مسرح موسيقى

عشر أوركسترات وبيروت منصة في «أسبوع سوريا العالمي»

الجسرة الثقافية الالكترونية

 

زينب سرور

حدها الموسيقى تملك مفاتيح الحلول. عند التّعب نلجأ لها. عند الفرح نسأل عنها. لتسكين الأوجاع نستعين بها. لـ «زكزكة» الذّاكرة نبحث عنها. للتّعلّق، للنّسيان، للّتناسي، نواجهها. في حالات الضّياع، نستدلّ من أنغامها، إيقاعاتها، قراراتها، جواباتها، وحتّى صمتها، على طريق العبور. وبحثاً عن أمل؟ هي الجواب.
بعد سنواتٍ من تعبٍ ووجعٍ وذاكرةٍ يُريدون لها التّلاشي، وضياع، يحقّ للسّوريّين أن يفقدوا الأمل. يحقّ لآذانهم أن تُصمّ. وعيونهم أن تُغلق. ولكن لأسبابٍ ليست بحاجة إلى مجهودٍ في التّوضيح، يرفضون ذلك. لماذا؟ لأنّهم ببساطة سوريّون. على عكس المتوقّع، فتحوا عيونهم. فتحوا آذانهم. ولكن لمن؟ هذه المرّة، اختار السّوريّون طريقًا مغايرة. لم تُطالع عيونهم آثار القتل والدّمار، و»حسناتٍ» يُلقيها الآخرون عليهم. لم تُنصت آذانهم لأصوات قذائف باتت متعدّدة الجنسيّات والمِلل، ولوعودٍ نهشها الصّدأ. هذه المرّة ولوّا عيونهم وآذانهم شطرَ الخلاص. شطر الموسيقى.
تتمايل الصّغيرة على أنغام «سنفرلوا عالسّنفريان». تضع يديها الصّغيرتين على خاصرتها، وترقص بخفّة. ربّما لا تعرف «العضو الصّغيرة» في كورال «بسمة وزيتونة» أنّها تُشارك في المنصّة الرئيسيّة لـ «الأسبوع العالمي لسوريا»، وضمن حفل «استمعوا لهم». لكنّها تُدرك أنّ فرحها لا حدود له. ربّما لا تعرف أنّ ما تفعله في بيروت، يقوم به بالتّوازي طفلٌ وعازفٌ في 35 مدينة حول العالم، إلّا أنّها تعلم أنّ لابتسامتها تأثيرٌ كبير.
للمرّة الثّانية، يقع اختيار مبادرة الأسبوع على بيروت كي تكون منصّة العرض الرّئيسيّة. ليست وحدَها بيروت من يحظى بشرف الاحتفال بسوريا. بالتّوازي، يشارك مئات الموسيقيين والباحثين والفاعلين الثقافيين من هولندا، وألمانيا، والنروج، فرنسا، سويسرا، إيطاليا، كندا، وطبعاً سوريا، في 35 مدينة حول العالم.
تخرج الطّفلةُ وأصدقاؤها من المكان، ليحتلّ كورال «سنبلة» مسرح قصر «الأونيسكو». أكثر من 130 طفلاً يقفون هناك. يغنّون الحبّ، الأمل، الطّفولة، أغانيهم، أغاني الكبار. يشاركهم المايسترو أحمد قعبور. يؤدّون سويّاً أغانيَ قديمة. يتبعونها بواحدةٍ جديدة، لحّنها قعبور خصوصاً للمناسبة. «يللي ما بتقولوا آه، وما بتشكوا إلّا للّه». والحديث موجّهٌ للنّازحين السّوريّين. كان هناك الكثير من الحبّ.
«سنبلة» لم يقف وحيداً. يشاركهم الحبّ الكثير كورال «الفيحاء». بعد الإعلان السّابق عن توقّفه عن العمل، استطاع الكورال الصّمود. يبدع مغنّوه. ينشدون السّلام، الطّفولة، يرحّبون بالنّازحين. يقدّمون أغنية جديدةً تذمّ الإرهاب، وتغضب على مشرِّعيه. ولأنّ وجود أميمة الخليل لا يُمكن أن يمرّ مرور الكرام، يصرّ مايسترو «الفيحاء» باركيف تاسلاكيان على مشاركة الكورال الغناء. فكانت «عصفور طلّ من الشّباك» من أجمل ما يكون.
كيف بدأ الأمر؟
منذ سنتين، أقام هنيبعل سعد مهرجانين في سوريا. شعر أنّ دوره هو أن يجمع «النّـــــس حول شـــــيءٍ جميل». سعد لا يحبّ «الحرب والتّفرقة». أصرّ على متابعة المهرجان من أجل سوريا.
«وضعتُ كلّ طاقتي للعمل مع المنظّمات المحلية والدوليّة، يشرح سعد لـ «السّفير». «في العام 2014 أقمنا احتفالاتٍ في هولندا ولبنان والأردن تحت عنوان jazz for syria، بعد عام أقمنا احتفالاً آخر تحت عنوان (أسبوع عالمي لسوريا)».
ولأنّ التّجربة حازت على تفاعلٍ كبير، قرّر القيّمون إعادتها هذا العام، فكان لسوريا أسبوعها العالميّ الّذي تشترك فيه عشر أوركستراتٍ حول العالم، ومئات الموسيقيّين والفنّانين والمغنّين والمؤدّين والدّاعمين، إضافةً إلى ورشات عملٍ فنّيّة ومحاضراتٍ من مختصّين في مجال العلوم الموسيقيّة القديمة والآثاريّة والموسيقى الشّرقيّة، في أماكن عدة في بيروت.
لا شيء في العالم يوازي الضّحكة. لا شيء أيضاً يوازي الموسيقى. وعندما يلتقي العالمان: الضّحك والموسيقى، يُولد شيءٌ «خرافيّ». السّوريّون يسمعون الموسيقى، إمّا يتألّمون، وأمّا يتأمّلون. ولأنّهم أيضاً شعبٌ «خرافيّ»، اختاروا الطّريق الثّانية. ضحكوا وتأمّلوا، وانصهروا في مقولة جبران خليل جبران «ظلّ الإنسان يحاكي الموسيقى حتّى أصبحت علاجه المفضّل»، حتّى أصبح من الجائز القول «ظلّ السّوريّ يحاكي الموسيقى حتّى أصبحت علاجه المفضّل».

المصدر: السفير

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة