الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / الطائفية من الظاهرة إلى المفهوم في الأدب العراقي

الطائفية من الظاهرة إلى المفهوم في الأدب العراقي

كاظم خنجر

تسمية الأشياء بمُسمياتها، هي الضرورة التي يجب أن يقوم عليها الأدب، بعيداً عن التزييف والصمت التي تتمركز عليه الثقافة العراقية عبر لحظاتها التأريخية الحديثة، وفي ظل ارتفاع منسوب الصدام الطائفي بعيداً عن حضوره المُزمن، الذي وفقه تشكل الإنسان العراقي. تأتي مهمة الأدب في شرح وتعريف هذا الإنسان وليس حجبه وتمويهه، عليه أن يقدم نوعاً من الفهم لصفاتنا الثقافية وسلوكنا العام.
هل يمكن تحويل الطائفية بوصفها سلوكاً عاماً إلى نوع أدبي؟ أي نقلها من طور الدم إلى طور النص، وهنا لا نعني الكتابة بطائفية، ولا نعني الكتابة عن نبذ الطائفية، وإنّما نقلها من المستوى المُباشر السطحي إلى طريقة في التعبير المعرفي كما تحولت الزنجية من فضاء الشارع إلى فضاء المعرفة.
يرى الشاعر والباحث محمد غازي الأخرس أن «الأدب العراقي لم يعالج الطائفية ولا أظنه قادراً حالياً على ذلك. والسبب ببساطة أن معظم الأدباء العراقيين ضحايا انتماءاتهم الضيقة وهوياتهم الفرعية التي فشلت الهوية الوطنية في صهرها. الحقيقة أن الثقافة العراقية عموماً غير ناضجة بما يكفي لتتعاطى مع قضايا الهويات بسعة أفق، كما هو الأمر عند الشعوب الأخرى المنسجمة. ثقافتنا ابنة شرعية لمجتمعنا وأديبنا سليل طبيعي لقيمه الاجتماعية، لهذا تجد في نصه جميع الأمراض التي تجدها في المجتمع. الشيعي يعلي من رموزه على حساب الرموز الأخرى، والسني يفعل الشيء نفسه، والكردي كردي قبل أن يكون عراقيا وكذلك المسيحي. هذا النوع من المثقفين والأدباء هو الغالب، رغم وجود استثناءات تحاول معالجة المشكلة الطائفية، لكن حتى لو وجدت هذه الاستثناءات فإن السؤال هنا هو – إلى أي حد تستطيع التأثير في المجتمع؟ «من هنا يتحدد أفق المشكلة بأن الأديب العراقي لا يمكنه التفكير خارج نطاق طائفته، بمعنى هو غير قادر على فهم الطوائف المجاورة، وبالتالي لا يمكن أن يعي معنى الطائفية كمادة للمعالجة الأدبية، وإنما يعتبرها مادة للصراع الشخصي خارج الأدب.
ومن جانب آخر يرى الأخرس، «إذا وجدت معالجات للطائفية في الأدب – وهي معالجات شحيحة عموما – فإن تأثيراتها ستكون محدودة للغاية للأسباب التالية. أولاً: لأن المجتمع أساساً غير مستعد لإعادة النظر في متبنياته القيمية، بسبب تجذر الطائفية فيه. ثانياً: لأن الأدب العام غير مؤثر في المجتمع، سواء حمل الأمراض الاجتماعية نفسها أم تخلص منها. الأمر يختلف طبعاً مع الأدب الشعبي فهو مؤثر جداً، لكن المشكلة أن الأدب الشعبي مريض كلياً، وهو إحدى القنوات التي يعبر فيها المجتمع عن طائفيته وعنصريته. إنه مأزق كبير حقاً».
التعبير عن الحالة العامة لهذا المفهوم بمفردة «مأزق» تؤكد ما جاء به رأي الشاعر شاكر لعيبي، الذي قال لنا عندما طلبنا منه رأياً في الموضوع «ما الذي نستطيع قوله بعد كل ما قلناه؟»، هذا الاستفهام يؤكد لا جدوى القول والرأي في شرح وتفسير هذا المفهوم، ليس لحساسيته أو تعقيده، وإنّما لعدم قدرة المُقابل على الاستجابة والفهم. في حين يرى الروائي شاكر الأنباري أن «الانقسام الإثني والطائفي في المجتمع العراقي، خلال العقود الأخيرة، كانت له انعكاساته المدمرة على الثقافة، ودورها في بناء مجتمع ناضج يليق بالبشر، فيمكن تفهم انسياق الفرد العادي في هذا المستنقع، وتبريره بعوامل كثيرة أقلها الوعي المتدني، وسوء الظروف الحياتية، والخضوع لغرائز الموروث، وغياب القانون، لكن لا يمكن على الإطلاق تبرير ذلك لدى مثقف يحترم عقله وإبداعه.
فالطائفية لدى المثقف انحطاط فكري وروحي قبل كل شيء، والمرض الطائفي آيديولوجيا، تهين كرامة الإنسان، كونها تضع النصوص، والمقولات، فوق الإنسان ذاته، وتضحّي به من أجلها، ومن هنا خطورتها. وهي أيضا، سباحة ضد مفهوم الإنسانية الذي من المفترض أن يحكم عمل المبدع، سواء كان شاعرا، أم روائيا، أم فنانا، وهنا نحن أمام ثقافتين، الثقافة الوطنية التي تقاتل من أجل الإنسان، بمختلف انتماءاته الإثنية والدينية والمناطقية للوصول به نحو مجتمع متفتح، حر، يسوده العدل والمساواة، وبين منظومة طائفية تخص مجموعة بعينها تريد محق الآخر والهيمنة عليه، وربما إزالته من الحياة بسبب اختلافه في العقيدة أو الفكر أو الطقوس، وهي عادة ما تتسم بضيق الفكر والظلامية والتقوقع على النص والرمز التاريخي، لتجعل من كل ذلك بوصلة للنشاط اليومي، عدا عن العداء للآخر، رغم أن الأفق الحضاري الحديث يميل يوما بعد آخر إلى مشتركات عالمية، كوننا أصبحنا خلية حية واحدة، منذ عقود طويلة.
والطائفية حين تهيمن على نشاط مبدع ما تقوّض مباشرة مصداقية إنتاجه، فلا يمكن لك أن تكون إنسانيا في القصيدة والقصة واللوحة والأغنية، وطائفيا منغلقا ضيق الفكر، على صعيد النشاط اليومي والإعلامي والوظيفي، لأنك ستقوض الجزء المهم من شروط الإبداع ألا وهو المصداقية. فكيف يمكن للمثقف الطائفي إقناع قارئ أو متابع بمصداقية ما ينتج بعد أن أسفر عن حوامل الكراهية والظلامية ونبذ المختلف على صعيد وجوده الحياتي؟ وكيف تشترك مع عموم البشرية بهواجسها الملحة الحاضرة وأنت تحمل راية الكراهية والتطرف وقصر النظر، بدلا من التسامح والفهم والتقبل؟ وهناك شواهد عديدة في هذا المجال لا يتسع المكان لذكرها في ما يخص النبرة الطائفية والقومية، لدى شريحة واسعة من المثقفين العراقيين، قد لا تبرز واضحة في نصوصهم ونتاجهم، لكنها نافرة في تعليقاتهم وتصريحاتهم وظهورهم الإعلامي، ووجهات نظرهم، عما يدور حولنا من أحداث، وهي، بكل تأكيد، مدفوعة الثمن».
الإيغال في تحديد الطائفية كشكل اجتماعي منبوذ ليس بالضرورة أن يكون عائقا في تحولها إلى منهج معرفي، بل بالعكس يزيدها سعة وغنّى، وقد حدد الأنباري ذلك بالوعي المُتدني، ظروف الحياة، الخضوع للموروث، غياب القانون، وكلها أساليب بناء وتعبير أدبي.
في هذا الخصوص قدم الشاعر والباحث محمد مظلوم في كتابه الجديد «الطائفة والنخبة الطّائفية: ولاء الجماعات في صراع الأمم» قراءة واسعة لمفهوم الطائفية، سواء في أشكالها التأريخية أو الاجتماعية مع التركيز على النموذج الاجتماعي، بحيث يمكن لهذا الكتاب أن يكون مفتتحاً لفهم البنود الأساسية التي تقوم عليها الطائفية.

 

(الحياة)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …