعبر الكبيرة التي تضمها الحكايات هي أفضل ما صنعناه كبشر حسب تصور السيوي. حكاياته يلفها اللون الذهبي، هو ليس لوناً ولكنه إشارة الى شيء قديم، أيقونة ملكية أو رداء كهنوتي أو طقساً من الطقوس. اللون الذهبي ظهر للمرة الأولى عند السيوي في التسعينيات، استعمله في خلفية لمجموعة اسمها الملوك، اشتراها متحف قطر. كل ملك، فى تلك المجموعة، لديه حكاية مؤرقة، هناك ملك يعاني من برص يسير على وجهه، وهو نائم، وآخر متشكك في مؤامرة، كل ملك لديه هواجسه وأحلامه وشهواته.. حتى يلغى السيوى أى تأثير، يمكن أن يشوش على الوجوه، وضع الذهبي كحاجز فى الخلفية «إنه أقرب إلى معدن، يجعلك لا ترى سوى الوجه، ولا يؤدي إلى مشكلة مثل الأسود،، إنه لون محايد، مشع، متوهج، ليس بارداً وأيضاً غير ساخن، إنه لون وليس لوناً، لون وضوء معاً»!

-1-
بعد الثورة انشغل السيوي..إنه عن الحرية والجسد والدفاع عن الحسية. حيث أنجز ثلاث لوحات عن جسد الراقصة الشهيرة تحية كاريوكا. ولكن الثورة لم تظهر فى أعماله الجديدة. الفكرة التي رددتها جماعة الإخوان عن نزول جبريل فى ميدان رابعة العدوية شغلته، وأراد تنفيذها في لوحة، ولكنه لم ينفذ اللوحة.. ونقله التتفكير الى السؤال إذا كان جبريل قد ظهر فى رابعة، فلم لا يظهر بيكاسو وفان غوخ مثلاً في ميدان عبد المنعم رياض تضامناً مع الثوار المصريين… وكانت هذه لوحته الأولى عن الثورة.. حيث يقف الثوار تتبدى كآئنات واقعية، وفي خلفية المشهد ينتصب تمثال عبد المنعم رياض.. ويظهر بيكاسو وهو يعلن بداية الاعتصام بينما يقف فان غوخ بصفائه وتطهره وتلك العين التي تعرف معنى الألم.

-2-
طرح عدد كبير من المثقفين اسم عادل السيوي وزيراً للثقافة في المرحلة الانتقالية، ولكن يبدو أن المؤسسة الرسمية لم تكن راغبة في شخص «مثير للقلق»..يمكن أن يصنع تغييراً حقيقياً..السيوي قضى فترة طويلة من حياته في إيطاليا..وزار العديد من دول العالم بثقافاتها المختلفة، يمتلك رؤية ثقافية يمكن أن تصنع فرقاً..انشغل في أعقاب ثورة يناير بتقديم مبادرة لهيكلة المجلس الأعلى للثقافة في مصر..وهي رؤية لم يتم التعامل معها جدياً…يقول: «بالنسبة لي أرى أن الإنفاق على الثقافة من المال العام، حتى في أميركا وفرنسا أكبر الدول الرأسمالية لم تترك الثقافة للسوق ولحركة المجتمع، وإنما تتدخل الحكومة الفدرالية لإنشاء مكتبات ومسارح ومؤسسات فنية. وأرى كذلك أن وجود وزارة الثقافة فى هذه اللحظة ضرورة إذا ما نجحنا في وضع استراتيجيات جديدة لعملها وإعادة هيكلتها وفقاً لهذه الأفكار المركزية ولكن في الوقت نفسه أرى أنه لا بد من وجود كيان مستقل عن الوزارة يشكل وعي المثقفين، وهذا الكيان موجود بالفعل إسمياً، وهو المجلس الأعلى للثقافة، وكانت فكرتي أنه كي يصبح جديراً باسم المجلس الأعلى فعليه أن يتخلص من أي سلطة سياسية وتنفيذية فوقه، ولكن هذه الفكرة فشلت لسببين: الأول أن الجهاز الإداري في مصر غير مؤمن بضرورة التغيير وهدفه قتل أي مبادرة تعكر صفو غفوته الممتدة. وأتذكر أن أسامة الباز قال لنا مرة «إن الخوف ليس من التيارات المتخلفة، وإنما هناك وحش قادر على ابتلاع أي مبادرة أو ابتكارها وتحويلها إلى لا شيء اسمه البيروقراطية». وكما ترى المشكلة ليست في سائق السيارة وإنما في الموتور نفسه. وبالتالي يترآى لي أن ديانة الدولة هي الإبقاء على الوضع القائم. مثلاً مبادرة استقلال المجلس طرحتها في عهد فاروق حسني ولم تكن الشروط مهيأة لتناولها جدياً، وأعدتُ المحاولة مع د.عماد أبوغازي، وتحدث عنها د شاكر عبدالحميد وهم شخصيات داعمون للتغيير ويمكن التحاور معهم، ولكن هناك جهاز كبير يقاوم أي تغيرات كبرى». السبب الثاني لفشل المبادرة كما يرى السيوي: «المثقفون أنفسهم، هم حتى الآن قابعون فى موقع رد فعل، حتى في احتلالهم وزارة الثقافة كانوا رد فعل، لأنهم عاشوا لسنوات طويلة على ابتزاز الجهاز البيروقراطي للدولة، وفب انتظار ثمرات بائسة منه، بل وأحياناً على نقد هذا الجهاز لتبرير فشلهم..ثمة حالة مرضية من التساكن بين حركة المثقفين والمؤسسات الرسمية. وبالتالى ليس هناك حركة واسعة وسط المثقفين تستطيع أن تتفق على هدف محدد يمكن إنجازه.
يضحك السيوي: «كنت أقرأ محضر اجتماع حكماء المجلس الأعلى للثقافة أثناء مناقشتهم استقلال المجلس، كانوا جميعهم ضد فكرة الاستقلال، او متشككين في أهميتها لأنهم يتصورون أن من هو خارج الدولة هو في الصحراء، تائه..وهذه جملة قالها الدكتور جابر عصفور للراحلة الدكتورة فاطمة اسماعيل عندما أخبرته أنها ربما تفكر في ترك عملها بالدولة».
هل ترى أن أزمة المثقفين هي أنهم دائماً جزء من السلطة..ولا يستطيعون التحرر منها؟
يجيب: لدينا عمر طويل من الصراع، هناك من المثقفين من يرى أن الدولة قوة يمكن ترشيدها وإطلاعها على الإمكانيات المتاحة في الواقع، مثلما فعل رفاعة الطهطاوي مع محمد علي، وهي رؤية ترى أن الحاكم موجود كإرادة ناجزة وأنت ما عليك إلا أن تقترح، وهناك صوت آخر يرى أن الدولة عليها التكامل مع ارادات الجماعات المختلفة، كي تنجز المهام الثقيلة في التعليم والصحة والثقافة، وبعيداً عن هذين المسارين لدينا. نماذج قليلة لمثقفين وجماعات ومبادرات مستقلة، في فترة الأربعينيات تكونت جماعات غلب عليها فعلاً الطابع الإيديولوجي ولكن ثقل الدولة لم يكن موجوداً، كان همها المجتمع والفكر والفن هو هاجسها الأساسي..الأمر ذاته حدث بعد هزيمة 67 مع «غاليري 68»..أي أننا لم نعدم محاولات الاستقلال، ولكن ما زال لدينا ميراث طويل من العلاقة المريضة بالدولة..وأظن أن الأجيال الجديدة متحررة إلى حد كبير من هذا الميراث، متخلصة من التبعية للسلطة، ولديهم قدرة أكبر على التواصل والحراك.
أسأله: هل يمكن للدولة ـ السلطة استيعاب هذه الأجيال الجديدة؟
يجيب: الأجيال الجديدة أوسع من القدرة على الاستيعاب. هناك كتاب مهم بعنوان «جيل الإنترنت» يقارن فيه مؤلفه جون تابسكوت بين هذا الجيل وجيل 68 المسمى «جيل الطفرة»..إذ إن كثيراً من الأسر بعد الحرب العالمية الثانية قرر عدم الإنجاب أو تكوين أُسر، وبعد ان استقرت الأوضاع وعاد الأمان عادت مرة اخرى فكرة تكوين الأسرة، وولد جيل «الطفرة» الذي ثار في 68.

المصدر: السفير

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

free instagram followers instagram takipçi hilesi

إغلاق