.

تلك هي قصة «بوابات أرض العدم» … و «الهيصة» الفايسبوكية

الجسرة الثقافية الالكترونية

 

عبده وازن

لم أكن أشاء الرد على الحملة العشوائية التي أقامها فايسبوكيون ضد مقالتي «نعمة اللعنة السورية» (الاثنين الفائت) لولا حجم الردود التي توالت، وهي من المرات القليلة التي يلقى فيها تعليق ثقافي هذا العدد الهائل من المعلقين عبر الفايسبوك ومعظمهم لم يعودوا إلى المقال بل اكتفوا بقراءة التعليقات عليه. كتبت في تعليقي ذاك، عن الترجمة الفرنسية لكتاب الروائية السورية سمر يزبك «بوابات أرض العدم» مركزاً على المبالغة التي أبداها كتّاب وصحافيون فرنسيون في مديحه، علماً أنه لم يلق ترحاباً كبيراً عندما صدر بالعربية عن دار الآداب. وما لفتني هو أن كتاب يزبك الذي سبقه «تقاطع نيران» كان أهم منه كثيراً حتى لبدا الثاني استعادة لجوه ولغته وأسلوبه، مع بضع إضافات.
كان الترحاب الفرنسي الإعلامي شبه خرافي لكتاب يزبك الجديد والأقل أهمية من السابق حتى أن أحد النقاد بلغت به حماسته «الاستشراقية» السياسية مبلغاً فأكد أن كتاب يزبك يوازي أحد كتب جورج أورويل. ما كتب من تبجيل يشبه الهيصة الإعلامية قد يصدقه قارئ فرنسي أو فرنكوفوني وأجنبي، أما أنا قارئ سمر يزبك ومثلي كثر، فكان من الصعب عليّ تصديق ما كتب من مديح لا قاعدة له ولا مرجع ولا مبرر. وشخصياً كنت كتبت عن كتاب «تقاطع نيران» حين صدوره ورحبت به بصفته ريبورتاجاً روائياً يضم أنواعاً أدبية عدة. وعندذاك أخذ عليّ بعض من الفايسبوكيين المشاركين في الحملة الآن، إطرائي للكتاب وصاحبته، ومنهم شاعرات وروائيات معترضات، واعتبرن سمر غير صادقة في ما كتبت، لا سيما أنها غادرت سورية بعد أربعة أشهر على اندلاع الثورة السورية عام 2011 وتمكنت من الحصول على اللجوء إلى فرنسا مع ابنتها.
ونفى أشخاص كثر من المدافعين والمدافعات (الآن) عن سمر قصة توقيف الأمن السوري لها وسجنها وإهانتها واعتبروها ضرباً من الخداع الذي يجعلها ضحية ويساعدها إعلامياً. طبعاً لم أصدق كل هذه الأقاويل والإشاعات ومنها الإشاعة المغرضة التي تناولت زواجها المصري، فهي في حسباني ناجمة عن حال من الحسد والغيرة والكراهية وما أكثر الحاسدات. وقد اتصلت بي سمر من منفاها الباريسي لنشر مقالات لها في «الحياة» ورحبت ونشرت لها فصولاً من كتابيها قبل صدورهما. وعندما قررت سمر نشر كتابها الثاني «بوابات أرض الجحيم» أرسلت إليّ فصولاً منه وظننت أنها تبغي نشرها فنشرتها فاتصلت بي تعترض وقالت إنها أرسلتها لأطلع عليها فقط، وهي كانت فعلاً مسودات وتحتاج إلى صوغ وسبك. ولم يمض وقت حتى اتصل بي شاعر صديق مقيم في فرنسا يقول لي أنه سيرسل مخطوط سمر الذي سوف يصدر عن دار الآداب من أجل قراءته وتصحيح أخطائه وضبطه. وكان المخطوط الذي وصلني قد خضع لرقابة دار الآداب اللغوية، لكنني وجدت فيه من الأخطاء ما يدعو إلى تصحيحه من جديد. أحلت المخطوط إلى زميل لي أثق به لغوياً فراح يمعن قلمه فيه حتى خلا من كل أنواع الأخطاء.
وقامت سمر بواجبها تجاهه مادياً وكانت راضية. وهنا لا أعتقد بأنني أحتاج إلى الرد على الصديق فاروق مردم بك الذي اتهمني بعدم قراءة الكتاب وأقول له: إنني قرأته قبلك. وما كتبته هو تعليق وليس مقالاً نقدياً، وأنت تعلم جيداً ما الفرق ما بين هذين النوعين. وإذا كنت من قراء سمر فأنت تعرف أن هذا الكتاب ليس أهم من كتابها السابق ولا من روايات سورية مهمة جداً دارت حول النظام والثورة والسجون وفي مقدمها رواية مصطفى خليفة «القوقعة» التي نشرتها في أكت سود ولم تنل إلا التفاتة صغيرة في الإعلام الفرنسي، علاوة على رواية روزا ياسين حسن «حراس الهواء» التي صدرت بالفرنسية عن دار أكت سود.
فوجئت فعلاً بالحملة الإعلامية الكبيرة التي حصدها كتاب سمر يزبك «بوابات أرض العدم» وهي حملة لم يحظ بها سوى نجيب محفوظ عند فوزه بجائزة نوبل. علماً أن كتابها الأول «تقاطع نيران» الذي ترجم بدوره إلى الفرنسية لم يلق صدى واسعاً ولا روايتها «رائحة القرفة» وهذه أصلاً مرت مرور الظل مع أنها تمثل وجهها الحقيقي كروائية. وكان مفترضاً أن ينال «تقاطع نيران» الترحاب أكثر من الثاني. في المسألة هذه قطبة خفية. ومن حق الصحافة أن تلاحظ وتسأل. هل سبب الحملة الإعلامية إعلان سمر هويتها العلوية جهاراً وانتماءها إلى المعارضة السورية في آن واحد؟ أم أن الإعلام الفرنسي والغربي يحتاج اليوم إلى نجم أو نجمة ليسلط عليها الأضواء معلناً انحيازه إلى القضية السورية من باب النجومية كما فعل سابقاً مع الكتاب المنشقين على اختلاف هوياتهم، ثم عندما استنفدهم رماهم في حفرة النسيان؟ أم أن دار النشر الجديدة التي تبنت الكتاب هي التي نجحت في الترويج له مستغلة الثورة السورية؟ اللافت أن معظم المقالات الفرنسية ركزت على الانتماء العلوي لسمر. لماذا هذا التركيز غير البريء حتماً؟
أما ما يجمع بين الردود التي لا تحصى فهو الحملة «النسوية» غير المعلنة التي قامت بها كاتبات وروائيات وشاعرات ضد مقالتي والحافز أنني وصفت سمر بالشقراء، وأنا لم أصفها هكذا إلا بعدما شاهدت ذاك الكم من الصور التي التقطت لها حتى في مجلات نسائية، فتخيلت الوقت الطويل والمضني الذي قضته واقفة أمام الكاميرات مع أنّ سمر شقراء جميلة وتليق بها الصور الفنية ولكن ليس في هذه الظروف. خجلت أمام هذه الصور التي التقطت لها على حساب الثورة والثوار والضحايا والدم الذي يراق، وكنت أتمنى أن تنشر سمر صوراً لها بين الخرائب التي أحدثها النظام ثم الأصوليون، أو صوراً مع الضحايا الأحياء الذين كما تقول، زارتهم، مع الأمهات والأطفال والعجائز، مع الفقراء والمشردين والجائعين. وكانت هذه الصور لتردّ على المغرضين والمغرضات الذين اتهموها بالتلفيق. وبحثت لها مرة عن صورة داخل أرض الثورة لنشرها مع أحد المقالات عنها فلم أجد.
لم أكن يوماً على عداء مع سمر، بل تجمعنا صداقة من بعيد، فأنا لم أرها سوى مرات ومنها عندما شاركت في احتفال بيروت 39 عام 2009 وكنت في لجنة التحكيم التي اختارت أسماء الأدباء الشباب. وكانت كلما أرسلت مقالاً لـ «الحياة» ننشره وكلما صدر لها كتاب نرحب به ونفرد له حيزاً يستحقه. ولعل هذا ما زاد من استغرابي. فمن حق الناقد والصحافي أن يسأل ويشك ويحلل شرط ألا يلجأ إلى القدح والذم. لقد ذكرتني الردود الهائلة التي بدا أن أصحابها لا همّ لديهم سوى التسلية على الفايسبوك بما وصفها به الكاتب الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو «ثرثرات حمقى»، ولكن يمكن أن أستثني منها بضعة ردود أحترم أصحابها وأرحب بآرائهم. فالنقد حقّ ولا أحد فوقه.

 

المصدر: الحياة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة