الرئيسية / . / يحيى يخلف في حوار الذاكرة مع الواقع الفلسطيني

يحيى يخلف في حوار الذاكرة مع الواقع الفلسطيني

فيصل درّاج

للفلسطينيين مصائر مأسوية، تنوس بين صعود يلازمه التفاؤل، وتراجع يصاحبه الرثاء. أراد يحيى يخلف، الذي عاش على مقربة مستمرة من التفاؤل والإحباط، أن يكون روائياً يسرد أحوال شعبه، ومؤرخاً يصف سياقات اللجوء ويقترح الإجابة، إلى أن وصل إلى روايته الأخيرة «راكب الريح»، (دار الشروق، عمّان 2016،) فسرد ووصف وأوكل إلى التاريخ تقديم إجابة محتملة. ولهذا عاد وراء إلى يافا عام 1795.
< صفتان ميّزتا يحيى يخلف من غيره، فترة كتابية طويلة عمرها أربعون عاماً، أو ما يقترب من ذلك، والاتكاء على «مادة روائية» فلسطينية، عالجت شقاء المنفى في أطواره المختلفة، وبحث دؤوب عن أشكال كتابية موائمة، سجّلت صمود «اللاجئ»، في أحواله المتنوعة. وإذا كان غسان كنفاني شاء، مرة، أن يكتب الواقع الفلسطيني، كما هو «من دون زيادة أو نقصان»، كما قال للراحل إحسان عباس، في حوار حميم بينهما، فإن يحيى أراد أن يكتب «تاريخ ما بعد فلسطين»، مازجاً بين المتخيّل والوثيقة. قرأ أحوال الفلسطيني وهو يحاول «بطولة البقاء»، التي جعلته يواجه المنفى، في صعوباته المتواترة. عمل يخلف، متوسلاً الكتابة، على بناء ذاكرة فلسطينية والحفاظ عليها، مدركاً أن الفلسطينيين لا يموتون إلا إذا أضاعوا الذاكرة. كان، في الحالين، يوسع حدود الرواية الفلسطينية، وينجز «رواية تربوية»، رهيفة في بنائها الفني، تخبر الفلسطينيين من «أين جاؤوا»، وتدعهم يسائلون مصائرهم المحتملة. ولعل مشروعه الروائي، الذي لا يزال ممتداً، هو الذي أملى عليه أن يقرأ الفلسطيني في «أمكنته المتنقلة»، وفي عالمه الروحي المضطرب، مؤكداً أن الرواية تبدأ بالإنسان وتنتهي به، فلا رؤية إلا بالإنسان الذي تستأنس به، أكان صبياً شقياً في مخيم، أو عجوزاً أدركه التعب في منتصف الطريق ورحل.

البؤس والخلاص
استهل يخلف كتابته، في مطلع سبعينات القرن الماضي، برواية «نجران تحت الصفر»، عن «اليمن السعيد» الذي فارقته السعادة. أخذ الروائي بمنظور زمني يسير إلى الأمام، يترك البؤس في الماضي ويوحّد بين المستقبل وإرادة الخلاص. كان في السياق الذي «نصر» اليمني المغلوب وعد بنصرة الفلسطيني الذي حمل السلاح ووعد بإنسان جديد.
وصف يحيى الكفاح المسلح في كتاباته المتعددة، موحداً بين فقراء المخيمات، التي أجهزت عليها النيران أكثر من مرة، و»بطلهم المخلّص» القريب من الحكايات الشعبية. كان للصبية بطلهم الأثير في «تفاح المجانين»، ذلك الفدائي الذي يذهب إلى الوطن المحتل ويعود ولا يصاب بأذى، وكانت هناك «تلك المرأة الوردة»، التي ترقص لمستقبل المقاتلين، ورواية «نشيد الحياة»، التي فصلت بين زمن مهزوم و»فدائيين» يرفضون الهزيمة. وإلى جانب الروايات الثلاث مجموعة قصصية «نورما ورجل الثلج»، التي سردت حكاية الفقر والبطولة والأرواح الأليفة. انصرف يحيى، في مرحلة «الزمن الفدائي» إلى جماليات الحياة والأمل وإلى توصيف «عالم غنائي» يتمازج فيه الرجال والبنادق وإرادة متفائلة.
بعد الخروج من بيروت في صيف 1982 وتوزع الفدائيين على منافٍ متنوعة، رجع يخلف إلى مرحلة «ما بعد النكبة»، إذ في حياة اللجوء ما يختبر اللاجئ والحياة ويحتفي ببطولة البقاء. عالج المرحلة الثانية في رواياته: «بحيرة وراء الريح، نهر يستحم بالبحيرة، وماء السماء»، ورسم فلسطينيين يتعلّمون الصبر والمثابرة، ووصل إلى «جنة ونار»، عمله الأفضل، حيث الشتات والتغلّب عليه، و«سر خبيء» يدفئ صقيع المنفى، عالجه جبرا إبراهيم جبرا بأشكال مختلفة.
أخذ يخلف، في أعماله السابقة، بزمن يسير إلى الأمام، أكان سيره مدفوعاً بالبندقية أم محمولاً بإرادة صابرة، سارداً فترة عمرها ثلاثون عاماً، بدأت «بالنكبة» وأغلقها الخروج من بيروت. أما في عمله الجديد «راكب الريح»، الذي ابتعد فيه عن الحاضر أكثر من مئتي عام، فأخذ بمنظور وتقنية جديدين، فليس في يافا القديمة كفاح مسلح، ولا موقع «للسلام الفلسطيني الإسرائيلي»، الذي هو سلام أكثر عنفاً من الحرب، يحصد فيه الرصاص الإسرائيلي، يومياً، أرواحاً لم تتهيأ للحرب ولم تنعم بالسلام.
في ابتعاده عن حاضر محاصر يحوّل المستقبل الفلسطيني إلى أحجية صرّح يحيى يخلف، عن «وعي مأزوم»، عالجه «برواية تاريخية» تأملت مقطعاً من تاريخ يافا عمره خمس سنوات 1795 – 1800. استأنس الروائي بالماضي سائلاً إضاءة لأسئلة الحاضر الصعبة الإجابات قائلاً، مثل غيره، إن «الرواية التاريخية» تعبير عن أزمة، ذلك أن الماضي يجيب ولا يسأل. ولعل الأزمة المستنجدة بالماضي هي التي أملت على الروائي، الذي كان يتخذ من الفلسطيني بطلاً وحيداً لروايته، أن يضع «الفلسطيني البعيد» بين شخصيات متعددة ليست فلسطينية، كما لو كان يقول إن وضع الفلسطيني المحاصر لا يشرح بذاته، فهو يحتاج إلى «آخر»، يعلّمه ويتعلّم منه. ولهذا انطوت شخصيات الرواية على التركي والفرنسي والشامي والهندي، وعلى «محظيات» جميلات لعبنَ دوراً في «البلاط العثماني».
استأنف منتوج يخلف، الذي يحتفي بالذاكرة، ما قام به غسان كنفاني، فاستحضر شخصياته وأكملها، منذ أن رآى «أم سعد» في «أم سعد» أخرى، وأعطى حياة «العاشِق» حياة جديدة. أيقظ يحيى شخصيات غسان معتمداً على وقائع الفلسطينيين الممتدة في أكثر من «وثيقة»، وعلى «بطل إيجابي» لم يستعره من الكتب، بل من وقائع الحياة. والتقى يحيى، في أكثر من مكان، مع جبرا إبراهيم جبرا، وهما اللذان تقاسما، طويلاً، إيمانية مفتوحة، ترى فلسطين في أهلها، وترى الفلسطينيين يموتون ويتكاثرون. وعلى رغم قرابة بديهية بين الروائيين الثلاثة، فقد عمل يحيى على أن يكون نصه الروائي جزءاً من النص الفلسطيني المعيش، حيث الوقائع هي «الأفكار بذاتها»، وحيث الأفكار جزء من حشد واسع، يتحاور فيه الأحياء والأموات ويشكلون حياة واحدة.
أصبح يخلف روائياً «احترافياً» ونقض ما أصبحه: فهو الاحترافي الذي يكمل عملاً بآخر والأديب الذي يصقل أسلوبه ويروّضه، ويخلق نسقاً من الشخصيات المتميزة في عالمها الداخلي والخارجي، ويجتهد في بناء أسلوب يحاذر «اللغة النمطية» ويتطلع إلى نثر حواري. غير أنه نقض الروائي «الاحترافي»، وهو تعريفاً منعزل عن الحياة، بانفتاحه على واقع محدد الأسماء والوقائع والصفات، وهوية بعيدة من السكون، لأنه يعرف أكثر أنّ هويته محصلة للأفعال، لا للنيات والمواعظ والأفكار.
أثّث يخلف روايته بمواد تاريخية تحيل على زمنها وتعطيها إضاءات ضرورية: حضور السلطان عبد الحميد الأول والجيش الانكشاري وعالم القناصل ومواسم النبي رابين والنبي موسى وجركس باشا، أمير البحر العثماني، والسلطان سليم الأول وإصلاحاته التي رفضها انكشاريون عاثوا خراباً واسعاً في يافا القديمة، وذكّر بالجامع الكبير والبازار والمنشية وبعادات المدينة المحافظة التي عرفت غزاة متعددين.
بنت الرواية فضاءها التاريخي بتفاصيل متنوعة، وأقامت «الفعل الروائي» على فلسطيني واسع النباهة والتميّز، وعلى أنثى تركية من أزمير هي الجمال بذاته. حمل الفلسطيني في البداية «إمارات اختلافه» منذ أن استقر فيه سحر غريب و»قرين» يعطيه طاقة من نار، تضعه فوق أقرانه وتمدّه بقوة خارقة، وحملت التركية، التي اختلط في أوصافها المسيحي واليهودي والإسلامي، جمالها الباذخ وأقدارها الغريبة.
بيد أن يخلف، الذي كان في رواياته السابقة يبدأ بالجميل الخيّر وينصره، دفع بالفعل الروائي في اتجاه «رواية التعلّم»، فأرسل بطل الرواية إلى دمشق لتعلّم «فن العمارة» في «مدرستي مملوكي سلطاني» قبل أن ينطلق في رحلة شاقة إلى «أضنة» التركية، ليلتقي بحكيم «يعشق السلام والبشر»، ويسأله التحرر من «قرينه» العجيب، كي ينصرف إلى الحب والرسم والرقش والخط والتزيين وعوالم الألوان ويبتعد عن المواجهة العنيفة و»مبدأ القوة».

اكتشاف الذات
لم تكن «رحلة التعلّم»، التي التقى فيها الفلسطيني بثقافات مختلفة، إلا رحلة في «فضائل الآخر»، التي تجعل الإنسان يكتشف ذاته وهو يكشف ما لا يعرفه، ويدرك مدى نقصه، الذي لا يفعل فيه «السحر الغريب « شيئاً.
دفع الروائي ببطله، الذي بدا مكتملاً في البداية، إلى أكثر من مفارقة: بحث عن المعرفة بعيداً عن يافا المحافظة وزهد «بالقرين» الذي بعثته المدينة فيه، وعشق امرأة تركية تختلف عن «تلك المرأة الوردة»، التي كان لها زمن رحل، وانتهى إلى ما هو منقطع عن العادات وشهادات الكمال والانتصار، فقد أمه وأباه وبيته واحترقت مدينته، ولم يظفر بالمرأة التي عشقها، واحتفظ بما تعلّم وما تعلّم من «الآخر» التركي الحكيم، وبجمالية القيم الإنسانية، وما كان يسمعه عن الثورة الفرنسية.
استولد الروائي من تفاعل الفضاء التاريخي، و«الفعل الروائي» الذي نسجته شخصيات متنوعة الثقافات، منظوراً روائياً، لا يقول بالنصر والهزيمة، ولا بتفوّق إنسان على آخر، بل يقول بشيء عنوانه: بطولة المعرفة والقيم، بلغة معينة، أو «جمالية التحرر» بلغة أخرى، التي تجذب إليها كل مضطهد يتوق إلى الحرية في هذا العالم. ولعل تأكيد «جمالية التحرر» هو الذي استحضر تركية كاملة الجمال واسعة المعرفة، تعشق الموسيقى والغناء والرقص والحكمة، واستحضر معها ومع غيرها تعاليم الثورة الفرنسية، القائلة بتساوي البشر، والذي حاصر ابنها النجيب نابليون بونابرت عكا وارتد عنها خائباً.
عاد يحيى في «راكب الريح» إلى التاريخ، ولم يكتب رواية تاريخية، فقوام روايته هم البشر في طبائعهم المتنوعة، التي تحتمل الحب والحنين والعنف والفضول و»اغتراب الروح»، الذي يلازم كل إنسان حقيقي. ولأنه أراد رواية تسبق التاريخ وتتلوه ارتكن إلى جماليات كثيرة: ألوان الرسم وألوان الحياة وألوان الطبائع، تعددية في اللون ترفض المغلق وما يقبل بالانغلاق. ولهذا استأنس بالموروث الحكائي العربي الذي يرجع، راضياً، إلى «ألف ليلة وليلة»، حيث الصبي الخارق القوة والفاتنة العاتية التي تظهر وتحتجب، والحوار العجيب بين المرئي والمحتجب، كما لو كان السارد يعلن عن هويته مرتين: مرة أولى وهو يعود إلى يافا، القديمة الجديدة الرابضة على البحر، ومرة ثانية وهو يستأنس بموروث تخييلي عربي طويل، لعبت فيه المرأة الجميلة الغاوية دوراً واسعاً. ولهذا فرش يحيى «راكب الريح» بمتواليات من الحكايات والنساء الجميلات، إذ في كل حكاية حكاية، وفي كل أنثى صوت عاشق هارب أو قادم، وأقام لقاء واسعاً بين الخير والجمال، جاعلاً من الشر الذي لحق بيافا، في تسعينات القرن الثالث عشر، حدثاً عارضاً تمحوه «قوة الأيام».
كان يخلف في رواياته، التي سبقت «راكب الريح»، يدفع بالفعل الروائي إلى الأمام، موحياً بالانتصار أو ما يشبه الانتصار، راسماً فلسطينياً مكتملاً، ومطمئناً إلى تاريخ يحقق ما يريد منه العدل أن يحققه. أشارت روايته الجديدة إلى «بقاء يافا» وخروج المحتلين، كما لو كان ما تعرفه فلسطين اليوم عرفته سابقاً، من دون أن تسائل المستقبل، أو أن تضيف إليه رغبات وشعارات، كما لو كانت تقول: يتقدّم التاريخ إلى حيث يشاء، ويترك للذاكرة أن تعي ما تشاء. ولهذا حضرت الذاكرة كعنصر معرفي، وشهدت على ما كانته يافا القديمة ووجهت إليها تحية طافحة بالوفاء والحنين، ولم تحضر كقوة تحتفل بالانتصار. فتذكر المكان لا يغيّر كثيراً من أقداره، والجوهري يأتي من إنسان يغيّر نفسه ويحتفي بالعلم والمعرفة ويتعلّم من «الآخر»، الذي لا فلسطيني من دونه.
بعد زمن الفلسطيني الذي كان يعرف من أين جاء وإلى أين يذهب، يأتي زمن الاحتلال، الذي يسائل التاريخ ولا ينتظر منه إجابات «شافية». تقول رواية «راكب الريح» بقضايا ثلاث غير مسبوقة، إلا بقدر: الوعي الفلسطيني اليوم أضيق من الشرط المعقد والصعب الذي يحاصره، ما يرمي على «المبدع» بالاغتراب ويملي عليه باستشارة أزمنة ماضية. أكثر من ذلك: على الفلسطيني المحاصر أن يوسع شرطه الراهن بمعارف من خارجه، وأن يعرف الفرق بين رفض الواقع وتحرر الإنسان الذي يرفضه، قيماً ومعرفة وأخلاقاً. فحب الأوطان المحوط بالنيات الطيبة لا يفضي «وحده» إلى الجنة. أما الموضوع الثالث فيتجلّى في زمن قلق مرتبك الكلام آيته طموح «الأديب» الفلسطيني إلى تقديم اقتراح وطني في شكل روائي. لا وقت للراحة، وليس في الفضاء ما يوحي بالطمأنينة، وفي الحاضر عطب عرفته «يافا» بين 1795 – 1800.
أراد يخلف أن يكون، مجدداً، مؤرخاً في الرواية وروائياً يلامس التاريخ، وأديباً، في الحالين، فلا أدب إلا بمقاربة التاريخ والحوار معه. أعلن في محاولته عن وحدة الأديب والمثقف، ذلك أن المثقف هو الذي يسائل أحوال قضيته الوطنية، مضيئاً ما جاء بما سبقه، ومقرراً أن ما جاء اختلف عمّا سبقه وعمّا سيتلوه، ويغرف أسئلة جديدة.
في رواية «راكب الريح»، التي جمعت بين المعرفة والتأمل وشجاعة الكتابة، دعوة إلى قراءة الحاضر الفلسطيني بنظر جديد، وشهادة على روائي خلق فضاء من الأفكار والأسئلة، رد به على زمن ظالم، يرهق «مكتبات الفلسطينيين بأكثر من وسيلة.

(الحياة)

شاهد أيضاً

طريق طويل.. ل -حيدر محمود-

-حيدر محمود-   أنا وأنت ِ والطريق يحاول تقبيلك بين الخطوة وألاخرى والاشجار التي في …