الرئيسية / سينما و تلفزيون / «مصانع» التلفزيون… كيف تنتج مسلسلاتها؟

«مصانع» التلفزيون… كيف تنتج مسلسلاتها؟

قيس قاسم

لم تتردد جوزفين بورنبورش وفي أكثر من مقابلة صحافية في وصف نفسها بالممثلة الطموحة و«مدمنة المسلسلات»، وتنسب الفضل حين تُسأل عن بداياتها وحبها للتمثيل الى الدراما التلفزيونية. وعلى رغم عملها في السينما السويدية والهوليوودية فإن مشاهدة الدراما ما زالت تشدها بقوة لسبب غامض لم تدرك سره حتى الآن! هل هم الممثلون أم العوالم الرومنسية التي تنقلها إلينا بكل جمالها ودراماتيكيتها أم تراه طقس المشاهدة العائلي؟ لم تتوصل بورنبوش إلى أجوبة شافية لأسئلتها فقررت زيارة بعض «مصانع التلفزيون» العالمية والاطلاع بنفسها على طرق إنتاج بضاعتها الدرامية لإشباع بعض فضولها في معرفة السر الكامن وراء انتشارها في السنوات الأخيرة في شكل لافت وتعلقها بها.
ولكونها ممثلة، اقترحت على معدي برنامج «مصنع التلفزيون» تقديمه بنفسها وأن تجرب فيه أيضاً أداء بعض الأدوار التي تأثرت بها مثل دور كاري ماتيسن الذي لعبته الممثلة كلير دينز في مسلسل «هوملاند» وغيره، عندما تدخل إلى أمكنة تصويرها. قبل كل ذلك قررت مقابلة الناقدة التلفزيونية الأميركية ماري مكنيمار لتفهم منها سر الانتشار الكبير للدراما وماهي أهم العناصر الفاعلة في صناعتها.
اعتبرت الناقدة السنوات العشر الأخيرة «العصر الذهبي» لها، شارفت قبلها على النضوب لولا برامج «تلفزيون الواقع» التي تبنتها شركة «أي بي سي» أول الأمر. الإقبال الجماهيري عليها شجع منتجيها على إحياء الدراما وتقديمها بمواصفات جديدة وبرهانات إنتاجية أكبر، فجاء «ماد مان» و«ليليهامر» ليشكلا نقلة نوعية أغرت شركات كبرى أخرى مثل «أتش بي أو» و«نتفليكس» بتقليدها. الشركات كلها تقريباً تتجه اليوم إلى إنتاج مسلسلات بمواصفات سينمائية تمنح فيها الأولوية إلى كبار الممثلين وكتاب السيناريو وتهتم بالتفاصيل الدقيقة عند نقلها الى الشاشة الصغيرة.
في نيويورك وبعد مفاوضات طويلة سمحوا لجوزفين بدخول استوديو بروكلين ومراقبة تصوير بعض مشاهد من مسلسل «أورانج از ذا نيو بلاك». جذب انتباهها الدور المهم الذي يلعبه مساعدو المخرج ومراقبو الأدوار الثانوية لأن واحداً من أسباب قوة المسلسل كما قالت جينفر أوستن المشرفة على العمل «تكمن في ضبط كل مشاركة صوتية أو صورية فيه مهما صغرت لأنها في النهاية جزء من المشهد العام الذي يجري في سجن النساء».
تحيل الناقدة مكنيمار سر نجاح المسلسل الى نصه المبتكر الذي قدم وللمرة الأولى تقريباً عالم السجينات بكل تفاصيله ولعبت الممثلات الثانويات فيه دوراً مهماً، لا يقل أهمية عن دور الممثل السينمائي كيفن سبيسي في مسلسل «هاوس أوف كاردز». عن أداء الممثل السينمائي في التلفزيون وهل يشعر بفارق بين النوعين قال سبيسي: «التمثيل في المسلسلات الحديثة لا يختلف عن السينما سوى بفارق الوقت. ففي الدراما التلفزيونية يلعب الممثل دوراً طويلاً… لساعات، مقابل ساعة أو أكثر قليلاً في السينما». بالنسبة إليه لا يشعر بأي انقطاعات في التمثيل على رغم طول فترة التصوير. يسألني بعض المعجبين عن مشهد ما في حلقة بعينها وأشعر بالحرج فأنا لا أعرف عن أي الحلقات يتحدثون بالنسبة إلي أنا ألعب في المسلسل التلفزيوني دوراً طويلاً واحداً».
«الاهتمام بالتفاصيل كما في السينما نراه اليوم في التلفزيون ويجب الحفاظ عليها إذا أراد أي مخرج مسلسلات أن يوفق في عمله»، يجيب المخرج تيمران بيتر على سؤال مقدمة البرنامج حول ظاهرة العناية الفائقة بالسينوغراف والمكياج والأزياء التي نراها في مسلسلات الأزياء «الكوستيم» مثل؛ «فايكينغز» حيث يظهر الممثلون والأمكنة التي يتحركون فيها وكأنها تجري في الواقع.
والأمر ذاته ينطبق على مسلسل «داونتاون آبي» فقارب جوه الحياة داخل قلعة هايسلر كاستل، التي صورت معظم مشاهده فيها. إلى القلعة التاريخية توجهت مقدمة البرنامج وقابلت الفنيين المعنيين بتجهيز الملابس والأثاث. تشرح لها إحدى المصممات طريقة عملها وتوضح أنها صممت أكثر من 250 بدلة بنفسها وحاكتها خياطات مختصات، كما شارك أكثر من 30 حلاقاً في تصفيف شعر الممثلين وعشرات المختصين كلفوا بمراقبة التصوير ومقارنته بالمعطيات التاريخية التي تجري أحداث المسلسل فيها. وتصغي مقدمة البرنامج جيداً إلى شروحات مصورين محترفين غالبيتهم عملوا في السينما، عن العناية التي يوليها المخرجون لعملهم ورهانهم على التصوير الخارجي، الذي شكل نقلة نوعية نقلت المسلسلات من داخل الأستوديو الى خارجه.
بعد لندن تذهب إلى الدنمارك وفرنسا وتسجل طريقة مصانع تلفزيوناتها في إنتاج بضاعتها الدرامية، لتتوصل بعدها إلى قناعة بأن هناك ثورة تحدث في عالم إنتاج الدراما حيث تعتني مصانعها وخلال كل مراحل الإنتاج بأدق التفاصيل؛ بدءاً من التمثيل ونوعيته مروراً بآخر خيط في بدلة ممثل يؤدي دور شخصية تعود إلى القرن الثامن عشر مثلاً، وصولاً إلى كتابة نصوص قادرة على إبهار الجمهور وجذبه. كل هذا الجهد الإنتاجي يفسر سبب النجاح المنقطع النظير الذي تشهده الآن صناعة الدراما ويفسر أيضاً سر انجذاب ملايين البشر ومن بينهم الممثلة جوزفين بورنبورش إلى عالم المسلسلات التلفزيونية.

(الحياة)

شاهد أيضاً

دلالات دينية في فيلم «بالتازار»: الحمار الخيّر والإنسان الشرير

سليم البيك ضمن البرنامج الذي يفتتح به سينماتيك تولوز موسمه الحالي (2017- 2018)، عُرض فيلم …