الرئيسية / حوارات / أول عمل روائي لزينب شرف الدين: «قبل صلاة الفجر»: اكتشاف «ثقوب» العائلة

أول عمل روائي لزينب شرف الدين: «قبل صلاة الفجر»: اكتشاف «ثقوب» العائلة

زهرة مرعي

تعدّ رواية «قبل صلاة الفجر» لزينب شرف الدين، رواية تنضح بمشاعر تفيض بالإبهام. سطرت الرواية الأولى للصحافية، بإشراف نجوى بركات وبمنحة من «مؤسسة آفاق»، وصدرت عن «دار الساقي» بداية هذا العام.
في الصفحات التي فاقت المئة بقليل، نجحت الكاتبة في حشد التاريخ والجغرافيا والمشاعر واختبارات الموت والحياة، من دون تقصير حيال أي منها. وبالتالي قدمت رواية مكتملة العناصر سلسة القراءة، لكنها تترك القارئ في حيرة. فهو امام تفاصيل مدهشة، من الحنين والتذكر والعودة.
«القدس العربي» التقت شرف الدين، وهنا نص الحوار:
٭ ختمت الرواية من دون إجابات على أسئلة محورية تشغل بطلتها، لماذا تركتها في مهب الريح؟
■ ليت لكل سؤال نطرحه على أنفسنا أو على الآخرين من أجوبة أو على الأقل من جواب واحد. لنبدأ من أسئلة الأطفال الذين يأخذون بتصويبها علينا منذ سنتهم الثالثة مع السؤال المتكرر» لماذا؟…لماذا؟». وإن دل ذلك على شيء فهو يدل على عجزنا، نحن البالغين، عن إيجاد أجوبة مقنعة. كذلك نحن أحيانا لا نسمع إلا الأجوبة التي تناسبنا. لا شك، قد وجد بعض الذين قرأوا رواية «قبل صلاة الفجر» بعض الأجوبة على أسئلة طرحوها عند قراءتهم لها، وهذا ما استخلصته من ردود فعل القراء الذين تسنى لي سماع آرائهم، والنقاد الذين تناولوها. ووجد قراء آخرون ألا ضرورة لتقديم الشرح، إذ على القارئ أن يستنتج، وبالتالي، أيضا، ليس بالضرورة أن تكون مهمة الراوي تقديم حلول وأجوبة لأزمات شخصيات روايته. ولا أخفي عنك أن البعض رأى، أو حتى أنه طالب، بكتابة جزء آخر لهذه الرواية لأنها لم تشف غليله. على أي حال، لو باستطاعتنا أن نعثر على أجوبة لأسئلة الوجود لكانت دورة الحياة قد توقفت.
٭ بطلتك شخصية واثقة في إقامتها الفرنسية.. وقلقة مضطربة في الوطن. لماذا؟
■ نورهان، الشخصية الرئيسية في روايتي، اعترفت لنفسها، بعد تلقيها خبر موت أبيها وعند تنبهها لانفعالاتها إزاء هذا الخبر، أنها كانت تجهل نفسها على عكس ما كانت تظن، حتى أن صديقها الحميم، صُعق عندما رأى حالها، «فهو لم يرَ قبل الآن هذا الجسد الذي تسكن فيه – وكان دائماً منسجماً في وقعه- متوتراً قلقاً يكبت أنينه الضاجّ كأنه عالقٌ في شبكة صيد… كأنني أمام شخص تربطني به علاقة زمالة، ليس إلّا، وألتقيه لأول مرة في محيطه العائلي أو في كباريه، أو بعد نجاته من هزة أرضية مدمّرة». خبر الموت أيقظ فيها مشاعر مكبوتة، وأخرى، حتى، منسية تماما، كما يتبين في متن الرواية. وعند وصولها من باريس إلى لبنان وما صاحب ذلك من ذكريات تتعلق بالأمكنة التي كانت قد ألفتها قبل أن تغادر وطنها الأم وبيت عائلتها، كل ذلك أمعن في تقرح اضطرابها وتورم قلقها. أيضا، وعندما راودتها فكرة ترك كل شيء والرجوع إلى بيتها الباريسي فكرت أن «هذا البعد الذي تسبّبت به سنوات غيابها الطويلة، شعرت به يخلق في كيانها فراغاً مؤلماً ليس بوسعها أن تحمله معها وترحل مجدّداً».
٭ استعنت بدقة بعلم النفس في مفاصل عدة من الرواية خاصة مع واقعة اغتصاب ابن البستنجي. كم يمد علم النفس شخصيات الرواية بالعمق برأيك؟
■ الشخصية العميقة لا تدين بنفسها لعلم النفس، قد يكون العكس هو الصحيح. قد تكون تركيبة النفس الإنسانية المعقدة، بما فيها غياهب العقل الباطني، ما استدعى تعمق علم النفس في مختلف أنواع الشخصيات، إذ يكمن في كل شخصية مهما كانت بسيطة، عمقا وخصوصية معقدة.
٭ رسمت صورة هادئة مشعة للإيمان والتدين من خلال الجدة. هل هي الواقعية أم رد على تدين نعيشه مبالغ به؟
■ لم أجدني في هذه الرواية مرّة بحاجة إلى صياغة ردود على أي أمر أو على كائن من كان. بالأحرى أجد أن جدة نورهان هي التي رسمت في ذهن نورهان صورة مشعة عن سلوك المتدين، على الرغم من أنها، لاحقا، أخذت تشك في مدى صفاوة هذا الإيمان الذي يستشرس في الدفاع عن الصورة النمطية المشرقة التي تريدها العائلات لنفسها.
٭ ثمة تلاطم عات بين الذاكرة والواقع فهل هو إنسان المرحلة الذي لا يجد استقراره كما هو ظاهر في شخصية نورهان؟
■ فعلا هناك تلاطم عات بين ما كانت ذاكرة نورهان تحجبه عنها والواقع المتخفي في هذا الحجاب، لكنه ليس إسقاطا على إنسان المرحلة، إنما تلاطم بين الطفولة الجميلة السعيدة والطفولة القاسية المنسية، بين البعد والاقتراب، بين الرغبة في التذكر والرغبة المقابلة في النسيان، بين «دكتور هيغل ومستر هايد».
٭ هل البطلة فعلاً مرتبطة ومتعلقة بتوصيات والدها أم هي تدينه في أعماقها لموت شقيقها؟
■ قد يكــــون تعلق نورهان الشديد بأبيها العامل الأساسي الذي دفعها، ومن دون إرادتها، إلى ستر الوجه الآخر لأبيها بخمار كثيف تلبد عميقا في ظلمة باطنها.
٭ لماذا فك لسان ابن البستنجي من واقعة اغتصابه وبقي لسان الزوجة الأم مكتوماً؟ ألا تحتاج لأن تبرأ؟
■ الناس فسيفساء. لم يكن يمكن لهذا العالم أن يقوم لولا الاختلاف القائم بين الأشخاص، إن كان هذا الاختلاف متمثلا بالهيئة، أو بالهوى، أو بالسلوك، أو إلى ما لا نهاية من تماثل وتضاد بين شخص وآخر.
٭ عناصر التشويق في روايتك متعددة أهمها ذاك الذي يحمل إبرة عملاقة. لماذا الإصرار على الكوابيس وذكرها تكراراً؟ هل هي رغبة في الغموض في السرد؟
■ شكرا، يسرني أنك وجدتِ التشويق في هذه الرواية. إنما نحن لا نصر على الكوابيس، بل هي التي تقتحمنا، ومنها ما يعلق في البال مدى العمر، كما تلتصق «شهوة الولادة» على الجلد. لم أقدر على منع نورهان ولم أشجعها على استذكار كوابيسها، هي نفسها حاولت الهروب منهم من دون جدوى. على الأرجح لم يتحول طفل إلى بالغ من دون كوابيس مفزعة، والكوابيس تلاحقنا حتى منيتنا. في حالة نورهان الخاصة، وإذا كنت قد انتبهت عند قراءتك للرواية، لم يبق لها من الصدمة التي تعرضت لها في طفولتها سوى تلك الكوابيس تقرع في أذنيها منبهة إياها على حلقة مفقودة في طفولتها. إن العقل الباطني لا يرحم، جِنيٌ يتخفى ويظهر على الهيئة أو الإحساس الذي يحلو له الظهور به، بحسب مزاجه.
٭ ماذا قدم لك محترف آفاق وإشراف الروائية نجوى بركات ككاتبة تسطرين رواية للمرة الأولى؟
■ ذكرت في مقالة نشرت في جريدة «السفير» أنني تربيت في بيئة خلاقة، فلو ولدت جدتي لأمي في زمان غير زمانها وفي نواة عائلية مختلفة لكانت الآن بمصاف الممثلات الخالدات، ولكانت صورها بالأسود والأبيض منتشرة على صفحات الفيسبوك تحت عنوان «الزمن الجميل». كذلك خالتاي الاثنتان وأمي. كن يمثلن، يقلدن، وكيفما استدرن حضرت نكاتهن اللاذعة، الحاذقة المستلهمة من المحيطين بهن ومن قصص حياتهن الغنية. كان البيت مسرحاً يومياً لدراما لا تنتهي إلا حين نأوي إلى الفراش منهكين من ضحك ومن شجن على حد سواء. لذا كنت كلما كتبت شيئاً كان مصيره سلة القمامة إذ لم توفر كثافة العيش في هذه البيئة و»الغرائبية» اليومية حلماً يمكن وضعه في الكتابة، أو فكرة مبتكرة تبني على أساسها حبكة، ولا شخصية خلاقة تجعل منها بطلا. لكن أعمدة الهياكل تنهار عاموداً بعد آخر مع الزمن، «فلا تجد الطفولة، وأجمل الفرسان ينتحرون، والعشاق يفترقون». عندها خاصة بعد أن شب ابني وغادر المنزل، شعرت بأن هناك خيطا يشدني مجدداً إلى الكتابة، إعطائي هذه المنحة من آفاق كان بمثابة محرك للالتزام أمام نفسي واتجاه من أوكلني هذه الثقة، للكتابة مجدداً. وكان إشراف نجوى بركات على ورشات العمل المخصصة للكتابة ومتابعتها الدؤوبة لكتاباتي، وكتابات زملائي السبعة الآخرين، حافزاً لي للاسترسال في التأليف، خاصة أن نجوى كانت الحورية الملهمة، والأم الحاضنة، والمعلمة الصارمة التي تنضح بكل الحب، والرفيق الصبور الذي تحلو رفقته فتتلاشى معها المصاعب.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

”خلاص الكائن البشري يقع خلف ظهره“ .. الروائي ”ماوريتسيو طيروني“ محاورًا ”أحمد لوغليمي“

* أجرى الحوار وترجمه عن الإيطالية: أحمد لوغليمي     ماوريتسيو طيروني [1967] قاص، روائي …