الرئيسية / فن تشكيلي / بكر عبدالسلام: يشغلني ضياع «الحرف العربي» في «عالم الرقمنة»

بكر عبدالسلام: يشغلني ضياع «الحرف العربي» في «عالم الرقمنة»

أحمد المسيند

يتطلع التشكيلي بكر عبدالسلام إلى فن يسهم في التحول الوطني المعرفي، ويلبي توق المجتمعات إلى أشكال فنية تجمع بين المسؤولية الفنية والجمالية والترفيه الاجتماعي. ويهدف بكر الحاصل على درجة الماجستير (آداب تربية فنية من جامعة الملك سعود)، إلى حفظ الحرف العربي من الضياع، كما يدعو إلى ثقافة تسهم في التحول الوطني. «الحياة» التقته على هامش معرض «صوت الريش» الذي زاره وزير الشؤون الاجتماعية، وحاورته حول تجربته وقضايا ثقافية وفنية أخرى، فإلى نص الحوار:

> تبدو تجربتك التشكيلية والفنية لافتة على أكثر من صعيد، هل يمكن إضاءة بعض مراميك من هذه التجربة، بخاصة في معرض «صوت الريش»؟
– بإيجاز أردت أن أجعل للحرف صوتاً يتمازج مع العناصر الفنية والعضوية والتشكيلية من خلال اللوحة، لاستحداث حلول ابتكارية في اللوحة التشكيلية، فالفنان اليوم من خلال تجربته في الكتابة الحروفية ومن محاولاته الجادة في البحث والتجريب لخلق شكلٍ لفنه، يحمل صيغاً جديدة ودلالات مستمدة من حدسه.
> في أعمالك يمكن تلمس ما يشبه خطوط النوتة الموسيقية، وما يشبه أيضاً خطوطاً تشبه قطرات المطر في سقوطها العمودي، إلى ماذا كنت تهدف هنا؟
– هذه التجارب الحروفية من خلال صوت الريش التي تشبه كما تزعم بالمطر، أقصد بها «باركود» ينقلنا إلى إنترنت الأشياء في الثورة الصناعية الرقمية المقبلة، وتحديداً عالم الريبورتات والنانو، إذ تعرّف الأشياء عن نفسها بمجرد وجود قارئ يقرأها، فجاءتني فكرة «لماذا لا أدخل باركود من الحروف العربية» تحفظ على الأقل الحرف العربي في ظل التحولات السريعة في الصناعات الرقمية، تعمل على وجود هيولية خاصة من الهوية العربية في مضمونها وشكلها على الأقل حتى لا يندثر الحرف العربي، فحضارة الكوفة انتقلت إلينا من خلال الحرف، إذ كنا نخط الخط الكوفي في تعاليمنا الأولية في المدارس، وتعرفنا على قواعد الخط ومن ثم حضارة الكوفة، واليوم حكومة دبي وحكومة قطر تتنافسان على إيجاد خط حرفي (تايبو غرافي) بأسماء دولتهم يتماشى مع المعطيات التقنية الرقمية، إيماناً منهم بالبعد الحرفي وما يقدمه لحفظ التراث لهم.
> أحد أبرز من كتب عن تجربتك هو البروفيسور أحمد رفعت، ما أثر كتابته في تجربتك ودعمها لتوجهك في التشكيل، تحديداً ما قاله عن الهيولية؟
– البروفيسور أحمد رفعت نوّه أكثر من مرة، أثناء إشرافه شخصياً على رسالة الماجستير، إلى مستقبل الحروف العربية وحفظها من الضياع، وعملنا سوياً اسكتشات ودراسات عميقة لأهم الخطاطين المجددين والتشكيليين المحدثين، حتى وصلت الدراسة إلى إيجاد دلالات رمزية من الحروف العربية، كمصدر لاستحداث حلول ابتكارية في اللوحة التشكيلية من أشكال النقاط العربية فقط، تعمل هذه النقاط على وجود بدائل مثلاً لدى المكفوفين، حروف أخرى تكتب من غير لغة برايل بحيث يتذوق هؤلاء المكفوفون الهوية العربية ويتناولونها ويكتبونها كذلك، وعندما يصف البروفيسور أعمالي بأنها هيولية فهو يعلم جيداً بتفاصيل وخلخلات جذور حروفي التشكيلية، عند تركيبها وتناغمها مع الأشكال العضوية والهندسية والتجريدية والزخرفية والرمزية، فالهيولية المطلقة لأعمالي مدخل إلى هندسة الحرف تايبوغرافياً.
> وزير الشؤون الاجتماعية اعتذر عن تدشين معرضك «صوت الريش»، هل أثّر سلباً في معنوياتك؟
– لقد شعرت بالحزن والإحباط، خصوصاً بعد نهاية حفلة افتتاح معرضي في اليوم الأول، بسبب اعتذار الوزير عن المجيء لقص شريط الافتتاح، إلا أني تفاجأت باتصال من الوزير بعد خروجي من صالة المعرض، وكان يعتذر شخصياً عن عدم الحضور لارتباطه باجتماع في المجلس الاقتصادي للدولة وخروجه متأخراً من الاجتماع، ويطلب مني عدم الاستسلام والانهزامية أو التوقف، بخاصة أن الساحة الفنية يوجد بها منافسون شرسون، شكرته على هذه المكالمة الأبوية التي أسعدتني وبثت فيَّ طاقة إيجابية، وما غمرني بالسعادة أيضاً حضوره في اليوم الثاني للمعرض وكتابة كلمة في سجل المعرض، وما قام به الوزير قبل المعرض وخلاله وبعده لا يمحى أبداً من ذاكرتي ما حييت.

> ركزت في فعالياتك المصاحبة لمعرض «صوت الريش» على التنمية المستدامة والتأكيد على التحول الوطني المعرفي، لماذا؟
– لأن التغيير سنة الحياة، فالفنان يحتاج كثيراً إلى ديمومة أعماله ودخولها مع جميع الصناعات، والفنان جزء من المجتمع، فكان في القدم يوجد فنان تطبيقي ينتج حرفة، واليوم أصبح الفنان يجمع ما بين الثقافة والإنتاج، وانتقلنا من خاصية الفنان الحرفي إلى خاصية الفنان المبتكر، الذي يقدم ابتكارات وطنية جمالية ونفعية، فالاقتصاد في المعرفة هو من يقودنا إلى الأعمال الإبداعية بشكل دائم، واليوم نحتاج إلى الثقافة الفنية التي تقودنا وتحولنا من إنتاج ريعي يعتمد على النفط إلى منتج مبتكر يصنع الإبداع، ومن خلال الفنون وممارستها مع وجود الثقافة والمعرفة سننشئ مبدعين عظماء.
> أنت أيضاً تكتب الأوبريت وتسهم في إنجاز بقية عناصره، فهل أنت شامل في هذا المعنى؟
– الحقيقة الغائبة عن البعض أن الفنان الشامل يربط عناصر العمل ويوحدها ويجعل له ثيمة خاصة متماسكة، وهذه من خصائص الأوبرا، فالشامل هو المشرف والمدير الفني والتنفيذي لتلك اللوحات الاستعراضية التي تنتج لإخراج عمل فني متكامل ومتحد، والأوبرا في غايتها هي مدرسة لكل فنان شامل، والأوبرا الناجحة في دهاليزها تجد الشمولية (مجتمعة في شخصية فنية واحدة)، فهو الذي يكتب النوتة الموسيقية، ويصمم تلك الرقصات، ويكتب أبياته، ويرسم خشبته، وينحت على أرضها عمارته، ويكتب للسينما عروضه الأدبية والجمالية وخبراته الفلسفية، وهذا يأخذ وقتاً طويلاً في إعداده وإنتاجه، وتفرغاً تاماً لهذا الفنان الشامل (المنتج للأوبرا) لا يقل عن سنة.
> ما الرسالة من مبادرة «اتحاد الفنون» التي أطلقتها على هامش معرض «صوت الريش»؟
– الرسالة من «اتحاد الفنون» هي تحقيق نظرية الفن للمجتمع، وفيه يشارك الفنان من خلال أعماله ويخضعها لمتطلبات ورغبات المجتمع عبر الفنون، مثل إنتاج فيلم قصير عن أضرار التدخين وهكذا، بينما أهداف الاتحاد عدة ومتشعبة، ولكني أختصرها في إخضاع كل الفنون من خلال الاتحاد لخدمة التنمية المستدامة والمجتمع المعرفي وتحويل المجتمع من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إبداعي، من خلال الوعي بأهمية الفنون والصنعة فيها، وليس الهدف من الاتحاد تخريج فنانين بارعين أو أكاديميين، إنما تسخير الفنون أجمع لخدمة المجتمع معرفياً وإبداعياً وتنويرياً، بينما رسالة الاتحاد هي وعي المجتمع من طريق فنونه وفنانيه للمستجدات وللمتغيرات، للتغيير والتنمية المجتمعية والاقتصادية ورفع التنافسية وزرعها محلياً وإقليمياً وعالمياً.

(الحياة)

شاهد أيضاً

ضحايا الحرب الصامتون في حملة غرافيتي يمنية

علي سالم بعينين يكسوهما الحزن والشرود، تنظر في أفق المجهول وعلى رأسها ما تبقى من …