الرئيسية / إضاءات / بَحْثاً عن إنسانٍ قارئ

بَحْثاً عن إنسانٍ قارئ

صلاح بوسريف

هل يمكن للمدرسة أن تصير مكاناً للتَّثْقِيف والمعرفة؟ ألم يكن الهدف من إنشاء المدارس، هو أن يقرأ الناس، وأن يتعلَّمُوا، ويعرفوا القراءة والكتابة، ويمتلكوا ما يكفي من التجارب التي تساعدهم في التفكير، وتدبير أمور «الدولة»؟
عند الآشوريين، كما عند الفراعنة، كانت المدرسة امتيازاً، باعتبارها فرصةً لِتَعلُّم القراءة والكتابة، وكانت عند الآشوريين، بشكل خاص، مكاناً للقراءة، رغم أنَّ الكِتابَ كان عبارةً عن لَوْح طينيٍّ، وكانت الألواح الطينية توضع في جِرارٍ كبيرة، لحفظها من الكَسْر أو التَّلاشِي. فإقبال الناس على القراءة كان تعبيراً عن الرغبة في المعرفة، وفي الاكتشاف، وفي فتح عيونهم على العالم، وعلى ما يمكن أن يُحيط بالكون من أسرار، وتفاصيل لا يمكن بلوغها من طرف أيٍّ كان. أليس في القرآن نفسُه، حَثٌّ على القراءة، بأمرٍ نازلٍ من السَّماء، وهو أمر لا يمكن، لمن آمَنَ، أن يتنصّلَ منه. كما أنَّ هذا الأمر، لا يعني أن يبقى هذا المؤمن القارئ، غارقاً في نقطة واحدة من هذا الوجود، لا يعرف غيرها، أو يدَّعِي أنَّ المعرفة، كامِلةً، هي القرآن، وما جاء في القرآن، وفي الحديث، أو في كلام بعض الصحابة والتَّابعين، وأنَّ غير هذا من المعارف، هو باطِلٌ، أو انحراف عن هذا الأمر الإلهي، الذي لم يَعْنِ الرسول وحْدَه، كما يدَّعِي البعض، بل يعني كل من آمن وأسْلَم، لأنَّ ما يعني الرسول، كان يعني من تبعوه وآمنوا برسالته.
ليست القراءة هي أن نَجْتَرَّ الألفاظ والكلمات، من دون معرفة بالأُسُس التي تقوم عليها هذه الألفاظ والكلمات. فمن يقرأ القرآن، من دون معرفة بالعربية، وببلاغة العربية، وبنحوها وصرفها، وتراكيبها، التي تمتلئ بالتعبيرات المجازية، وبما تنطوي عليه من سياقاتٍ تاريخية، أو ما يُسَمَّى بأسباب النزول، ومعرفة هذه السياقات، في مصادرها، التي هي كُتُب التاريخ القديم، ليس في ما جاء مع الإسلام، ولكن بما جاء قبلَه، لأنَّ معرفة ما جاء به الإسلام مشروط بمعرفة ما كان قبلَه، أي بمعرفة هذه «الجاهلية!» التي نعتبرها خارج المعرفة، وخارج الإيمان، علماً بأن الإسلام تبنَّى الكثير مما كان في «الجاهلية»، ولم يَجُبَّ ما قبلَه، ولا تنكَّر له كاملاً. فهو كان ثورةً على أمور، أعْلَنَها، وأشار إليها، لكنه فَهِمَ أنَّ الثورة لا تعني الهدم الكامِلَ، أو الخروج بالناس من حياتهم كلها، ووضعهم في حياة أخرى لا علم ولا معرفة لهم بها. فما حاربَه الإسلام، كان يتعلَّق بالمعتقدات، وبظواهر كانت مرفوضةً إنسانياً، مثل العبودية، رغم أنَّها اسْتَمَرَّت بأشكال وصور أخرى، وعادت بعد موت النبي، بأبشع مما كانت عليه، وظاهرة وأْد البنات، وتمييز الناس بانتماءاتهم الاجتماعية، بأفضلية فئة على أخرى، وغيرها، مما اعتبره الإسلام خارجاً عن السياق البشري الذي وضع الله فيه ابن آدم، الذي فَضَّلَه عن غيره من الكائنات، في أعلى الرُّتَب
فقراءة القرآن، ليست هي تلاوتُه، التي ربما، تبقى مجرد إنصاتٍ بدون فَهْم، وبدون معرفةٍ، أو سَبْرٍ لأغوار هذا النص، الذي تُعْتَبَر كل جملة فيه، أو كل آية، بما تحتمله من شرح وتأويل، وبما فيها من أبعاد دلالية، بمثابة جَبَلٍ، لا يمكن بلوغ قمته، إلاَّ بالمُثابرة، وبامتلاك أدوات القراءة، وتَسَلُّق القمم، وليس بالنظر من الأسفل إلى الأعلى، والاكتفاء بالنظر، باعتباره وُصولاً، أو بُلوغاً إلى القمة.
ما يجري عندنا، في هذا الباب، أنَّنا وضَعْنا الناس أمام قراءات وتأويلاتٍ، هي في أغلبها احتكامٌ لمذاهب، أو لمواقف ورُؤَى تخضع لفكر الشَّارح، أو المُؤَوِّل، ولِما يراه هو، من منظوره الفكري، أو الأيديولوجي، وليس لِما يكون «حقيقة» تاريخية، تتأسَّسُ على نوع من التحليل الموضوعي، الذي لا يبقى فيه النص هو الفاصِل، فثمَّة حقائق ومعطيات، سواء في البناء التعبيري للنص، أو في صوره وتراكيبه، أو في سياقاته التاريخية، التي لا توجد في المابعد وحده، أو في لحظة ظهور النص، أو إبَّانَهُ، بل إنَّ للماقبل دوره الكبير في القراءة، وفي التفسير والتأويل، وفي معرفة الحقائق والوقائع.
الذين يكتفون بالقراءة التي لا تتجاوز حلوقهم، أو بتعبير الرسول نفسه، لا تتجاوز تراقيهم، فهؤلاء، غالباً ما يكونون مصدر إساءة للنص نفسه، ومصدر تأويلاته الأسطورية التي باتت اليوم، هي الأكثر انتشاراً وتداوُلاً، وهي ما أدَّى لظهور هذه السلفيات العمياء، التي أصبح الإفتاء عندها، مثل شرب الماء، لا معرفة، لا باللغة، ولا بالتاريخ، ولا حتى بالدين نفسه، الذي يتحوَّل بفعل تراكُم هذه الطبقات الأسطورية الخُرافية، إلى دِينٍ يُنافِسُ الدِّين، ويطمره تحت التراب. فإن نبدأ من المدرسة، بالحَثّ على القراءة، وبتقريب الكِتَاب من التلاميذ، وتوفير المصادر والمراجع لهُم، وبإيجاد الفضاءات المُلائِمَة لمثل هذه الأوراش، وتحفيز التلاميذ والطلبة، وتشجيعهم، إمَّا باحْتِساب نقط القراءة، كامتياز وإضافة، في امتحاناتهم، وفروضهم، أو كتتويج، أو خلق جائزة التلميذ القارئ، وتزويد المكتبات الصَّفِّيَة بالكتب والمراجع، من مختلف حقول المعرفة والعلم والإبداع، وبالموسوعات التي لها علاقة بالطبيعة، وبعالم المحيطات والبحار، وعالم الحيوانات والطيور، ومختلف النباتات، وبجغرافيات الدول والمدن، وغيرها، مما يعتبر اليوم، جزءاً من معرفة الإنسان، أن نبدأ من المدرسة، بهذه الصورة، وبهذا الأفق، معناه أننا وضعنا الإنسان أمام فكره وعقله، وأمام نفسه، وخرجْنا به من وصايةِ غيره عليه، لأنَّ إنساناً من هذا القبيل، هو إنسان قارئ، شغوف بالمعرفة، وبالبحث والشك والتساؤل، وهو إنسان مسؤول عن رأيه، وعن أفعاله، بعكس الذين يبْقَوْن خارج هذا المعنى، ممن يصيرون صَيْداً سَهْلاً للمتطرِّفين، سواء أكانوا من اليمين، أم من اليسار، أو ممن ظَنُّوا أنهم أوصياء على الدين، أو ممن ظَنُّوا أنهم أوصياء على الدنيا.
إنَّ القراءة هي طوق نجاةٍ، وهي الحبل الذي به نُخْرِجُ الدٍّلاءَ مملوءةً بالماء، أعني بعذوبة ماءٍ لم يكن بلوغه ممكناً، من دون هذا الحبْل الذي به نَسْتَمِدُّ الدِّلاء من قرارة البِئْرِ، ومن ظَلامِها العميق المُعْتِم. والمدرسة، تبقى، في الأول وفي الأخير، هي المَشْتَل الذي يمكنه أن يُوَجِّه التلميذ والطالب، لِما في البِئْر من طراوَة وحلاوَة وعُذوبة وعُمْق. فإن يتعلَّم التلميذ القراة وفق منهج وطريقة مَدروسَيْن، وأن يعرف كيف يفتح الكتاب وكيف يغلقه، وأن يعرف متى يسأل ومتى يُجيب، ومتى يتيَقَّن ومتَى يَشُكّ، هو ما سيجعل من فهمنا للدِّين وعلومه، ومن فهمنا للعلوم الصرفة، بدورها، وللعلوم الإنسانية، وللنصوص التخييلية، سردية كانت أم شعرية، وللفنون والجماليات، يكون مبنياً على مقدمات، وعلى فرضيات، لم تأت بمحض الصدفة، بل إنَّها نتيجة لِطُول تَدَبُّر ومعرفة وتَنْخِيلٍ للكتب والمصادر والمعارف، ولِما تحقَّق لهذا الشخص أو ذاك من تراكُمات، ومن خبرات، في مجال القراءة، وفي معرفة الأدوات اللاَّزِمَة التي بدونها لا يمكن فتح الأبواب المغلقة، لأيِّ كتابٍ كان.
المغاربة لا يقرأون إلاَّ دقيقة، أو دقيقتيْن، هذا كارثة، وكان ينبغي توجيه التُّهْمَة للمدرسة، وللأسرة، ولـ«شبكات القراءة»، أو من يعتبرون نفسهم شبكات للقراءة، وللمعلمين والأساتذة، وللدولة، في نهاية المطاف، التي تقبل أن يعيش في كنفها إنسان لا يقرأ، وإنسان لا يعيش إلاَّ على الفرجة والاستهلاك. فهذا التقرير الصادر عن مؤسسة من مؤسسات الدولة، هو خَطير، وهو إنذار لنا جميعاً، أليست دولة بهذا النوع من البشر الذي لا يقرأ، هي دولة لا تقرأ، أو دولة القراءة فيها، حتى إذا وُجِدَتْ تنحصر في الحُلوق ولا تتجاوزُها؟ أليس هذا الإنسان الجاهل، السطحي، الذي يكتفي بظاهر الأشياء، وبسطحها، قنبلةً موقوتَةً قابلةً للانفجار في وُجوهِنا جميعاً، بمثل ما يحدث اليوم من تَطَرُّف، وتضليل باسم الدين، وباسم الله الذي أصبح له أكثر من ناطق، وأكثر من لسانٍ، يُقَوِّلُونَه ما لم يَقُل، ويُسَوِّغُون باسمه كل ما يقومون به من قَتْل وفَتْك وتدمير؟
حَذارِ أن نعتبر هذا التقرير، وفي شطره المتعلق بالقراءة، تحديداً، مجرد كلام لَيْلٍ، فَتَحْتَ الأكَمَة ما تحتها، وعلينا أن نبحث لهذا التقرير عَمَّا يليه من حلول لهذه المعضلات التي قرَّرَها. فإن نبقى مُتَكَتِّمِين على هذا الخطر، وأن تبقى المدرسة خارج ما يجري، أو غير معنية به، وكذلك الإعلام، ومؤسسات الدولة المختلفة، وجمعيات المجتمع المدني، فهذا سيكون كارثةً أخرى، ستنضاف لِما عندنا من كوارث، ولعلّ أخْطرها، أن يصير الإنسان بلا عقل، وبلا فكر، وبلا رأي، وهذا، حتْماً، ما ينفي عنه صفةَ الإنسان، ويجعله بالتالي صَيْداً سَهْلاً في يَدِ من يستعملون الإنسان سلاحاً لقتل الإنسان، ولتدمير ما بنتْه البشرية عبر تاريخها، بدعوى أنَّه غير داخل في الدِّين، أو غير داخِلٍ في فَهْم معين للدِّين، أو لهذا الدِّين الذي نَفَى الدِّينَ نفسَه، وألْغاهُ.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …