الرئيسية / إضاءات / النّقد: حين يدخل من باب الخروج!

النّقد: حين يدخل من باب الخروج!

منير الإدريسي

ما يجعل من قصيدة النثر نوعا شعريّا فارقا مُثيرا، مُراوغا في مساحته الحرّة. نزقا وفاتنا، حيويّا دافقا بالتنوّع والتعدّد. مُتاحا بتمنّع، مُتأشكلا بوضوح. ومستولدا الأسئلة في مطلق الشّعر؛ هو انفلاتها من الحكم الجماعيّ، وتملصها كسمكة في الماء من يد هذا الحكم الذي طبع الشّعر المكتوب بالعربية منذ قرون. حُكمٌ كان بين يديّ النحويين والبلاغيين، الذين كان اهتمامهم منصبّا على جمال اللغة العربية أكثر من القصيدة. فكان هيامهم بالقصيدة يمرّ عبر شغفٍ باللّغة، وهي تقفز برشاقة الغزال. كانت القصيدة شكلا قد حُدّد سلفا بطريقة صارمة، تلغي الشعرية عن الشاعر الذي لا يحترمُ ما أسّسهُ غيره؛ هذا الغير الذي نظر إلى قصيدة الشاعر الأولى وبنى عليها توجيهات كانت شكلية بالأساس، حتّى وهي تعالج الموضوعات الجمالية كالصورة الشعرية مثلا. لقد كانت تلك التوجيهات مهيمنة بشكل سلطوي ممسوس بما يوحي بالقداسة؛ وكان سَبْقُ الشاعر وانفلاته محدودا جدّا وفي إطار ضيّق.
لم يكن هذا اللباس الكهنوتي لنحاة اللغة الذي ألبس القصيدة سوى تجنّ على الحريّة، التي لم يكن يعرف لها الشّاعر القديم طريقا على الإطلاق، وهو مسجون في فكر ونسق قد حُدّدا سلفا. لأنّ الطريق إلى الحرية تستلزمُ مسافة طويلة في المعرفة، ستساهم فيها الإنسانية كلّها في ما بعد؛ وهي تتّجه نحو الحضارة المعاصرة التي طبعها انفتاح النّص الشعري على أجناس أخرى ومعارف علمية دقيقة. ولن يحدث ذلك قبل القرن العشرين عربيّا. وستستأنف ذروتها ابتداء من نهايته وبداية قرن آخر، حيث سيستأسد شكل شعري مختلف قوبل بريبة شديدة، بموازاة مع سطوة الإغواء التي مارسها.
لم ينبثق هذا الشكل الشعري الجديد لوحده بعيدا عن الأشكال القديمة، وإن حقّق قطعا ابستمولوجيا في المعرفة الشعرية؛ تمثل في استحالة تعريف القصيدة تعريفا كان إلى حدّ بعيد لا يقبل أيّ جدل. باعتبارها الكلام الموزون الذي يخضع لحركة موسيقية جرسية تتوالى مع كلّ بيت وهو ما اعتبر نظما، بل إن بوادره كامنة في نماذج الشعر السابق عليه. في تجارب شعرية متفرّدة خرقت بشكل ما أفق انتظار القارئ واستعذبته في آن. ولعلّ أقدم النماذج كانت لشعراء متصوّفين شطحوا بعيدا وهم يصيغون العبارة على مقاس التجربة الروحية، وقد ضاقت بهم إلى حدّ بعيد. كما حملت بذرته الحقبة الرومانسية خلف سطورها وهي تنفلتُ من أسر الجمود إلى التنويع في المفردات والتوزيع السطري للقصيدة، والتحرّر من الرؤية الجماعية أو الفردية المتخمة بحسّ القبيلة، إلى الذاتية المنطوية على نفسها بما حملته من ريبة وشكّ حيال الجماعة وفكرها التقليدي الثابت؛ كما حيال التحوّل الدراماتيكي اللاإنساني الذي انبنى وفق النظرة الاستغلالية المادية للمجتمعات الغربية، اتجاه المصادر الأولية للصناعات والطاقة. موظّفة قدر الإمكان عناصر تجلّي الصفاء والجمال الهانئ للطبيعة، كما البعد الفلسفي الوجودي. في تفاعلها القويّ مع التجارب الغربية شعرا وفلسفة.. أمثال لامارتين، هيغو، نيتشه… أي النزعة الرومانطيقية مع البعد العقلي الفلسفي المتشكّك. وقد تفتّحت هذه النزعة وذاك البعد بشكل مثالي يعبّر عن حيوية تلك المرحلة في أسلوب جبران خليل جبران تحديدا، البسيط والمفارق. لقد كانت البوادر خجولة بالقياس إلى اليوم، لكنّها جدّ فعالة. في انتظار أن توضع بشكل صارخ عتبة الجرأة على التحرّر الفعليّ، بالتزامن مع دعاة الحداثة في العالم العربي وتأسيس مجلّة «شعر» الرّائدة.
لنعد إلى سطوة هذا الجنس الكتابي الذي تفرّع عن قصيدة النّظم، لننظر بالأخص في ممانعته النقدية. في عدم قدرة النقد الذي جرجر قرونا من المتابعة اليقظة تجاه الإنتاج الشعري على الإمساك بهذه السمكة وهي تنزلق بممانعتها.. لنتأمّل كيف ينكفئ النّقد المزوّد بترسانته المعرفية وتجربته أمام هذه المراوغة. وهو يقف متردّدا ثمّ يعود خائبا لعدم نجاعة أدواته التي استعملها دائما بفاعلية في مشرحة الدّرس الشعري. لماذا لا يستقوي الناقد على القصيدة بآلياته المدرسية؟ لماذا تخرج هذه القصيدة عن الدّرس المألوف؟ كيف يتمّ كشف كبوات قصيدة لا تسير في عقبات وحفر صناعية صنعها النّظم، تستلزم مهارة تفاديها والقفز على أخرى بالروعة الممكنة؟
لقد تحرّرت القصيدة من الشّكل الذي فجّرته وطعنته بقوّة؛ فصنعت بذلك مهارتها الخاصة في مطلق القول الشعريّ. وباغتت التنظير المترفَ بالموروث بعدم قابليتها للمعالجة على ذلك النحو. هدّمت أسس القاعدة، واعتبرت ضمنيّا أنّ «قاعدة الشّعر، هي اللاقاعدة» بعبارة هنري ميشو. صاغت نفسها كمعمار تهندسه روح الشّاعر لا النظام السابق الجماعي. وأفرزت أشكالا متعدّدة جديرة بتلمّسها، لا على النحو النقدي العتيق، ولكن على الإصغاء بذهن متفتّح.. لأنّ الشّعر هنا، شعر متحرّر. ليس بشعر مسجون في قالب شكل وحيد متفق عليه، بل في شكل مرن يعبّر عن روح متفرّدة. تلك الرّوح التي اتخذت وعيا بالعالم عبر الذات؛ حيث لا ينفصل فيها الشعور عن اللاشعور – هذه العلاقة المتواطئة تحديدا، تُفتقد كليّا في الشعر التقليدي- إضافة إلى حقل التناظر الغنيّ الذي لا يصيغه الوزن، بل تبدعه الجماليات المترفة، صانعة بذلك حقيقتها الفنيّة الخالصة.
لم يعد للنقد الكلاسيكي الذي يوهمنا بوجه حديث استطاع أن يجد له معنى في كل أطوار القصيدة العربية، بدءا من الشعر الجاهلي حتّى قصيدة التفعيلة، ما يقوله أمام قصيدة النثر. والشاهد هو هذا التقهقر المريع عن تناول الإنتاج الشعري الهائل المكتوب باللغة العربية اليوم. لا يمكن استجلاء شيء من هذه القصيدة إلاّ اللّمم. وفتات لا يلمُّ بالتجربة المراد قراءتها، ولا تتبّع مساراتها. من هنا ينبغي قبل كلّ شيء التخلّي عن سلطة النقد الرّتيبة، واستبدالها بتأمّل العمل الشّعري عبر الاستضاءة بوحي المكتوب في كليّته لا في فتاته، والذهاب معه أبعد في مساره؛ وليس بالعودة إلى المرجعية الجماعية للتحقّق من خطواته في اتجاه وحيد لا يقبل الجدل. كما لا يمكنُ استيعابُ أعطاب النّص إلاّ بالرجوع إلى نفسه في محايثته للعالم. العالم الذي يقصد به أيّ شيء؛ من النصوص المعاصرة إلى أيّ حدث أو فعل يجري خارج مجرّة الأدب.
النقد اليوم، إن كان ثمّة نقد يمكن التبشير به هو القراءة الموازية للنصّ المتناول في كلّيته، التي تبحثُ عن سرّ بروقه ولمعانه، ولأجل ذلك تحتاجُ تطوير طريقة التلقي بفاعلية أكبر. ليس بناء على المنهجية الكلاسيكية المفكّكة للنّص بماديّتها الصرفة، في تجاهلها للقوى الخفيّة، المحرّكة لكيانه؛ بل بناء على الحدس. الذي يلزمنا لبلوغه، معرفة أوليّة بالفنّ الشعري؛ المنطوي على أبعاد غير منظورة بالبساطة التي اعتدنا عليها. قد تسعف القراءة الميكانيكية لمس الهيكل الذي تُظهره اللّغة بحقولها الدلالية والمعجمية التركيبية في قصيدة كهذه، لكن ما يتمّ استبطانهُ من أبعاد دقيقة في المنطقة التي تبدو فراغا وصمتا مطبقا هو العمقُ الذي نسمّيه الوعيّ الشعري بالعالم، بما يحتويه من فلسفة تأمليّة وارتياح جماليّ.
لا يمكننا في هذه اللحظة، التعامل مع النّص الجديد إلاّ بمثل تلقيه المباشر حين يُحدث شرارة الدهشة على مستوى المعنى الذي يخطفُنا شعريّا.. هذا المعنى الذي أرادت قصيدة اليوم كشفه قدر المستطاع خارج أرابيسك اللّغة، بل من صميم لغة اليومي، المعتادة تلك التي تناولنا العالم بطريقة مُطمْئنة. تقودنا من أيدينا بخبرة الجدّات، كي نكتشف بأنفسنا الأسرار العميقة فينا والتي بني عليها هذا العالم أيضا ليكون قابلا للسكن وللحبّ.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …