متابعات ثقافية و فنية

‘ليبرو’ إيمان الزيات يمر على روحها كدهر

احمد فضل شبلول

تكاد النسوية تختفي من المجموعة القصصية “يمر على روحي كدهر” للكاتبة إيمان الزيات، ونقصد بالنسوية هنا قضايا المرأة وتشابكها مع الواقع وخاصة في علاقتها بالرجل ونضالها من أجل حرية التعبير، ومشاركتها في الأنشطة السياسية، والإدلاء بصوتها الانتخابي، والزواج والعمل في سن مبكرة يلامس سن الطفولة، وما إلى ذلك.

بهذا المعنى تغيب معظم هذه القضايا عن معظم قصص إيمان الزيات في هذه المجموعة، وليس هذا تقليلا أو عيبا في المجموعة ولا في الكاتبة التي تختار عوالمها القصصية بحرية تامة. المهم أن تقدم لنا الكاتبة فنا كتابيا رائقا وممتعا من خلال قصصها القصيرة وسرودها المتنوعة, وقد وجدت هذا في غير قصة من قصص المجموعة أبرزها قصة “الليبرو”، وتقصد به المدافع الأخير – قبل حارس المرمى – في لعبة كرة القدم.

وتذكرني تلك القصة برواية الكاتب النمساوي بيتر هاندكه “خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء”، ولكن في قصة الزيات موقع اللاعب يختلف فـ “حركات أقدام مهاجمي الفريق المقابل كالبرق وشهقات الجماهير رعدا هادرا منددا له – وله وحده – لأنه أملهم الوحيد في النجاة”.

اللاعب هنا رمز أو معادل موضوعي للدفاع عن الحياة “يقف في الحياة كمدافع أخير”، وكأن لعبة كرة القدم هي لعبة الحياة نفسها، ويعلو تيار الوعي خلال محاولة تصدي “الليبرو” لهجمة الفريق المنافس، فتبرز صورة حبيبته وصورة البيت وكوب الزنجبيل الدافئ والرمان المفروط، وصورة أمه الراحلة التي تظهر له برداء سحابي وهو تدعو الله وترقيه من شر الهجمة وتسد الثغرات أمام الكرة وتعمي خصمه برقوتها التي يسمعها وحده.

تقول إيمان الزيات عن قصتها “الليبرو”: آثرتُ أن أضع بطل قصتي في قلب الحدث ونظرت للحياة من منظور (اللاعب/المدافع) عاكسة بذلك رؤيتي لها وقضيتي الأهم فيها، ألا وهي (الإنسان / الفرد / النواة) الممارس للعبة لا المشاهد لها والذي تدور حوله الأزمة، فحاولت رصد لحظة هجوم (الخطر/ المخاوف) عليه. إنه الإنسان الفرد الأعزل من كل الوسائل الدفاعية إلا من العزيمة والأمل، الإنسان الذي يجب عليه أن يبتكر طريقة ما للتكيف وللبقاء والصمود بل وللنجاح أيضاً”.

وتضيف”: “بطل قصتي (الليبرو) بدأ مشهده وهو فاقدا لكل ما من شأنه أن يدعمه (أمه / حبيبته/ اهتمام والده) هذا بالإضافة لضغط المجتمع عليه”.

تعتمد اللعبة على حركة السيقان ومهارتها في الفوز بالحياة، وقد لاحظتُ تكرار “السيقان” في غير قصة بالمجموعة، ففي قصة “أزيز” تقول الكاتبة في بدايتها “ساقاه الملقتان على الأرض بإهمال”، وفي قصة “فساتين أمي” تقول: “أرفع قدمي الأخيرة فيقفز (الوحش) في وثبة خرافية وينهش سمانة ساقي بنابيه”.

كما نلاحظ عناوين بعض القصص تحمل إشارات إلى عجز السيقان عن الحركة مثل “ثقلت خطاها”، والسيقان في مجموعة إيمان الزيات ترمز إلى حركة الحياة والجري والدوران والسير والرقص والصعود والهبوط. تقول: “على الرغم من نهر الجميع لها إلا أنها مازالت ترقص” فهناك بالمجتمع من يريد إيقاف عجلة الحياة، وبينما بطلة القصة “تنزل على السلالم برشاقة” نجد أن هناك من يصعد السلالم بخفة. لكنهما لا يلتقيان، وتكون النتيجة هي التوقف عن الرقص، أي التوقف عن ممارسة الحياة، بعد أن تخلى عنها الذي كان يلاحقها بعينيه وهي بالخارج، وعندما طرق باب الشقة ففتحت له بصحبة مكنستها وثوبها القاتم البالي سارع بالانصراف.

القصة على الرغم من قصرها البيّن فإنها تحمل الكثير من التقابلات أو الأضداد، منها: (تنزل على السلالم / يصعد السلالم)، (الثوب المزركش / الثوب القاتم البالي)، (ينصرف دون أن ينطق / ترد على ربة البيت قائلة: واحد تايه يا ستي) وهذه التقابلات أو الأضداد تعزز من الأداء الدرامي أو الصراع الخفي بين شخصين على المستوى النفسي والحركي.

وتُغلق القصة بعبارة “دون أن ترقص” دلالة على الحزن الكامن في أعماق تلك الخادمة أو الفتاة التي كانت تعلّق على هذا التائه (أو المعجب الذي كان يلاحقها بعينيه) الكثير من أحلامها وآمالها في خطبة أو زيجة محترمة بدلا من المكوجي أو الفران أو الخضري.

السيقان أيضا تؤدي مهمة صعبة تصعد بها الفتاة درجات السلم ثلاثة .. ثلاثة في قصة “فساتين أمي” (التي تعد من أطول قصص المجموعة)”: “اندفعتُ واثبةً أمامه بسيقان عداءة سويدية”، (وهنا إشارة إلى الصورة الذهنية والانطباع السائد عن سرعة العداءات السويديات، ما يكشف عن ثقافة رياضية تتمتع بها الكاتبة وتؤكدها تلك القصة وقصة “الليبرو”).

إن قصة “فساتين أمي” تحمل صراعا مريرا وحركة وثابة ودرامية عالية بين الفتاة التي تذهب لإحضار ملابس أمها من عند الخياطة “الست تريز” والكلب الرابض في طريقها، فتجفل منه وتتخبط ركبتاها ببعضهما البعض وتصطك، لكنها لا تحب أن تكون جبانة، ولكن – في الوقت نفسه – قليل من الخوف لا يضير.

وتقرر خوض المغامرة بساقيها، ولنا أن نتخيل هذا المشهد الذي نجحت الكاتبة في تصديره إلينا، فأوقعتنا في متاهة المراوغة الفنية.

إن الترويع هنا لا يقع من رجل على امرأة، ولكنه يقع من حيوان على فتاة، ولنا أن نتخيل إذا كان الذي يذهب للخياطة فتى وليس فتاة، أعتقد أن الأمر لن يتغير كثيرا، فنحن أمام حالة بشرية – جسدتها الكاتبة – مقابل حالة حيوانية.

ومن الطريق إلى الخياطة في “أبوقير” إلى قصة “الطريق” التي تعالج فيها الكاتبة قضية أطفال الشوارع، وكيفية تعامل الأسرة والمدرسة مع الطفل المتفوق عندما يرسب. إن هذا التعامل قد يؤدي إلى الهروب من البيت والمدرسة وتسلق القطار والجلوس على سطحه فيصفعه الهواء مثلما كان يصفعه على وجهه مدرسه الغليظ.

إن الكاتبة تعرض سببا من أسباب انتشار ظاهرة أطفال الشوارع الذين ينضم إليهم شخص قصة “الطريق” لتدخلنا إلى عالم هؤلاء الأطفال الذين ينامون على الطرقات وفوق الأرصفة وأسفل الكباري وداخل الأنفاق، وكيف يتعاملون مع بعضهم البعض، وكيف يعاملهم زعيمهم أو معلمهم، كما تطلعنا على شروط الإقامة على الرصيف، وتصور لنا كيفية الانضمام إلى “جماعة النبّاشين”.

إنه عالم حقيقي موجود بيننا ولا نود أن نراه، ولكن الكاتبة بذكاء شديد تجعلنا نراه بواقعيته المرة ورموزه البائسة، فنتوقف لحظات لنلتقط أنفاسنا خوفا على أبنائنا وأحفادنا من هذا المصير المؤلم.

إنها تلقي باللائمة على البيت والمدرسة التي أسهمت في خلق هذه الظاهرة نتيجة التعامل السيء مع الأطفال، دون الخوض في معرفة تفاصيل فشل المتفوقين، ودون اللجوء إلى التحليل النفسي لهؤلاء الأطفال. ولعل المشهدية التي قدمت بها الكاتبة تلك القصة نجحت في جعل المتلقي يندمج مع عالم القصة وأحداثها. واستخدامها ضمير الغائب “يندفع خارج البيت مقسما ألا يعود” يؤكد حيادية الكاتبة في تقديم قصتها وعلى الرغم من ذلك خلقت حالة من التعاطف الإنساني مع هذا الطفل بخاصة، ومع أطفال الشوارع بعامة الذين هم في النهاية إفراز المجتمع الذي يعيشون فيه.

تقول: “كان قد كره القذارة التي أصبح جزءا منها .. تلك النظرة المتبلدة التي طفت على عينيه .. المشاهد الشاذة التي كان يراها ليلا على الرصيف .. رائحة السجائر التي كثيرا ما تأرجح مع الفتيان بعد أن يملأ بها رئتيه”.

أما في قصة “الأحبار الحمراء” فتؤنسن الكاتبة القلم العنيد الذي بين أصابعها، وتتكئ على بنية الصراع بينها وبين القلم، أو بين ضمير المتكلم وضمير الغائب، ومن خلال هذا الصراع تقدم لنا عالما فانتازيا ربما يكون أقرب إلى عالم الأطفال وقصصهم.

أما القصتان الأوليان “أين؟” و”يحوم في السديم” فأرى أنهما جاءتا أقل في مستواهما من بقية قصص المجموعة، حيث نرى عبارات أقرب الى التقريرية وروح المقال مثل قولها: “هل تعلم معنى أن تبني حياتك على افتراضات جدلية لا تضمن حدوث أيا منها بشكل مؤكد وواضح .. أن تعيش مع من تحب على نظرية الاحتمالات وتعامل العقلانيين بمنطق الخيال؟”.

هذه الجملة الطويلة – نوعا ما – تطل على المتلقي من عل، ربما تحمل ثقافة الكاتبة ورؤيتها، ولكنها بعيدة عن روح القص أو السرد، تماما مثلما لاحظنا ابتعاد روح المكان – وأعني به الإسكندرية حيث تعيش الكاتبة وتبدع – في أغلب قصص المجموعة، وعندما جاء المكان متمثلا في “أبوقير” حيث دارت قصة “فساتين أمي” لم نجد الخصوصية التي اشتهرت بها تلك الضاحية من ضواحي الإسكندرية. وكان من الممكن أن تدور أحداث القصة واللهاث والجري والصراع بين الفتاة والوحش أو الكلب، في أي مكان آخر.

لم نجد قصة تحمل المجموعة عنوانها “يمر على روحي كدهر”، كما تعودنا في كثير من المجموعات القصصة أن تحمل المجموعة عنوان إحدى القصص، وقد يدعونا عنوان المجموعة إلى التساؤل: من هو الذي مر على روحها كدهر؟

إنه عنوان جميل، ويحمل دلالات كثيرة، وأرى أنه قد يكون أنسب لمجموعة شعرية.

إننا ننتظر الكثير من الكاتبة إيمان الزيات فهي تمتلك أدواتها السردية امتلاكا جيدا، وتلتقط عوالمها القصصية ببراعة، فضلا عن ثقافتها التي تتضح في قصصها، ووعيها بأهمية الكتابة في نضج الوعي المجتمعي ولعل قصة “الطريق” تؤكد ذلك.

(الحياة)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

free instagram followers instagram takipçi hilesi

إغلاق