الرئيسية / . / ياسمينة ريزا روائية بعين مسرحية

ياسمينة ريزا روائية بعين مسرحية

مازن معروف

في إحدى جمل روايتها «هامركلافيير» (ترجمة نزار آغري، دار الجمل)، تقول الروائية الفرنسية الإيرانية الأصل ياسمينة ريزا: «الوقت: الموضوع الوحيد». عبارة تشكل بطانة الرواية اذا ما أعرنا الحياة برمتها إلى موضوعة الزمن. إلى هوس الإنسان بالوقت والخسارة، وبأن يخلّف لمن سيتحلقون حول جثمانه الأخير سيرة ذاتية مقنعة وجودياً إلى حدٍ ما. حتى وإن صودف عيشه وحيداً.
هامركلافيير أولى روايات ياسمينة ريزا (1959)، وكانت قد صدرت عام 1997 في طبعتها الأولى لتوضع فوراً على قائمة الروايات الأكثر مبيعاً في فرنسا. وهي أتت بصيغة فصول صغيرة، تبدو لوهلة منفصلة بعضها عن بعض. فصول شبّهها المترجم نزار آغري في مقدمة الطبعة بـ «المقاطع الصوتية» القصيرة. ريزا لم تكتبها من منطلق إخراج الكتابة المسرحية إلى النوفيلا، وإنما كي تتحدث إلى جمهور مسرحي تعتبره بغيضاً. جمهور القرن الحادي والعشرين الذي يريد تلقف المادة المكتوبة بشراهة نعم، وإنما أيضاً بسرعة ومن دون عظيم جهد. أو أنه ببساطة ذلك الجمهور الذي لم يعد برنامجه اليومي يسمح بتخصيص وقت لارتياد المسرح.
قبل صدور روايتها هذه، كانت ريزا قد نشرت مسرحيتين: «فن» (1994) وموضوعها الظاهر لوحة تشكيلية، و»رجل غير متوقع» (1995) التي تتحدث عن تأليف الرواية. وبهذا فإن نص «هامركلافيير» والذي هو عنوان سوناتا لبيتهوفن، يتحرك على أرضية ثيمتها موسيقية. إنه عمل يبحث في أثر هذه السوناتا في والد ريزا أولاً قبل أن يتحول إلى كشّاف لعلاقة ريزا الإنسانية المضطربة مع محيطها. علاقة تزكّي الرفض والحدة والتخلي عن أصدقاء بعد أن تكون طلبت رأيهم بمنتهى الصراحة. كتابها هذا أشبه باسكتشات ذات إيقاع بطيء ضمن سياقات قصصية. تمرير لأحداث اختبرتها في حياتها اليومية في مشبك السرد المفخخ بالفلسفة.
نحن مرة أخرى قبالة نتف من حياة ياسمينة ريزا. نموذج عن قابلية التفاصيل الذاتية لأن تصبح مادة تستثمر جمالياً ضمن أبعاد أدبية. شخصيات العمل تختبر مآزق وجودية فردية. يصبح المرض أو أية إشارات إلى هلاك الكائنات الوشيك، محفزات للغضب والعبث والنقمة. القارئ يُلقَّن درساً على لسان هذه الشخصيات المضطربة. ماذا لو كنا جميعاً مثلها؟ نتساءل. ما الذي سوف يتبقى لنا؟ وهل نستطيع فعلاً أن نواصل العيش بكل هذه الوحشة التي نحملها داخلنا؟ ريزا تجس من خلال علاقتها بابنتها الصغيرة، وأصدقائها ووالدها نبض العالم، صدقيته، توقفه أمام محاكمة سرية مع نفسه. هي تعرف تماماً أنها تدفع تلك الشخصيات عن حافة الفناء، جاعلة منها شخصيات لا تملك الا التكلم بكلمات مقتضبة كما لو انها فقدت طريقتها في الاحتجاج. هذا ما يجعل من هذه الشخصيات مخيّبة نوعا ما، سلبية، هاربة في الوقت ذاته من كآبتها. لهذا، قد نجدها تضحك، مثل ذلك الضحك الذي يطلقه الإنسان حين لا يعود يملك شيئاً آخر يسوّي به خلافه مع العالم. ضحك يجعل تلك الشخصيات ترتج على الحافة. أمامها الهوة السحيقة وخلفها تركة الإسفلت القاسية. ستختار أقل الأذى. وهكذا، سيسهل عليها التظاهر بأنها ساهية عن ألمها أو أنها حقاً متجاهلة بنجاح فنائيتها الوشيكة.
في أحد مشاهد الرواية تصف ريزا غابرييل صديقها. أمه في عيادة في باريس فيما هو في سويسرا. يطلب من الممرضة على الهاتف أن تقبِّل أمه من أجله فتجيب هذه الأخيرة بالقول: «لدي أشياء اخرى لأقوم بها». هذا النوع من الصدمات هو ما نختبره. صدمات ناتجة من شعور فائق لدى آخرين بالذاتية. سنتقاسم ذلك مع الشخصيات. تصبح القراءة مساً بالقارئ. رواية مكتوبة أشبه بيوميات مركّزة في دفتر مذكرات صغير. الأحداث الخافتة، المفارقات الخبيثة، واللحظات العصيبة، خلايا تلك الكتابة. قد تكون أشبه بفيلم مفزع، على رغم خلوها من مشاهد الرعب بمعناه المباشر.
فهناك الزمن ثم الفناء أبرز تبعاته، ثم تلك العلاقة الثابتة والشَرطية بين مرور الزمن وفناء المادة. من هذه «المُسَلَّمة» تنطلق ياسمينة ريزا لتصور أثر الموت في حياة الباقين، حياة أبيها وأصدقائها. لا أحد يصارع للبقاء. لذا، فإننا سنوضع قبالة شخصيات متحللة، شخصيات تغادر خشبة الحياة ببطء وألم ونزعة قوية للاستسلام. كما لو أن الحياة لا تستحق مثل تلك الصراعات الوجودية وأن الموت أكثر رأفة.
ياســمينة ريزا، الكاتبة التي تمتزج في دمها هوية إيرانية والهنغارية والفرنسية بالمعنى الثقافي، تكتب بكينونتين. واحدة مسرحية وأخرى روائية. تفسح مجالاً تعبيرياً لكل منهما. ينتج من ذلك في الغالب رواية بصيغة مسرحية أو مسرحية مموهة في قالب روائي. كتابة نشعر بأنها لم ترد إلينا إلا بعد تعرضها لعـــملية تكرير طويلة. كما لو أنها تسوية أسلوبية غرضها أن ترضي الكاتبة والمـــسرحية في ياسمين ريزا وأن تعرض الجملة الـــسردية على آلية القطــــع والإيجاز والشعر، راسمة احتمالاً آخر في الكـــتابة الروائية. «هامركلافيير» سرد ضد المطولات والثرثرة. حيث يمكن بكلمات ضئيلة تصوير إنسان القرن الواحد والعشرين كذئب مكسور، فاقد الحكمة أحياناً، محاط بالعبث ومنقاداً بسلوكه الفظ الذي يدفع به نحو الحدث.
لكن هل هي فعلاً رواية ليس من الممكن لعبها على الخشبة؟ لو أجبنا بنعم، فإن هذا سيكون بمثابة تزكية للاعتبارات التقليدية للكتابة المسرحية. بمعنى، ما الذي يمنع أن تكون كتابة المسرح عبارة عن متتاليات مشهدية قصيرة، مونولوغات حادة ومخصبة بالمناخات المتقلبة والمتداخلة والمتناقضة أيضاً؟ أليست هذه ألوان الحوار الذي نقيمه مع ذواتنا في عالم يذكرنا دوماً بتنازله عن وجودنا؟

(الحياة)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …