الرئيسية / . / الهوية والتشكيل

الهوية والتشكيل

خاص ( الجسرة)

*رشا عدلي
للفن التشكيلي أدوار متعددة وفعالة على المستوى المحلي والعالمي لا نستطيع إنكارها، فإضافة للناحية الجمالية والإبداعية، له دور كبير في إرساء القيم والمبادئ الإنسانية، وهو أيضًا قادر على خلق التواصل والتقارب ما بين بلدان العالم وشعوبها المختلفة في التمازج ما بين الحضارات والثقافات، ومن أهم ما يميزه عن الفنون الأخرى، أنه لغة قادرة على التخاطب دون كلام، فلا يحتاج الفن التشكيلي الإبداعي لأن يترجم ليفهم المتلقي ما الذى يصبو إليه.
ومنذ قديم الأزل استخدم الإنسان الرسم كلغة يعبر بها عن مكنونه، ومنذ ذلك الحين وقد تطورت الحركة التشكيلية، حتى أصبح العمل عبارة عن حلقة وصل ما بين الشخوص وبعضهم على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم وثقافاتهم، وهناك الكثير من الفعاليات للتواصل والحوارات التشكيلية بين الثقافات المتعددة، ومثلتها المعارض والملتقيات والبيناليات الدولية في عواصم العالم المختلقة، وأحدثت هذه الفعاليات حركة في إحياء ذاكرة الأمم وتوثيقها، وترسيخ المبادئ، وإفشاء السلام العالمي والمحبة بين الشعوب.
والفن التشكيلي هو في الأساس تعبير عن الذات، وتنفيس عن رؤية خاصة للفنان تجاه عالمه الداخلي الذاتي والخارجي المحيط به، وتلعب الهوية دورًا كبيرًا وبارزًا في نتاج العمل التشكيلي سواء عن قصد أو بدون، فالهويّة التشكيلية للفنان تولد من كيانه الوجداني أولًا، ثم كل ما يحيط به من تراث وثقافة وطقوس وعادات وتقاليد وحضارة وتاريخ، ومن الجسد البشري نفسه.
وتنقسم الهوية لثلاثة مفاهيم، المفهوم الأول هو (الهويّة البيئية)، وتعني كل ما يتعلق بمخزون الفنان من ثقافة وعلم وفن من خلال واقعه هو أولًا، والواقع المجتمعي المحيط به ثانيًا، والمفهوم الثاني (الهوية الذاتية) وهي مفهوم الفنان ورؤيته الخاصة تجاه عائلته، مجتمعه، وطنه، والعالم المحيط به، والمفهوم الثالث هو (هوية الكيان)، وهي الشخصية والخبرات الوجدانية المترسبة منذ طفولتنا، والمستمدة من البيئة المحيطة، والأحداث التي مرت بالفنان وأثرت عليه وتأثر بها، وهي تعبير عن الذات، وجزء مهم من عمل الفنان.
وحيث إن العمل الفني ينشأ أولاً في ذهن الفنان، ويظل خياله يعمل على خلق هذا العمل، وهذا الخيال مهما كان جانحًا، لكنه خاضع لسيطرة الوجدان والهوية معًا، وعند البدء في العمل التشكيلي نجد أن المخزون التراكمي للفنان قد خرج على الورق وشكَّل عملًا إبداعيًّا جماليًّا، وبذلك نستطيع أن نوظف الفن في أغراض متعددة.
وفي عالمنا العربي تلعب الهوية دورًا كبيرًا بالنسبة للفنان التشكيلي، فطبيعة الإنسان العربي مائلة إلى العاطفة، يمسها الحنين دومًا للزمان والمكان، وحين نتأمل أعمال التشكيليين العرب على مدار تاريخ الفن التشكيلي، سنجد اهتمامهم منصب في المرتبة الأولى على العناصر الطبيعية التي تمتاز بها أوطانهم، الصحراء.. السماء.. الأنهار.. الوديان.. ثم تأتي في المرتبة الثانية الحياة اليومية بكل ما تشمله من عادات وطقوس وأزياء وهوايات، والمرتبة الثالثة شغلتها الأماكن، أماكن تاريخية، أماكن دينية، حوارٍ وأزقة تتمتع بحس خاص، وكذلك وجدنا الأحرف العربية والخط العربي.
واستطاع الفنان العربي اختزال الواقع إلى عناصر رمزية، فإذا لم تنفرد اللوحة بعمل يعبر عن الهوية فهناك التفاصيل الدقيقة نجدها تعبر عن ذلك، إضافة للزخارف والنقوش العربية والإسلامية المعبرة عن هوية الفنان العربي.
وعلى مدار التاريخ لن يستطيع الفن التشكيلي أن ينسلخ عن الواقع والأحداث المحيطة به، سواء كانت اجتماعية أو سياسية، والتجربة الفلسطينية التشكيلية كانت خير دليل على تشبث العربي ببيئته وتاريخه، فهي أعمال تحتشد بالحنين والحب تارة، والقوة والصمود أخرى، وتعد توثيقًا لتاريخ القضية الفلسطينية على مدار عمرها.
ونظرًا لما يمر به اليوم عالمنا العربي من مرحلة غاية في الصعوبة، فقد أخذت الهوية تسيطر بشكل كبير وواضح على الصبغة التشكيلية للفنانين العرب، فثورات الربيع العربي وتداعياتها في البلدان العربية المختلفة أخذت تشكل مساحة أكبر، إنها رسالة تطوف معارض العالم كله، وتعلق على جدرانه، ليشاهدها العالم ويكون شاهدًا عليها، وهي وظيفة أساسية من وظائف الفن التشكيلي، وهي التعبير عن الواقع برؤية فنية ووفكرية في نفس الوقت.
ولا نستطيع أن ننكر أن ظاهرة العولمة أدت إلى نتائج سلبية لتأثيرها بشكل أو بآخر على الهوية العربية والتراث، فوجدنا أن هناك ميلًا كبيرًا لكل ما تتجه إليه وتنتجه مدارس الفن الأوربية الحديثة، من مستحدثات على الفن وأساسه، فهذه المدراس تدعو وتقود لانعدام الهوية، واتجه عدد كبير من شباب الفنانين العرب لتبني تلك الرؤى الجديدة، فانفصلوا عن واقعهم، واندفعوا وراء المذاهب العبثية الغريبة البعيدة عن معتقداتنا وتراثنا ومورثاتنا، وهجروا المذاهب والأشكال ذات الطابع الشرقي.
ويجب أن نقاوم هذه الظاهرة بحزم، من خلال النزول إليها والتعريف بها؛ لأن الفن يجب أن يتفاعل بكل ما يحيط به من فكر وإبداع، أي إنه يمكننا الاستفادة من المظاهر الإيجابية للعولمة للحفاظ على الهوية بطرق شتى تتماشي مع العصر، بتفعيل الدور التاريخي والاستدعاء الحضاري لذاكرة الشعوب، وليس البكاء على اللبن المسكوب.
وبهذه الرؤى المتجددة نستطيع أن نحافظ على الدور الأساسي الذي خلق من أجله الفن التشكيلي، وهو خلق الابتكار، والتفاعل في ذات الوقت مع الواقع والتاريخ، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن الهوية العربية أثرت في الحركة التشكيلية العالمية، ووضعت بصمة لها، واستعان الفنانون الغربيون في أعمالهم الشهيرة بالنمط الشرقي والإسلامي من زخارف ونقوش وغيرها، والسؤال الملح الآن هو كيفية مد جذور التواصل بين هذا الفن والجمهور؟ وكيف لنا أن نوسع رقعة انتشاره ووجوده؟ فمهما بلغت أعداد جمهور هذا الفن في الوطن العربي فنسبتها قليلة جدا مقارنة بالدول الأوربية والغربية، وفي رأيي أن الأمر يحتاج لطرح النقد الفني بطرق متجددة، وأساليب أكثر إيجابية من وسائل الإعلام في تقديمها للفنون التشكيلية، والاهتمام بتدريسها في المدارس والمعاهد، ونشر الوعي بقيمة هذا الفن وأهميته في المجتمع، وهذه المنظومة المكونة من النقد الفني ووسائل الإعلام والنظام التعليمي لا غنى عنها مشتملة ومجتمعة، لتحديث الوعي الفني العربي، فالفنون التشكيلية العربية بمختلف أشكالها – سواء كانت رسمًا أو نحتًا أو زخرفة، قطعت أشواطًا كبيرة لتصل لما هي عليه الآن، ولا بد من التفكير في الطرق الإيجابية الكفيلة بجعل التشكيل العربي أكثر انتشارًا في الحركة الثقافية العربية، وأكثر تعبيرًا عن أحلام وأمنيات الشعوب العربية، وأيضا عن أوجاعه ومتاعبه.
*روائية مصرية – باحثة في تاريخ الفن

شاهد أيضاً

ما هي القصيدة في عصر الوسائط الحديثة

زكي الصدير أصدر الشاعر والمسرحي البحريني مهدي سلمان مؤخرا عن دار مسعى مجموعة “موت نائم، …