.إضاءات

ما أكثر المدن… وما أقـلّها

الجسرة الثقافية الالكترونية

 

علي جعفر العلاق

قلبُ يألفُ الأمكنة وذاكرةٌ ينهكها الحنين. تصلح هذه العبارة، كما أعتقد، تعريفاً لكل إنسانٍ مرهف، فثمة لحظاتٌ تظلّ مفعمةً بمشاعر فريدةٍ تتعلق بالمدن التي عرفناها، أو زرناها، أو ولدنا فيها أو قريباً منها. سأبدأ من أكثر تلك اللحظات إثارةً للضمير والوجدان. لحظةٌ بعيدةٌ وخاطفة، لكنّ معانيها البليغة ما تزال صالحةٌ للتأمل في حاضرنا الحافل بالموت وضياع المروءات. كان ذلك قبل ثلاثين عاماً أو أكثر بقليل. ولو لم أكن أنا، شخصياً، شاهد تلك اللحظة العجيبة، وضحيتها، أو بطلها إن شئتم، لما جرؤتُ على روايتها لأحد.
كنا، زوجتي وأنا، قادمين من بغداد. الشارع خالٍ من السيارات نسبياً، ونهارُ الجمعة في بداياته الزرقاء الصافية، وكنا متجهين الى مدينة الرمادي عبر شارع «الفلوجة» الذي يؤدي الى جسرها الجديد. وكما يغمض إنسانٌ جفنيه فجأةً، وفي لحظةٍ خاطفةٍ ما عدتُ أتذكرها تماماً، لفرط ما فيها من هول، خرجتْ طفلتان مسرعتين من شجيرات الجزرة الوسطية وأدغالها الكثيفة، وعبرتا كالبرق، أمام سيارتي، إلى الجهة الأخرى من الشارع. لم أكن لحظتها أعي ما يحدث، غير أن صوتَ ارتطامٍ مكتوماً رجّني بعنف، فبدت السماء لحظتها وكأنها تتساقط على روحي كسراً مخلوطةً بدمٍ حارٍ وطفولةٍ تشرف على الهلاك. إحدى الطفلتين التقطها الرصيفُ المقابل، بينما تلقف الموتُ، أو كاد، جسدَ الطفلة الثانية. كان جسدها الصغير يرتفع في الهواء المجروح ثم يهبط على صندوق السيارة، دامياً مدوياً، مسرعاً الى حتفه، أمام عيني المذعورتين.
قفز شابان، كانا على الرصيف، إلى سيارتي. احتضن أحدهما الطفلة الدامية، بينما تولّى الثاني قيادة السيارة. وفي دقائق خاطفة أوصلانا إلى المكان الذي يتوجب أن نكون فيه: أنا الى مركز الشرطة، والطفلة إلى المستشفى. كنت غارقاً في ألمي حد العذاب، وكان ضابط المركز شاباً وفي منتهى التهذيب. زوجتي تنتظر خارج الغرفة، وأنا أنتظر نتيجة الأشعة التي أخذت لدماغ الطفلة المصابة.
بعد أقل من ساعة تناهت إلى سمعي ضجةٌ تقترب من المكان. كان والد الطفلة مفجوعاً يتحدث بهياجٍ واضح. دخل الغرفة سائلاً عن رجلٍ قادمٍ من بغداد دهس ابنته. لم يساورني أدنى شك أن الوقت قد حان لأدفع ثمن ما حدث رغماً عني ذلك الصباح. وكانت دهشتي لا تصدق حين سلم عليّ الرجل وكأنه يعتذر عن تقصير ما، عارضاً على مسؤول المركز إخلاء سبيلي، دون انتظارٍ لنتيجة الأشعة، أعني بغض النظر عن مصير ابنته. كان يعتبرني ضيفاً على الفلوجة وأهلها لا قاتلاً، وليس من الرجولة اعتقالُ الضيف، بل إكرامه. كان يردد ذلك بحزنٍ لا مثيل لبساطته وصدقه.
يمر بي اليوم هذا الشريط، الطافح بقيم الكرم والنبل والرجولة، عابراً أزمنة الدم، والكوارث والإبادات، التي بدلت الكثير من شمائلنا الموروثة، ففي بعض مدننا العراقية الآن، صار الموت تجارةً شديدة الرواج، بالجملة والمفرد، وبأساليب شتى. قد يُقتل الطبيبُ إذا مات أحدُ مرضاه، أو إذا فشل في إعادة الحياة إلى إنسانٍ جيء به ميتاً أو على وشك الموت. وقد تُبتكر أسبابٌ مختلفةٌ لميتاتٍ أخرى تجلبُ المال والعار معاً. وهكذا تُستدعى، عند الحاجة، أعرافُ الفصل العشائريّ، بعد أن تُحرّف عن غاياتها وسياقاتها الاجتماعية، لتصبحَ جزءاً من أدوات الموت المجانيّ ودناءة النفس.
وقليلةٌ هي المدن التي حجزتْ مكانها ومكانتها في التاريخ، ودفعتْ، وما تزال تدفع، من أجل ذلك أثماناً باهظة. البصرة التي تحملتْ أكثر الأثمان فداحةً جراء الحروب والحصارات والإهمال: غاباتُ النخيل التي تقف، وكأنها تصلّي خاشعةً، دون رؤوس. تمثالُ السياب وهو يقف في مهبّ الرصاص والحرمان. أهلُ البصرة، صناعُ الجمال والفرح، وهـم يتحرقون عطشاً الى حفنةٍ من ماءٍ صالحٍ للشرب.
وها هي مدينة «الفلوجة» تقفز إلى الواجهة، بعد أن انتزعها القتل، والتجويع الهمجيّ، من معانيها الفذة الكريمة، لتصير نقيضاً لكل ما كانت تمثله وتعنيه: منازلُ سوّيتْ بالأرض، وهياكلُ بشريةٌ تقتات على العشب والأسى، ومآذنُ لا يزال أنينها عالقاً بالهواء الأسود المقيت، وأرحامٌ لا تصلح إلاّ للأجنّة المشوّهة، ونساءٌ يتحزمْنَ بأطفالهنّ ليهربنَ بهم إلى هناك، إلى أعماق الفرات الصامت الحزين، إلى الأبد.
لا بد للتاريخ أن يترجل، ذات يومٍ، من مركبته المكللة بالعار، لينحني أمام هذه المدينة المميزة، فالمدن لا تتساوى في قيمتها دائماً، والفروق ستظل مدويةً كالفضيحة: بين مدنٍ تهرع ساجدةً، لمن يذلونها، دون حياء، ومدنٍ تدفع حصتها كاملةً من الموت والجوع والخراب، دفاعاً عن كرامةٍ لم تعد تعني شيئاً عند الآخرين. بين مدنٍ تظل دلالتها الرمزية بحجم دمارها الذي لن ينسى، ومدنٍ تلتصق بالأرض كالثآليل. كما أن الفرق سيظلّ كبيراً حتى بين دماء البشر أحياناً، «فـدمٌ عاصفٌ مثل زوبعةٍ- ودمٌ من نعاسٍ وطينْ».

المصدر: القدس العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق