الرئيسية / . / البرازيلي رضوان نصار يختبر سرد العنف

البرازيلي رضوان نصار يختبر سرد العنف

مودي البيطار

كتب الروائي والقاص البرازيلي اللبناني الأصل رضوان نصار «فنجان غضب» في بداية الحركة النسوية الثائرة، ونشرها في 1978 في عهد الحكم العسكري. صدرت أخيراً عن «بنغوين كلاسيكس» في بريطانيا بترجمة لستيفان توبلر، ورأتها «ذا تايمز» درّة فيما قالت «ذا غارديان» إن صفحاتها الخمس والأربعين تفوق بقوتها روايات يبلغ حجمها خمسة أو عشرة أضعاف. اكتفى نصار بروايتين ومجموعة قصص، وانعزل في مزرعته النائية التي استغلّها تجارياً حتى 2011 حين وهبها لجامعة ساو كارلوس الفيديرالية وتقاعد في مزرعة صغيرة.
حفل أدبه بالعنف، الجنس والانقسام الطبقي، وبقيت ذكرى جارة معنّفة في باله مذ كان في السابعة. لكن العنف في «فنجان غضب» متبادل، ويتعدّى التصنيف جلاداً وضحية، لأن الأخيرة باستفزازها واستحضارها له شريكة فيه. الكتاب الصغير الذي اعتُبر رواية يثير التساؤل حول التصنيف الأدبي والقائمين به. تجاوزت أعمال الكندية أليس مونرو الفائزة بنوبل مئة صفحة أحياناً، وبقيت قصصاً، وصُنّفت أعمال بالحجم نفسه روايات وأثارت جدلاً خصوصاً عند ترشيحها للجوائز الروائية. هل يكفي أن يقدّم الكاتب أو الناشر عملاً ما رواية أو قصة لنقبل التحديد بلا نقاش، أو أن الحجم يفرض نفسه في أي حال؟ «فنجان غضب» من خمس وأربعين صفحة فقط، وكونها قصة في الواقع أكثر إبرازاً لطاقتها الكثيفة وتوتّرها الفكري الرفيع.
في القصة سبعة فصول تطول كل منها جملة واحدة بما في ذلك فصل «الانفجار» الذي يمتدّ ثلاثين صفحة. يبدأ نصار الحداثي قصته بحرف الواو، ويطلب انتباه قارئه الكامل لمعرفة المتحدث لخلو القصة من المقاطع أو التقطيع في الحوار. يتناول اللعبة المدمرة بين رجل وامرأة، الجانب المظلم لما ندعوه الحب، والسادية والمازوشية بين دكتاتور وامرأة خاضعة. كلاهما بلا اسم خلافاً للخادمين دونا ماريانا وزوجها أنتونيو، دلالة على العلاقات المعقدة بين الجنسين، بتوقعاتها ومساوماتها ودورانها وصمتها الصارخ ودائرتها الخبيثة، التي تتعدى البداية الرسمية للتحرر النسائي وما قبلها وبعدها. لا أحداث في القصة التي تركّز على حالة خالدة بين الجنسين، مواجهة تنجم ظاهراً عن تفصيل تافه. البطلة صحافية شابة تعيش في المدينة، وتزور الراوي، صديقها الأكبر سناً في مزرعته النائية. يبدأ لعبته منذ الدقيقة الأولى فيتجاهلها لمعرفته أن لامبالاته بها تزيده جاذبية. يعرف أيضاً «هاجسها الكابوسي» بقدميه اللتين شبّهتهما مرة بزنبقتين بيضاوين، فيخلع حذاءه وجاربيه، ويحس أن قدميه العاريتين جميلتان ورطبتان كأنهما اقتلعتا للتو من الأرض. هي المرة الأولى التي أقرأ عن قدمي الرجل «فتيشاً»، لكن الأمر يتجاوز الهاجس الجمالي إلى مجاز السيطرة والخضوع. حين ينام معها أخيراً تردّد :»رائع، رائع» وتمدح جرأته وثقته بنفسه، ثم تحمّمه وتلبسه ثيابه وحذاءه، فيسلّم نفسه تماماً ليديها. حين تتنهّد يعرف أنها تشير إلى الجنس القليل كالعادة، ويرغب في الصمت.
تراقبه وهو يراقب أشجاره بـ «خضرتها الوقحة». يرى فجوة في السور ويهبط الدرج هائجاً ليرش السم على مستعمرة النمل، آكل الورق. تغيظه «البورجوازية الصغيرة» حين تتبعه لتدردش بديموقراطية كاذبة مع دونا مارايانا، وتقول إن الأمر ليس مهماً خصوصاً لـ «ولد صغير عقلاني» مثله. أدرك النصف المخفي في قولها، واتهّامها المبطّن بأنه لم يسلك بالحماسة نفسها في السرير. يريد القول إن التهكّم والشخصية القوية لا يجتمعان، ويفكر بلسانها السامّ الذي كان على قدميه وجسده طوال الليل. تتّهمه بالفاشية وهي تلوي زاويتي فمها باشمئزاز، ويقتنع بأنها من النساء اللواتي ينخسن الآخر «طمعاً» بالضرب.
يتطوّر الشجار بتوتر متصاعد تنكشف معه الشخصيتان وأسرار علاقتهما الخبيئة، ويبلغ ختامه بمفاجأة تصعق القارئ. يتمسك الرجل بالصمت أولاً، ثم يحس أن النمل دخل عينيه، أنفه وأذنيه، ويرغب في أن يدفع أحدهم الثمن. يردّ على تحديها وسخريتها بالقول إنها صحافية حقيرة، فتضحك «القحباء» لتشوّشه، هو الذي علّمها كل القليل الذي تعرفه عن الحياة. يترنّح حين تقول:»أيها السيد الشريف» كأنها تهجس بإخصائه، وتنكر معرفته لافتقاره إلى لقب. كان رجل الأعمال اليدوية الصغيرة، وحيواناً مثيراً للاهتمام، لكنه شهد مراراً انقيادها السهل لأسيادها، وحاول رفع الطوق عن عنقها. لم يخطر لـ «المثقفة الحقيرة» أن كل ما تقوله وتتقيأه سمعته من الآخرين ولم تمارسه. تجتمع الدوغما والكاريكاتور والانحراف غالباً، ويبدو أصحاب الامتيازات مثلها كالمتحولين جنسياً في الكرنفال. يتباهى بقوته تعويضاً عن شعوره بالنقص حيالها. فقد والده في الثالثة عشرة، ولم يلتزم الحداد أو يعاني لأنه بقي وحده. تهنّئه لأنه الوحيد القادر أن يكون يتيماً وعجوزاً في آن واحد. سخريتها لامعة ومغرية، يفكر، لكنها لا تشبع من «العجوز» وترغب دائماً في المزيد منه. يقتبس من قصيدة لفرناندو بسوا كتبها باسم ريكاردو ريس:»دع المدن تسقط، دع البشر يقاسون، دع الحياة والحرية تتلاشيان، حين يكون الملك العاجي في خطر، من يبالي بلحم ودم الشقيقات والأمهات والأطفال؟ الروح ليست ثقيلة مع أن الأبناء يموتون بعيداً».
واضح أن المزارع ليس مجرد عامل يدوي، وهو الذي يقدّم الطرح الفكري المعقد والمجرّد الذي يقترح مساواة مفترضة مع زائرته المكتفية بالكليشيهات المبتذلة. تضحك من «المحتال» و»أبله القرية»، وتقول إنه فقد عقله، وإنه وكلبه مثل إبليس وكلبه المسعور. يعترف بأنه يتصرف أحياناً بفاشية كما تتّهمه، ويدرك ذلك. الفارق أنها هي فاشية كذلك من دون أن تعي. هي ومثيلاتها يشتهين الرفس، لكنه لن يضربها. «شاذ» تقول ضاحكة، فينفجر ويضربها قائلاً تكراراً إنها عاهرة. تمتلئ عيناها بالدمع، وتستمتع وهي تتمسّك بسيارتها بالدراما الحسية إلى درجة تقرب من النشوة. لا يفاجَأ لأنه يعرفها. يقبّلها فتهمس أنه قذر، وأنها لم تلتقِ أحداً يحرّك جسدها مثله. يطيل الحديث عن قدمه العارية، ويرى نظرة يأس حادة في عينيها، وهي تطلب منه إطلاق شياطينه عليها، لأنها لا تنتشي إلا بها. يطيل نصار الحالة ومعها الترقّب، ويترك بطله يسحق وجه المرأة بقدمه وهي تردّد إنه حبيبها القذر. حين يشعر بيدها الصغيرة ترتجف تحت قميصه وتتحول حسوناً ينتفض ويقدّم لها قدمه الأخرى ليكمل إذلالها. تهرب وتشتم والدته ورجولته الضعيفة، لكن القصة لا تنتهي بمغادرتها المزرعة بل بدائرة خبيثة مكرورة من العنف الجنسي والإذلال.

 

(الحياة)

شاهد أيضاً

رسالة ٢: ضاق خلقي يا صبي .. ل “ليلى حديدون”

-ليلى حديدون-  خاص (الجسرة) عزيزي ص كن واثقًا مما أخبرك به، لا أجني شيئًا من …