الرئيسية / إصدارات / قوة الرمز والأسطورة في «نوميديا» المغربي طارق بكاري

قوة الرمز والأسطورة في «نوميديا» المغربي طارق بكاري

مصطفى الورياغلي العبدلاوي

حققت رواية «نوميديا» نجاحا في مستوى التلقي لدى جمهور القراء والنقاد لأسباب متعددة ومتباينة، وهذا التعدد والتباين في أسباب النجاح والانتشار هو من سمات الأعمال الإبداعية الناجحة، خاصة في المجال الروائي. ذلك أن الرواية جنس أدبيٌّ قلق بطبعه، متعدد الأبعاد، يملك من المكونات والسمات ما قد يختلف من رواية لأخرى، يستثير الأسئلة ويستفز القارئ ونادرا ما يُصدر الجوابَ القاطعَ والرأيَ المطمئن إلى حقيقته وصحتِه.
ولعل من أهم الجوانب التي أثارت الاهتمام في بناء الرواية وبُعدِها الجمالي والإنساني ذلك التصويرَ التراجيديَّ للأحداث، الذي تتوالى فصوله وتتصاعد، إلى أن يبلغ قمته في الفصل ما قبل الأخير، عندما يخرج البطل مراد أو أوداد في آخر الليل من الفندق في ما يشبه الحمى والهذيان، ويصعد إلى قمة الجبل تحت الأمطار العاصفة، يبحث عن نهايته، ملاحقًا طيف نوميديا الأمازيغية الفاتنة. وهو بذلك يعيد رحلة أوداد، الوعلِ الصغير، عندما تسلّق الجبل إلى قمة الهاوية، حيث شارف على الموت، غير أنه عاد ونزل نحو الحياة مدفوعا بأمل أن يكون المستقبل أرحم من الماضي. عاد أوداد الصغير إلى الحياة وعالم الناس، وكبر وقطع في حياته مآسيَ كثيرة هدّت كيانه وروحه، فعاد بعد أعوام وأعوام، قضاها في قسوة المدينة، ونضال الجامعة، وغربة الهجرة في أوروبا، عاد وقد تيسّرت أحوالُهُ الماديةُ وصار أستاذًا جامعيًا، عاد إلى صعود الهاوية ذاتها، لكن هذه المرة بدون أمل أو رجاء، سوى ملاحقة طيف نوميديا مثل من يلاحق سرابا لا يقترب إلا ليبتعد. ولكي تتشكَّل التراجيديا أمام عيني القارئ، ويدرك أبعادها، كان لزامًا على الكاتب أن يركِّزَ تلك المآسيَ العديدةَ والطويلةَ في فضاء روائي محدود، فعاد ببطله مراد أو أوداد إلى الفضاء الأصل، قرية إغرم التي شهدت فصول المأساة الأولى، والحدثَ الأَوّلَ المفجِّرَ للمأساة بكاملها؛ يقول البطل: «إن المسارات المتتالية التي مُنيتُ بها لم تكن سوى امتدادٍ لخسارتي الأولى، خسارتي لذلك الحنان الأولي والضروري، خسارتي لوالديّ». وهو بذلك يشير إلى واقعة تخلي والديه عنه وليدا في العراء والتقاطِهِ من لدن أحد رجال القرية. فانتقال البطل إلى هذا الفضاء الأصل سيستدعي بقوة كلَّ تلك المآسي والذكرياتِ ويُركِّزُها في ذهنه لكي يعيشها من جديد، ويعيشَها معه القارئ؛ عاد، كما يقول السارد، «كحصان متعب، يجر خلفه عربة مليئة بالأحزان الثقيلة والأفراح الموؤدة».
وبالإضافة إلى الفضاء تساهم عناصر أخرى في توتير البناء التراجيدي في النص مثل حضور شخصيات محفزة ومحركة للمأساة، إما حضورا مباشرا مثل شخصية نضال وما تستحضره معها من ذكريات النضال والجامعة والصراع ضد السلطة والظلام، وشخصيةِ جوليا التي تحقنه بمواد كيميائية تهيِّج ذكرياته وهواجسَهُ وتحاصره بأسئلتها عن ماضيه لتغذِّيَ روايتَها التي تُخطط لكتابتها عنه، أو شخصيةِ خولة وهي تحضر بوساطة مذكراتها التي تُطلع البطل والقارئَ معًا على مأساتها التي هي فصل من فصول مأساته. ولن نجد أدلَّ من ذلك التشبيه الذي يصور به البطلُ تواليَ فصول مآسي حياته، حيث جعلها مثل كرة ثلج ظلت تتدحرج وتكبر عبر حياته بكاملها إلى أن أضحت عظيمة جدا، وكانت «إغرم حائطًا متماسكًا لا يزيده تقدمُ الزمن إلا قوةً .. أمرٌ طبيعيٌّ إذن أن تصطدم كرةُ الثلج بالحائط وأن تتفتّت».
ولا يقف البعد التراجيدي في الرواية عند حدود البناء وتوتر الأحداث، بل يظهر جليًّا أيضًا في طبيعة شخصية البطل مراد أو أوداد؛ بطلٌ تراجيديٌّ بامتياز، من طينة أبطال التراجيديا اليونانية. يدرك مصيره المأساويَّ الحتميَّ ويسير نحوه بدون تردد. إنه قَدَرُه. وهو لم يعد إلى إغرم إلا ليواجه قدره؛ حتى جوليا تتساءل باستغراب وحرقة لماذا يقبل منها، في ليلته الأخيرة، أن تحقنه بحقنتها المميتة، وهو يعلم بحقيقة فعلها وخطورته، بل إن الجنس ذاتَه «لا يعدو أن يكون (بالنسبة إلى البطل) مجردَ محاولةٍ يائسةٍ للانتقام من القدر».
إن كل ما يأتيه البطل من أفعال إنما يرمي من خلالها إلى فهم سر أو أسرار هذا القدر؛ هل هو قدر ميتافيزيقي من تقدير الله أم هو مصير اجتماعي من فعل الإنسان والمجتمع؛ يتساءل البطل وسط فرح الآخرين: «لماذا أكون أنا النشازَ الوحيدَ في جو تغمره البهجة؟ ألآن الله حمّلني أكثر ممّا تطيق هشاشتي، أم لأن عباده جرجروا قلبي في الطرق الشائكة الملتوية .. أم هما معًا تحالفا ليجعلا مني وجعًا بملامحَ بشريةٍ أنيقة؟». إن سؤال الهوية ذاتَهُ «من أنا؟» يفقد معناه في سياق مصير البطل التراجيدي؛ يقول مراد: «تطلّعتُ إلى المرآة متسائلاً: أأنا أنا؟ ووجدتُ في المرآة أن هذا السؤالَ فارغٌ من أيِّ معنى، فقد اكتشفتُ ربما من البدايات الأولى أنني لستُ سوى مشجبٍ تُعلَّقُ عليه أخطاءُ الآخرين..».
وكل الشخصيات المحيطةِ بالبطل، سواء في الماضي أم الحاضر، لها دور في مأساته الشخصية: والداه اللذان تخلَّيا عنه وليدًا، خولة بحبها الصادق البريء وانتحارِها الفاجع بسبب حَملها منه وغيابِهِ في الخارج بعيدا عنها، وجوليا التي مكرت به وخدعته بأكاذيبها وظلت تحقنه بمواد مهيجة للذاكرة والوساوس وتدفعه إلى الهلاك لتصنع منه شخصية روائية، ومصطفى صديقُه الذي فجّره إرهاب الظلام، ونضال المناضلة الجامعية السابقة التي تزوجت من رأسماليٍّ يكبرها، وتزور البطل بحثا عن متعة الجنس وحبٍّ مستحيل. وحدها نوميديا، الفاتنةُ الأمازيغية، شكلت في عالم البطل المأساويِّ نافذة مشرعة على الأمل، غير أن حضورها ظل مثل السراب، متذبذبًا بين الحقيقة والخيال.
وطبعا لا يمكن أن تُغفل في هذا السياق وظيفة اللغة الروائية الشاعرة في هذا النص، لأنها شكّلت أهم الدعائم التي اعتمدها في تصوير مأساة البطل والارتقاء بها في كثير من الأحيان من مأساة شخصية إلى مأساة اجتماعية إلى مأساة وجودية إنسانية. وتضطلع الصور في النص بوظائف شبيهة بوظائف الأحلام وزلاّت اللسان وفلتات الأقلام في التحليل النفسي؛ تبدو في الظاهر عارضة غير أنها تكشف الجوهريَّ والعميق في دلالات النص الروائي، حيث يكفي، على سبيل التمثيل، أن تُشبَّه جوليا بالرُّومي صاحب القلعة القديمة، لتكتسي شخصيتُها بعدًا أعمَّ يربطها بالسياق الاستعماري وبالإمبريالية بوجهيها التقليدي والجديد.
أما توظيف الأسطورة والرمز فتكفي الإشارة هنا إلى رمز نوميديا الذي حظي بالكثير من الاهتمام والتأويل؛ يتعلّق البطل بطيفها لأنها، مثل قرية إغرم، الأصلُ الأولُ والأمُّ الرؤوم. ولعل هذا التأويل الذي يوحِّد بين نوميديا وإغرم والأم هو ما قد يفسِّر كون البطل على الرغم من تصويره الجنسي لمفاتن الحسناء نوميديا إلا أنه لا يظفر بها جنسيًّا إلا في الحلم، وهذا ما يتجلى بشكل واضح في هذا المقطع الدّال الذي يجمع بين الأقانيم الثلاثة: نوميديا وإغرم والأم. يقول البطل/السارد: «إغرم لا تلتفتُ لغيابي أو حضوري، لا فرق! إغرم كنوميديا تعيشني كما تشاء هي بدون أن أظفر بفرصتي لأعيشها.. هكذا شاءت نواميسها، تعيش بنا أو دوننا، الأمر سيان عندها، إنها في ملكوت سحرها وبهائها هي الأصلُ والمبتدأ، وهي المنتهى. أما مراد الوعل، فليس سوى عابر سقط سهوًا من مكان ما، ووجد نفسه في أحضانها، فتشبّثَ بها ظنًّا منه أنها أمُّهُ».

٭ كاتب من المغرب

NO COMMENTS
أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية – لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد —- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

 

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

كتاب يجمع بين كبار فلاسفة الإسلام

أحمد رجب شلتوت بلغت الفلسفة الإسلامية أوجها عند الكندي الذي لُقّب بالمعلم الأول، والفارابي الذي …