الرئيسية / إضاءات / مصائر المدهون وتهمة التطبيع

مصائر المدهون وتهمة التطبيع

مصطفى لغتيري

ما إن فازت رواية «مصائر..كونشرتو الهلوكوست والنكبة» للكاتب الفلسطيني ربعي المدهون بجائزة الرواية العربية العالمية المعروفة إعلاميا بجائزة البوكر العربية، حتى ارتفعت أصوات من هنا ومن هناك، خاصة من رواد المواقع الاجتماعية، حتى قبل أن يقرأوا الرواية، متهمين الكاتب وروايته بالتهمة الجاهزة الممثلة في «التطبيع»، طاعنين بذلك في أحقيته بالظفر بالجائزة، ومشككين في مصداقية لجنة تحكيم الجائزة كذلك، عبر قذفها بتهمة تسييس الجائزة، حدث ذلك رغم أن جل الروائيين الذين وصلت روايتهم للائحة القصيرة، رشحوا المدهون وروايته «مصائر» للحصول على الجائزة أياما قبل الإعلان عن نتيجتها النهائية، مما يعني أهمية الرواية وأحقيتها في الظفر بالجائزة. وأظن أن أصحاب هذه الأصوات المتشككة يحاكمون، من حيث يدرون أولا يدرون، الأدب بمعايير غير أدبية، وهم بذلك لا يختلفون في شيء عن المحافظين الدينيين، الذين دأبنا على استنكار محاكمتهم للنصوص بمعايير دينية أو أخلاقية، الفرق يتجلى فقط في أن المتشككين هنا لجأوا إلى المعايير السياسية بدل الأخلاقية. لكن في الحالتين معا تم الاعتماد على معايير خارج النقد الأدبي للحكم على الأدب، وهذا ما يجب الانتباه إليه، وتجنبه قدر الإمكان لأنه يضر الأدب بشكل كبير.
وأظن صادقا أن كل من سيحالفه الحظ لقراءة «مصائر» سيعرف أنها بحق تحفة سردية راقية، تنتصر للسرد المحايد بلغته الناضجة، التي برع الروائي في جعلها قادرة على تقديم موضوع معقد ومتداخل الأبعاد بشخصيات عميقة ومختلفة الانتماءات والخلفيات الثقافية والأيديولوجية، جاعلة من الأحداث متوالية سردية تعمق المعنى بتطورها، بعيدا عن الانغماس في مكون اللغة، الذي أغرى وما زال يغري كثيرا من الروائيين، فجعلهم، بوعي أو بدون وعي، يهملون باقي مكونات العمل الروائي، الذي لا يخفى على أحد أن هويته لا تتحدد إلا من خلال الاعتناء بها وتقديمها في أفضل حلة ممكنة. وأقصد الحكاية والأحداث والشخصيات والمنظور السردي وغيرها من المكونات..
كما أن للمكان فيها شخصية قوية، قد تتفوق – في كثير من الأحيان- على شخصيات الرواية، كما هو الشأن مع مدينة «عكا» وبعض بيوتها، التي رغم تهويدها ظلت صامدة، محافظة على جرحها مفتوحا، حتى لا يندمل فينسى، ومتأبطة في الوقت نفسه حلمها العربي الذي أبدا لا تخبو شعلته، في انتظار الذي يأتي ولا يأتي.. إنها بحق رواية جميلة تقدم نصا سرديا ممتعا، فبالإضافة إلى فنيته اللافتة، فهو يقدم كذلك خدمة كبيرة للقضية الفلسطينية، خاصة لسكان أراضي 48، الذين ظلوا ممسكين بالجمر، رغم عدم تفهم كثير من العرب لمأساتهم المستمرة في الزمان والمكان، كما أنها تحيي ذكرى أولئك الذين طالهم التشريد رغما عنهم، وهم لا يتركون فرصة تمر من دون أن يداعب وجدانهم حلم العودة إلى أحضان الأرض، بل ويسعون إلى تحقيق ذلك بكل ما يملكون من حب وشغف. من دون أن تغفل الرواية الخلفيات التاريخية لسقوط فلسطين في يد العصابات الصهيونية، من خلال التركيز على التواطؤ الإنكليزي المفضوح، الذي سلم الأرض وضميره معها للعصابات المحترفة التي هجرت الإنسان واستولت على الأرض بعنجهية فريدة في التاريخ..
في الرواية شخصيات تعود لوطنها بعد التهجير القسري، وأخرى تحمل الوطن داخلها بكامل تفاصيله، تقدم للسياح الأوروبيين معلومات حقيقية عنه بالمجان، حتى لا يسقطوا في أيدي اليهود فيشحنوا أذهانهم بالأكاذيب حول تاريخ المدينة، وهذه المهمة النبيلة، تتكفل بها فاطمة العكاوية، التي يطلق عليها الأهالي فاطمة معلومات، بسبب معلوماتها الكثيرة والدقيقة عن المدينة، وكأنها كتاب مؤلف عن المكان، وهي بالطبع تفتخر بالدور الكبير الذي تقوم به حفاظا على عكا حية في الذاكرة. كما أن الحضور النسائي في الرواية قوي وفاعل، يتحقق من خلال الأم والحبيبة والمناضلة والزوجة والصديقة، إنه حضور يؤشر على الدور الكبير الذي تمارسه المرأة الفلسطينية من أجل الحفاظ على هوية المكان والإنسان، فكم هو لافت أن تطلب الأم من «وليد» أن يذهب للجامع ويصلي من أجلها، رغم أنها تعرف أنه لا يصلي أصلا، وهي لا تتدخل في ذلك، لأن الله وحده كفيل بمحاسبته على الأمر، أما ما طلبته منه فيعني شيئا مختلفا تماما. ومن أجواء الرواية نقرأ في الصفحة 60: «كان بيت الدهامنة الذي صار بيت رومه العروسي، نموذجا لبيت عادي، صورة من ذاكرة كل بيوت عائلة دهمان، وربما المجدل كلها، جمع الإسرائيليون فيه ملامحنا القديمة مثل مقتنيات تراثية من ماض لا يعود، ماض جعلوه حاضرا، ووضعوا فيه ملامحهم، التي جاءوا بها من كل بقاع الأرض، مثلما جاءت رومه والآخرون».
ولا يمكن في نهاية هذه الورقة سوى أن أقول إن رواية «مصائر» تطبيع جميل مع الفن الروائي الذي يسعى من خلال حشد وفرة من التفاصيل والأحداث والمعلومات والأحاسيس من أجل خلق أثر أدبي متميز، وهذا بالضبط ما حققه ربعي المدهون من خلال هذه الرواية المتوجة.

 

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …