الرئيسية / إضاءات / الفلسفة والجنون

الفلسفة والجنون

خيري منصور

للوهلة الأولى يبدو كتاب جنون الفلاسفة لمؤلفيه رودجرز وثومبتون والذي ترجمه متيم الضائع وصدر عن دار الحوار، كما لو أنه تكريس لمفهوم شائع حول الفلسفة، باعتبارها نشاطا ذهنيا مضادا للمألوف، وفي عالمنا العربي يستخدم بعض الناس مصطلح الفلسفة كمرادف للثرثرة، أو تعقيد ما هو سهل وبسيط، إضافة إلى ما علق بهذا المصطلح من شوائب أشاعها من لا يطيقون احتمال قضايا جادة ورصينة ويستعيضون عنها بما هو متداول وموروث.
وما يقوله المؤلفان في المقدمة يستبعد أي حوار مع أفكار الفلاسفة الذين يرد ذكرهم في الكتاب، بحجة أن نصوصهم متوفرة، إذن المقصود هو أنماط السلوك لهؤلاء الفلاسفة، التي هي في الأصل الإنكليزي Behaving Badly ، وهو عنوان يقبل العديد من الترجمات إضافة إلى كلمة الجنون، التي تبدو أقصى تأويل ممكن للعنوان، ولعل المقصود بشذوذ بعض الفلاسفة على مستويي التفكير والسلوك هو الازدواجية، والمثال الذي يورده المؤلفان في المقدمة هو عن عالم النفس يونغ، فهو رغم شهرته الواسعة في مجال علم النفس وإسهامه في وضع أسس علمية للتحليل النفسي، أقام علاقة مع إحدى المريضات، رغم أنه كان متزوجا وأبا، ثم تخلى عنها، والمثال مأخوذ عن فيلم سينمائي حول حياة يونغ، والمأخذ النفسي والأخلاقي عليه هو أنه لم يشعر بأنه اقترف ذنبا، بل كرر الفعل ذاته مع مريضة أخرى.
وإذا كان هناك فلاسفة من طراز شوبنهاور الذي عرف بازدرائه للمرأة بسبب عقدة نشأت لديه من علاقته بأمه، وتنسب إليه حكايات طريفة، فإن في المقابل هناك فلاسفة عاشوا حياتهم على نحو رتيب، ومنهم الفيلسوف «كانت» الذي كان الناس في الحي الذي يسكن فيه يضبطون ساعاتهم على مواعيد خروجه وعودته إلى البيت. وحين يصنف روسو في خانة الفلاسفة المجانين، فما ذلك إلا لأنه اصطفى الطبيعة معلما ونموذجا وكتب مذكرات اعترف فيها بممارسات جنسية، رغم أن هناك من قالوا عنه إنه سلّط الإضاءة على الجنس كي يصرف الانتباه عن مجالات أخرى، لكن ما يأخذه المؤلفان على صاحب العقد الاجتماعي هو ممارسات أخلاقية منها ما وجهه من رسائل عدائية إلى هيوم الذي أحسن إليه، ما دفع هيوم إلى اتهام روسو بأنه مصاب بالبارانويا وعديم الشرف.
أما فردريك نيتشة فإن القراء في عالمنا العربي وخارجه يعرفون عن سيرته الذاتية الكثير، خصوصا كتابه الشهير «هكذا تكلم زرادشت» الذي يقول المؤلفان إن قراءته شأن أعمال نيتشة الأخرى يجب أن يسبقها تحذير صحي، هو لا تحاول تشغيل السيارة أو التفكير عندما تكون تحت تأثيرها، ويضيف المؤلفان أن الفوضويين والحداثويين ولاعبي الكرة والحلاقين جميعا استحموا في رغوة الخطاب النيتشوي مما أشعره بالفزع، ومن المعروف أن حياة هذا الفيلسوف كانت مشحونة بتوتر مزمن ولم تكن أطروحة السوبرمان، التي حاول البعض تأويلها سياسيا سوى حلم بشري بما هو فوق بشري، وهناك من اعتبر نيتشة أحد جذور النازية، تماما كما فعل آخرون مع الموسيقار فاغنر.
إن إدراج سارتر في خانة الفلاسفة المجانين لا يختزله فقط، بل يذكرنا بما قاله عن بورجوازيي مدينة بوفيل الذين هجاهم في روايته «الغثيان»، واعتبار علاقته بأمه غير سوية شأن شوبنهاور أو الازدواجية التي عاشها بين البيت والمدرسة، أو حتى الرسوب في الدراسة في المرحلة المبكرة، قرائن للجنون قد يثير سخرية سارتر في قبره، لأن لديه ما هو أبعد من ذلك الاختلاف عن السائد، ومن وصف الآخرين بأنهم الجحيم في مسرحية «جلسة سرية» كان يعي حالة الاغتراب التي يتورط بها من قرروا الخروج عن المدار السائد والتقليدي، وحين كتب عن بودلير وجد فيه شيئا من ذاته، سواء من خلال علاقته بالأم أو بما يسميه الطفولة الداندية لبودلير، وهناك عبارة قالها سارتر عن بودلير تصلح بقليل من التحوير لأن تكون اعترافا ذاتيا، هي أن بودلير حاول أن يرى نفسه وهو ينظر إلى شجرة أكثر مما يرى الشجرة وما حياته إلا قصة هذا الفشل.
وقد تكون حياة ونصوص وحتى الزيّ الذي كان يفضله الفيلسوف مارتن هيدجر بيئة ثقافية صالحة للاستثمار لمن يريد التأويل السياسي حتى نهاياته فقد نُسب إليه قوله: لا تدع الأفكار تشكل قانون وجودك الفوهرر نفسه ولوحده هو حاضر ومستقبل الواقع الألماني وقانونه، ويطلق عليه مؤلفا الكتاب اسم الساحر المفترس والفلاح النازي. رغم أن هناك بُعدا في نتاج هيدجر الثقافي يستحق التأمل هو قراءته الفريدة للشاعر ريلكة ورهانه المطلق على أبدية الكلمات، وقد يتساءل قارئ هذا الكتاب لماذا اقتصر مؤلفاه على الذكورة فقط، فتكون الإجابة منهما في هامش استدراكي هو أن عدد الفلاسفة من النساء لم يكن ينافس عدد الذكور لأسباب تاريخية معروفة ويستشهدان بثلاث أو اربع فيلسوفات منهن إيريس مردوخ وهي روائية أيضا، ولها دراسة شهيرة عن سارتر، وسيمون دي بوفوار رفيقة سارتر ومؤلفة كتاب «الجنس الآخر» إضافة إلى روايتها «المثقفون».
وينتهي المؤلفان إلى القول بأن عدد الفيلسوفات في التاريخ لو كان بمثل عدد الفلاسفة الذكور كنّ سيساهمن بالقدر نفسه في الحماقات البشرية ..

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …