الرئيسية / . / شوقي بغدادي: جمهورية الخوف وما لم يفعله تيمورلنك

شوقي بغدادي: جمهورية الخوف وما لم يفعله تيمورلنك

بسمة شيخو

الجديد: قصائدك الأخيرة التي ستصدر في ديوان تحت عنوان “جمهورية الخوف” تتمحور حول الوطن وما يحدث فيه، هل تعتبر الكتابة خارج هذا الإطار خيانة كما يرى كثر أم أن عين الشاعر لم تعد تبصر إلا ذاك؟
شوقي بغدادي: دعونا من لفظ “الخيانة” في هذا السؤال مهما نظم الشاعر فهو حرّ في اختيار موضوعه وهو غير مطالب إلا بأن تكون قصيدته الجديدة جميلةً بحق. ولكن ماذا يصنع الشاعر حين يجد بلده يحترق بأكمله كما يحدث الآن لوطنٍ كان يُسمّى “سوريا” وقد بدأت تتفتت إلى “كانتونات” لا بد لهذا الشاعر -إذا كان شاعراً بحقّ لا مجرّد نظّام كلمات- من أن يصرخ أو يتأوه متوجعاً أو يخرس إذا ما ضيّقوا عليه الخناق.

هذا ما رأيت نفسي غارقا فيه؛ ليس سوى الخوف ما يحكم حياتنا الآن من أيّ مصيرٍ يهدد البلد وما من مصيرٍ كما يبدو إلا حكم الاستبداد أو الحرب الأهلية. عن أيّ موضوعٍ إذن أجد نفسي مدفوعاً للتعبير عنه شعراً أو نثراً؟

خذوا مثلاً على ذلك عشقنا للطبيعة الجميلة أو المرأة الحلوة، ثمّة مثلاً شجرة توتٍ ضخمة كانت تغطّي ذات يوم جانباً من حديقة لأحد الأصدقاء في حيّ “القصاع″ من الجانب القريب من حيّ “جوبر”، هذه الشجرة الرائعة التي طالما أكلنا أطيب التوت من أغصانها القريبة من أيدينا أو من صحاف الضيافة وجدتها في زيارة نادرة إلى المنطقة قد قصفت جذعها القنابل واختفى الورق الأخضر والثمر العسليّ الأسمر، هل أكتب عن الشجرة أم عن البيت الذي تهدّم نصفه؟ وتلك الفتاة التي سحرتني بجمالها وكتاباتها، هل أتغزل بها أم أرثي أخاها الذي مات في المعتقل؟

هذه هي مشكلتنا الآن نحن الشعراء، يجب أن نموت كما تموت بلادنا وإنْ لا، فمن نحن في جمهورية الخوف هذه؟!
الشعراء يرحلون

◄ الجديد: رفاق الشعر يرحلون واحداً تلو الآخر، هل تودّعهم كأصدقاء أم تودّع زماناً للشعر لن يعود؟
شوقي بغدادي: ليسوا كلّهم أصدقاء بالتأكيد، وهل بقي أصدقاء بحق في هذا الزمن الوحشي؟

الحق الحق أن زمان الشعر ولّى ولن تبقى منه سوى الذكريات المدرسية.

نزلت بي هذه الصفعة الفكرية منذ سنين، منذ بدأ “ديوان العرب” يغدو ملعباً للمهارات المجازيّة واللعب اللغوي والهذر الصحفي. حدث هذا منذ سنين وعلى الأخص حين فاجأني أحد أصحاب دور النشر الفرنسية في حوار بيننا منذ أكثر من ربع قرن -كما أذكر- بقوله حول حالة الشعر في بلاده:

لم تعد دور النشر الفرنسية تنشر الشعر وإذا فعلت فهي تنشر أشعار فيكتور هوغو ولامارتين وألفرد ده موسيه وأمثالهم كل عام بآلاف النسخ، إنما الشعر الجديد فلا تغامر بإصداره إلا نادراً ويكاد لا يصدر في العام الواحد أكثر من ثلاث مجموعات شعرية لشعراء جُدد يجب أن يكرّسوا جدارتهم من قبل في المجلات رفيعة المستوى وبعدد محدود لا يتجاوز الألفي نسخة أو الثلاثة ولا تباع كلها إلا بعد جهدٍ جاهد.

متى حدث ذلك؟ ولماذا حدث؟

الحكاية مريرة وطويلة معقّدة موجعة، أحاول اختصارها بقولي إنه كان للشعر زمان حين كان البشر مسكونين بالشعر في أي مكان وزمان، سواء أنظروا إلى للسماء أم إلى الأرض، إلى النجوم أم إلى العشب الطازج أو لعابري السبيل، زمنٌ لم يكن فنٌّ أهم من الشعر والموسيقى في فتح النوافذ المغلقة على الروح والجمال.

لا أريد أن أتشاءم كثيراً، أريد أن أتناول كإنسانٍ أولاً وكشاعرٍ ثانياً. وتصديقاً لمن رحل من أصدقاء الشعر أن الحضارة الحديثة بما اخترعته من أجهزة للتواصل والتسلية قد خلقت مناخاً لفنون مستحدثة أكثر جاذبية من الإبداعات اللغوية، وقد يظفر الشعر ببعض الفسحات الروحية فيجد البشر وسيلةً للاحتفاظ به، كما يصنعون الآن في نضالهم لإنقاذ الكوكب الذي نعيش عليه من ويلات التصحر وارتفاع درجات الحرارة وبالتالي في ابتكار حضارة عادلة لا تتعارض مع الشعر والبيئة الشعرية.

كوفية الشاعر
◄ الجديد: أخبرتني مرّةً أنك تحتفظ بكوفيّة أهداك إياها سميح القاسم رحمه الله، ما تعني لك؟ وهل من ذكريات تحمل قصصاً مع بعض الراحلين الذين كانوا يعتبرون من أصدقائك السيّاب، القاسم، سليمان العيسى؟
شوقي بغدادي: احتفظتُ فعلاً طويلاً بهذه الكوفيّة إلى أن زار سميح القاسم -رحمه الله- دمشق وفاجأنا بقصيدة مديحٍ سَبَق بها المتنبي -رحمه الله- في مدحه لكافور، فتخلّيتُ عن الكوفيّة وظلّت ذكراي عن القاسم بالرغم من حبّي الشخصي لسميح كشاعر وصاحب تاريخ وطني نظيف ظلّت مصابة بسوأة لا تليق بسمعته.

أما السيّاب فلم يُتح لي أن أتعرف عليه شخصياً ولهذا ظلّ حبّي له ولشعره خالياً من المتاعب. أما سليمان العيسى فقد كنا دائماً زميلين متقاربين غير أن زوجته الدكتورة ملك أبيض -مدّ الله في عمرها- رفضت مشاركتي في تأبين زوجها بعد أن أخبروني بوساطة الدكتور محمود السيّد، هذا الصديق العزيز الذي لا أنساه أبداً، أن اللجنة موافقة على اشتراكي، والظاهر أنّ هناك سوء تفاهم حصل بين اللجنة المكلّفة بتنظيم احتفال التأبين والدكتور السيّد وهكذا أفسدت الزوجة -الوفيّة لزوجها- نوعاً ما علاقةً صافية لي بالمرحوم الذي كان شاعر القومية العربية والأطفال العرب طوال حياته.

وظلّ ما كتبت في رثائه حاضراً، أذكر منه:
كنتُ أسرجتُ للرّحيل حصاني/ منْ زَمَانٍ فَمَا الذِي أبْقَاني؟!

الثَّمانُونَ جزتها وزهيرٌ /باتَ خلْفِي فمن رآه رآني

ألأنّ العُنْفَ اسْتحَالَ اعتياداً /في جُنُون الأَخْبَار والحِرْمَان

أمْ لأنَّ الكُرْه اسْتَوى فَوْقَ عَرشٍ /منْ رَمَادٍ وَلَظىً ودُخَان

أمْ لأنَّ الرُّؤْيَا سِوَى مَا نَرَاهُ/ والزَّمَانُ الجَدِيدُ غَيْرُ زَمَانِي

قَطْرَةُ الحُبِّ مَا تَزَالُ تَرُدُّ الـ /قَيْظَ عَنْهَا بِمِسْحَةٍ مِنْ حَنَان

غَيْرَ أَنَّ الرِّمَالَ تَطْغَى عَلَى الوَا/ حَاتِ حَتَّى لاَ بِئْرَ فِي البُسْتَان

أَجَفافُ الرِّمَالِ هَذَا أَمْ الإِنْـ/ سَانُ وَحْشٌ فِي سِحْنَةِ الإِنْسَان؟

فَهَنِيئاً لِمَنْ مَضَى يَا أَبَا مَعْـ/ نٍ وَأَنْتَ السبَّاقُ فِي الأَحْزَان

كُنْتَ نِسْراً حِينَ انْقَضَضْتَ عَلَى البَا/غِي فَزَعْزَعْتَ دَوْرَة الطُّغْيَان

صِرْتَ طِفْلاً حِينَ الكِبَارُ تَوارَوْا/ خَلْفَ زَيْفِ الضَّجِيجِ وَالمِهْرَجَان.
وراء دمشق

◄ الجديد: من بين ما قرأتُ من دواوينك كان “البحث عن دمشق” أكثرها ألماً، هل كنت تتوقع ما سيحدث هنا وأنت اليساري الذي زار سجون دمشق؟ وهل ما زلت تبحث عن دمشق حتى اليوم؟
شوقي بغدادي: لا لم أكن أتوقع إطلاقاً ما حدث ويحدث لدمشق وأنا اليساري دوماً الذي زرت أفخم سجون دمشق وما أكثرها وأفخمها!

أما بخصوص بحثي عن دمشق فالظاهر أنني يجب أن أكفّ عن هذا البحث إذ لم يبق من دمشق إلا الجامع الأموي والقصر الرئاسي الرابض فوق هضبةٍ تطلّ على دمشق منذ خمسين عاماً وإلى الأبد!

تلك الرحلة
◄ الجديد: جلت أوربا في الستينات بسيارتك، ماذا أكسبتك شعريّاً وإنسانياً، هل تعتبر الحياة التي عشتها أطول من تلك الرحلة؟
شوقي بغدادي: حياتي أطول من تلك الرحلة بالتأكيد، ليس زمنيّاً فحسب بل غنىً في الشكل والمضمون وتحتاج إلى مجلّدات من الطرائف والتجارب قد أعترف بها ذات يومٍ في مذكرات ما أزال أتردد في كتابتها، ولكن دعونا من هذا الحديث الآن.. لنتحدث عن تلك الرحلة فقط، يا لها من رحلة! لكم أكسبتني شعريّاً وإنسانياً! أكسبتني مثلاً قصيدةً من أعمق ما نظمت في حياتي وهذه هي بأكملها تحت عنوانها “الهروب من اللعنة”:
(كلّ الأقبيّة المخفيّة/ وجميع الغرف السريّة/ كل الأغوار الحجرية/ وجميع الحفر المنسيّة/ كلّ الأكواخ المرميّة/ في اقصى أقصى البريّة/ هذي الأشياء الصغرى الملأى حيويّة/ قد رفّ بها عصفور القلب كما في القصص السحريّة/ واجتاز الأعتاب البوّاب/ وانكشفت أسرار الأبواب/ وتحوّل عشق العذريين/ إلى الرغبات الجسديّة/ فامتصّوا بالفم والكفين/جميع المتع الروحيّة…)

هل أتابع إنشاد هذه القصيدة؟ لا بأس، سأتابع:
(ماذا في المائدة الكبرى إنّي متخوم/ ماذا خلف المدن الأخرى عِقدي منظوم/ تتلاحق باستمرارٍ فيه شموس ونجوم/ لكنّي الآن أحسّ بأن الجوع عاد معي/ وبأني لم آكل إلا لأجوعْ/ والآن أحاول أن أنكر حرمان المحروم/ فأفتش كالمحموم/ أتخيّل أن الشعر اجتاز معي الأبعاد/ لم يوغل إلا كي يرجع أحفل/ ينثر من جعبته الأطيب والأفضل/ لكني الآن أرى الأشياء بشكلٍ آخر/ أسوأ أم أفضل/ لا أدري فالدنيا ليست كالشعر/ والدنيا لا يمكن أن يدركها الإنسان/ لكنا نجهد أن نرسم بالألوان/ نهراً أو جبلاً أو بعض الأغصان/ ونرى من بعد بأن المنظر كان/ لا يشبه ذاك الماء/ ولا تلك الأحجار/ ولا ذاك البستان/ فلماذا نجهد أن نعرف أكثر/ ما دام المنظر لا يمكن أن يتكرّر/ سأمرّ غداً بالوجه المظلم للقمر/ ولكأني مطرودٌ في الكون/ وملعونٌ أتهرب من قدري…)

هذه هي القصيدة انتهت، كلّا لن تنتهي، فأنا ألاحظ حتى اليوم أن هذه القصيدة كانت نموذجاً للشعر-كما يجب أن يكون- استيحاءً من الواقع الحيّ والارتفاع به إلى مستوى كونيّ سوف يتكرر فيما بعد بأشكال متنوّعة لتجربتي الشعرية، ماذا نأخذ من الواقع وماذا نأخذ من الخيال وكيف نمزج هذه الصياغة بوساطة اللغة، في هذه القصيدة توجد كل البحيرات الساحرة التي توقّفت على شاطئها مع رحّالة آخرين وكل الغابات وكل القرى وكل القرويات بثيابهن الملوّنة الفضفاضة وضيافتهن الكريمة كل الأمسيات الحافلة بالرقص والحبّ والشراب مع أناسٍ لا أعرفهم ولا يعرفونني ولكننا نغدو كالعشاق في صعود هذا اللقاء إلى مناخ احتفالي أكاد أقول “سماويّ”؛ على الطريق مثلاً استوقفتني وأنا مندفعٌ بسيارتي “الفولسفاكن” بإشارة السماح للسوّاح على طريقة (auto stop) فلا أبالي بهم، أو أتوقف أحياناً إذا أعجبتني وجوههم وأراحتني كالفتاتين اللتين من “إيرلندا الشمالية” حين حملتهما معي إلى حدود اليونان في حين كنت راغباً في زيارة بلغاريا، على هذا الطريق توقفنا في أكثر من قرية أنا والفتاتان وقضينا الليل في تلك القرى بعد سهرةٍ عامرة وكيف في إحدى الليالي زحفتُ مع إحداهما -وكانت الأطول والأجمل- إلى غابة قريبة حيث تمتعنا بسهرةٍ خارقة ذكّرتني تفاصيلها بمشهد غرامي للّقاء الجسدي على العشب في رواية “عشيق الليدي تشاترلي” للكاتب البريطاني ديفيد لورانس حين تعرّى العاشقان وراح الرجل يجمع الأزهار حول جسد عشيقته العارية قبل أن يلتحم بها.

وفي بلغاريا حيث هربت معي بالسيارة فتاةٌ بلغارية من صاحبها الذي تشاجرت معه وكيف أرجعتها إليه في اليوم التالي إلى الفندق الذي كنا فيه أمس.

ماذا أروي عن تلك الرحلة وعن أنظمة السير مثلاً في البلدان التي مررت بها وعن أنظمة الحكم ورجال الشرطة وعن الكنائس والكاتدرائيات التي تعشق أبراجُها صعوداً إلى السماء كمن يريد أن يقترب دون جدوى من الله، وعن الصلوات في بعض المساجد وعن عالمٌ آخر غير عالمنا المتخلّف، يا لها من رحلة!
◄ الجديد: لم تغادر دمشق كما فعل كثيرون، ولا هي غادرتك. فماذا منحك بقاؤك هنا كإنسان وكشاعر؟

شوقي بغدادي: لقد منحني الكثير كإنسان وكشاعر، فأنا كإنسان يواجه المحنة غير المسبوقة بهولها ودمارها ويتعرّض ليلاً ونهاراً للرعب والألم العميق وهو يرى الدمار المريع يوشك أن يسقط على رأسه هو وأسرته ويبقى مع ذلك على قيد الحياة كي تعصف به مشاعر لا يمكن أن تأخذه إذا تحوَّل إلى مهاجر، وما أروع وأفظع الفارق بين مشاعر من يرى القصف الوحشي على الشاشة الصغيرة ومن تثقب قلبه وأذنيه الانفجارات والدوس الذي يصاحبها والخوف الذي يكتسح المواطن وهو يرتعش معها؛ هنا فقط بدأتُ أفهم أكثر من أيّ وقتٍ مضى ماذا يعنيه هوس الاحتفاظ بالسلطة أو انتزاعها من المستولي عليها إن كتب التاريخ والأفلام كما قال جان جنيه ذات يوم حين زار في بيروت مخيّم “صبرا” و”شاتيلا” بعد المجزرة التي أودت بحياة المئات بل الآلاف من الفلسطينيين “فرقٌ كبير بين أن تقفز فوق الجثث المطروحة أمامك كي تتابع سيرك وبين أن تراها بالتلفزيون”.

أما ماذا منحني بقائي هذا كشاعر فقد غدوت أكثر قدرة على اقتناص التعبير الشعري المناسب للتجربة القاسية، تماماً كما يصنع القنّاص الذي يطلق النار من مخبئه ويردي من يشاء من المارة، هو يطلق النار وأنا أطلق الجملة الشعرية ولكن لا أقتل أحداً أو أحرّض على قتل أحد بل لأمنع القاتل من أن يقتل وأغريه أن يسامح.
قلب الشاعر
◄ الجديد: بين ديوانك الأول “أكثر من قلب واحد” وديوانك الأخير “جمهورية الخوف” أين قلب شوقي بغدادي؟
شوقي بغدادي: سؤال لطيف، وخطير معاً! كان قلبي ذات يوم على الأرض ومع الناس، أما الآن فقد صار مع الكون مع خالق الكون كي أسأله: ماذا صنعت بقلبي؟ وفيم ينبض حتى الآن مع أن عمري تجاوز الثمانين، يا إلهي، يا حبيبي، أرجوك خذ أمانتك وأرحني أو أنقذ قلب وطني قبل أن نخسره إلى الأبد.
انحدار أخلاقي
◄ الجديد: كتبت شعراً للأطفال في أكثر من مجموعة، لمَ توقفت عن الكتابة للطفل في ظلّ هذا الانحدار الثقافي؟
شوقي بغدادي: صحيح، هو انحدار ثقافي، بل هو انحدار أخلاقي أو إنساني، إنه انحدارٌ عن الطفل نفسه وكأن كلّ محاولة لمخاطبة الأطفال باتت مستحيلة بعد أن خابت كل محاولة لمخاطبة الكبار.

أيّ طفلٍ سيقرأ هذا الشعر وهو يركض وراء أبيه وأمّه وخالته وعمّته على طرقات أوروبا المذعورة من تدفق اللاجئين السوريين وغير السوريين عليها.
إنه الهزل

◄ الجديد: أين تجد الشعر بعد أن تكاثرت عليه الأقلام وتنازعه الغرباء؟
شوقي بغدادي: أين أجد الشعر؟ يا له من سؤال! لا أجد جواباً عليه، في مثل هذه المنافسة “غير الشرعية” إلا بما يشبه ما قاله الشاعر الفلسطيني الملهم إبراهيم طوقان في رسالةٍ بَعثَ بها إلى صديقه الكاتب اللبناني الظريف قسطنطين زريق “أكثر ما يأتيني الإلهام في هذه الأيام حين أكون في المرحاض مسترخياً مستسلماً لمتعتي.. إلخ”.

أما أنا فأراني أكثر تهذيباً وإن كنت ضمناً موافقاً طوقان على سخريته بأن أقول “أكثر ما يأتيني الإلهام في هذه الأيام وأنا في التواليت أدخل منطقة الحلال والحرام على إيقاع صواريخ السلام!”.

حكاية المتنبي
◄ الجديد: المتنبي ما زال متربعاً عرش ذاكرتك أم أن السنوات ثارت عليه وغيّرت هذا الأمر؟
شوقي بغدادي: لا، لم تتغير مكانة المتنبي عندي حتى الآن، ذلك أن المتنبي هو الشاعر الوحيد الذي استطاع أن يقنعني أنه من المستحيل على الشاعر الحقيقي أن يمدح حاكماً غير جدير بالمديح؛ اقرؤوا مدائحه في كافور تجدوا الجواب واضحاً على ما أقول.

قال المتنبي يذكر خروج شبيب العقيلي على الأستاذ كافور وقتله بدمشق سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة:
عدوّك مذمومٌ بكلّ لسانِ

ولو كان من أعدائك القمرانِ

وللّه سرٌّ في علاك وإنّما

كلام العدا ضربٌ من الهذيانِ

وقد قال ابن جنيّ في البيت الأول “هذا المدح ينعكس هجاءً، فأنت -يا كافور- رَذلٌ ساقط والساقط لا يضاهيه إلا مثله، وإذا كان معاديك مثلك فهو مذمومٌ بكلّ لسان كما أنك كذلك ولو عاداك القمران”. وبشرح آخر لهذا الكلام ننبّه إلى استخدام مصطلح “القمرين” أي الشمس والقمر، أنهما مذمومان في عرف المقارنة بين عدوّ كافور والقمرين والحق أن الشمس والقمر لا يمكن أن تذمّا فلا بدّ إذن أن يكون عدوّ القمرين هو المذموم أي كافور بالطبع.

هو انحدار ثقافي، بل هو انحدار أخلاقي أو إنساني، إنه انحدارٌ عن الطفل نفسه وكأن كلّ محاولة لمخاطبة الأطفال باتت مستحيلة بعد أن خابت كل محاولة لمخاطبة الكبار
وفي البيت الثاني يقول الواحدي “وهذا إلى الهجاء أقرب لأنه نسب علوّ كافور على الناس إلى قدر جرى به من غير استحقاق، والقدر قد يوافق بعض الناس فيعلو ويرتفع على الأقران وإن كان ساقطاً باتفاق من القضاء”.

وفي قصيدته التي مدح بها كافور لا بد أن نلاحظ أن مطلع هذه القصيدة يتعارض نفسياً وفنياً مع المديح إذ يندفع في اثني عشر بيتاً يمكن أن تفسر بأنها نوع من المرارة في التعبير حين يجعل الموت مثلاً شافياً من الداء والمقصود بالداء هو القطيعة التي شجّع عليها سيف الدولة خصوم المتنبي أن يهاجموه حتى ضاق به المكان وقرّر الهجرة إلى مصر وكأن هذه الهجرة شبيهةٌ بالموت المعنوي لشاعرٍ كبير يضطر إلى اللجوء لحاكمٍ لا يحبّه أصلاً إذ يراه دون مرتبته كشاعر كما في هذه الأبيات:
كفى بك داءٍ أن ترى الموت شافياً

وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا

تمنيّتها لما تمنيّت أن ترى

صديقاً فأعيا أو عدوّاً مداجيا

فكيف ينسجم هذا القول في أن المتنبي صار يتمنى الموت حين لم يجد صديقاً ولا عدوّاً مداجياً في حين أنه سيمدح كافورا بعد هذه الأبيات مباشرةً وكأنه خير صديقٍ يلجأ إليه ويغرقه بالتكريم والهبات الماليّة؟! حين بدأ المديح بهذا البيت الذي لا يُصدّق بسبب مبالغته:
ولكنّ بالفسطاط بحراً أزرتُه

حياتي ونصحي والهوى والقوافيا

قد لا يُرضي هذا القلق في المديح بعض النقّاد وهم محقّون بذلك حسب معاييرهم التقليدية، ولكنني أفهم من هذا القلق أو المراوغة أو المبالغة نوعاً من الصدق مع النفس والوفاء لصداقته مع سيف الدولة وخاصةً حين يقول قبل هذا البيت في المديح مباشرةً:
خُلقتُ ألوفاً لو رحلت إلى الصِبا

لفارقت شيبي موجعَ القلب باكيا

هذا ما أعجبني في المتنبي وأعني صفاته الشخصية كإنسانٍ كبير لا يتخلى عن صديقه، لكن هذا الإعجاب لم ينحصر في الصفات الشخصية كإعجاب أخلاقي فقط بل لأن المتنبي استطاع أن يكون نزيهاً دائماً وأن يعبّر عن سموّه الأخلاقي في كلّ ما قاله من الشعر وبهذا المعنى فإن حكمة المتنبي جعلت “المعرّي” وهو الحكيم الأكبر في التراث العربي يدافع عن المتنبي كشاعرٍ لا مثيل له حين عارض في زيارةٍ له لبغداد وهو يستمع من أحد خطباء المساجد كلاماً ينتقد فيه المتنبي بعد وفاته بأسلوبٍ كريه فاعترض المعرّي كلامه بقوله: يكفي المتنبي عظمةً قوله:
مرآةٌ صغيرة تعكس جانباً من تجربة الشاعر

وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ

فهي الشهادة لي بأنّي كاملُ

هذا المستوى الرفيق للفن الشعري والرفعة الشخصيّة في وحدة متكاملة أخذت بألباب الناس في عصره وبعد ذلك حتى الآن. وإنْ لا فمن هو الشاعر العربي الذي بلغ هذا الشأوَ الرفيع الخالد باستمرار غير المتنبي أو أفضل من المتنبي؟

بلى نحن ما زلنا حتى بحاجة إلى “متنبّي” آخر لم يظهر حتى الآن مع الأسف الشديد.
لست راضيا
◄ الجديد: هل ينظر شوقي بغدادي بعين الرضا لتجربته الشعرية؟ هل أنت نادمٌ على شيء؟ وفي الحياة أيضاً؟
شوقي بغدادي: أنا غير راضٍ على الإطلاق ليس على تجربتي الشعرية فقط بل على الحياة التي عشتها عموماً كمعلّم في المدارس الثانويّة!

ليتني كنت رجل أعمال في صناعة الأقمار الصناعيّة، إذن لاخترت منها قمراً وسكنت فيه إلى الأبد بعيداً عن الفلسفة الماركسية أو الوجودية أو الرأسمالية أو الفلسفة المرتدية عباءة مذهبية طائفية.

ما لم يفعله تيمورلنك
◄ الجديد: بعد كل ما جرى ويجري، ماذا تنتظر، هل ثمة أمنيات شخصية وعلى الصعيد الشعري؟
شوقي بغدادي: آخ، آخ يا أعزائي، يا قرّائي، يا من تطرحون عليّ سؤالاً موجعنا كهذا السؤال!

ما هي أمنياتي بعد كلّ هذه البشاعات، بعد كل هذا الهلاك والويلات التي لم يقترفها حتى تيمورلنك الذي لم يبق في دمشق سوى أربعين يوماً! ثم رحل! وهكذا تكاتف سكان الغوطتين: الشرقية والغربية على إعادة إعمار دمشق ونجحوا في ذلك في أمدٍ قصير نسبياً.

الآن لم يبق من الغوطتين سوى شجرتين، وأربعة فلاحين مقعدين، وخمسة عجائز وتسعة أطفال، لا تضحكوا على هذه الأرقام قد تكون أكثر ولكن الخراب مستمر حتى بعد وقف إطلاق النار.

(العرب)

شاهد أيضاً

نيرمينة الرفاعي.. في نص بلا اسم

نيرمينة الرفاعي-   خاص (الجسرة)   أنا حورية البحر الحزينة بعت ذيلي مقابل أقدام لم …