الرئيسية / مسرح موسيقى / ‘وفاة بائع متجول’ .. آخر نموذج كلاسيكي للمسرح الحديث في القرن العشرين

‘وفاة بائع متجول’ .. آخر نموذج كلاسيكي للمسرح الحديث في القرن العشرين

صبحي فحماوي

رغم أن آرثر ميلر كتبها عام 1949، إلا أن مسرحية “وفاة بائع متجول” لا تزال تسيطر على ذهن كل مفكر في العالم، وكل مهتم بالدراما وبالمسرح.

تتناول مسرحية آرثر ميللر “وفاة بائع متجول” موضوع الصراع بين الأجيال بشكل عكسي، موضحة عدم تقدير جيل الشباب أو الأبناء، لتضحيات الآباء، أو الجيل الذي سبقه. وهذه المسرحية حصلت على جائزة “بوليتزر” و”جائزة نقاد الدراما” الأميركية، التي منحت لها، وترجمت إلى أكثر من خمس وعشرين لغة.

ففي الوقت الذي حرق فيه محمد البوعزيزي نفسه أمام السلطات الغاشمة التي تحاصر وضعه الاقتصادي والاجتماعي والإنساني، فإن السلطات العربية الحاكمة، بشكلها التقليدي التسلطي القديم النزعة والتفكير، لم تُقدِّر تطلعات الشباب العربي، الباحث عن لقمة العيش، والكرامة الإنسانية، والعزة الوطنية، والدفع الحضاري، الذي حققته مختلف شعوب العالم، بينما بقي الوطن العربي، الغاصّ في الذهب الأسود النفطي، يتراجع إلى الوراء، نجد أن العكس هو الذي يحصل في هذه المسرحية، إذ أن الجيل الجديد هنا هو الذي لم يقدر تضحيات الجيل القديم ونضاله لخلق المعطيات الجديدة، التي يتمتع بها الجيل الجديد.

ودعني أقدم لك موجز قصة المسرحية، بطريقتي الخاصة، أن “ويلي لومان” أب يعمل بائعاً لأدوات مطبخية، متجولاً بعربته في الشوارع، فتجده يحقق إيراداً مالياً، يجعله يشتري لأسرته بيتاً صغيراً، فيه معظم مستلزمات العيش. بحيث يدفع ثمنه بالتقسيط، لمدة خمس وعشرين سنة.

يتخيل الأب أنه بعد هذه المدة الطويلة، سوف يتخرج أولاده من الجامعات، ويعملون في مهن مرموقة، ويتحملون مسؤولية العائلة، فيتقاعد الرجل ويعيش بقية حياته بين أبنائه الذين سيفرح بهم، ويعتمد عليهم، وبالمقابل هم سيفتخرون به لتحقيق هذه الإنجازات الرائعة، فيعيشون معاً بسعادة تامة، حققها الأب بعمله بائعاً متجولاً.

ولكنه بعد الخمس والعشرين سنة، التي تنتهي فيها أقساط البيت، يجد أن البيت قد صار قديماً، فتصدع وتداعت جدرانه، وأن الثلاجة والغسالة وأدوات المطبخ والجلوس صارت مهترئة.

وعندما يجلس مع أولاده الذين صاروا مهنيين متطورين، خاصة عندما يكون أحدهم مع زميله الجامعي، فيتحدث معه حول آخر مستجدات الهاتف المحمول، أو مخططات العمارات، أو العمليات الجراحية بالليزر، أو بالروبوت، وعن اتصالات الإيميل والفيس بوك والوتس أب وسكايب وغيرها كثير لا حصر له من التقنيات الحديثة، نجد الأب بالمقابل يتحدث معهم عن أدوات المطبخ، التي يبيعها بعربته المتجولة في الشوارع، وأن الصحون البلاستيكية ارتفع ثمنها، والقلايات الحديثة صارت لا تلصق أبداً.

وهكذا وجد الأبناء أن أباهم (دَقّة قديمة)، مما صار يخجلهم وجوده معهم بحضور رفاقهم، فطلبوا منه أن لا يجلس معهم عندما يكون مع أحدهم صديق، أو زميل.

ولهذا يُحبط الأب الذي كان يعتقد أنه حقق أهدافه بالبيت والأولاد، فاكتشف أن البيت صار خرباً، والأولاد صاروا لا يستنظفون الجلوس مع أبيهم، وأنه قد عاد إلى مرحلة الصفر من جديد.

لم يكن أمامه إلا أن يقوم، فيُحمِّل عربته بأدوات المطبخ، ويعود للشارع، يصيح بأعلى صوته منادياً ليبيع كما كان يبيع من قبل، فيتحدث مع معارفه وزبائنه في الشارع، وهم كثر، واستمر يدفع عربته هكذا، إلى أن وجدوه ميتاً في أحد الأزقة.

وعلى كل حال، فإن هناك تدافعاً بين الأجيال، فالآباء لا يفهمون الأبناء، والأبناء يريدون أن يتخلصوا من جيل الآباء، لتكون الحياة لهم وحدهم، ولتحقيق رغبات الأبناء في العيش بسعادة من دون ولي أمر.

وتقول بعض التحقيقات في قضية الوفاة أن الأب “ويلي لومان” لم يمت ميتة طبيعية، بل إنه هو الذي دفع نفسه للعمل الشاق وهو العجوز المريض المتحرك في الشوارع، تحت شظف العيش، إنما يكون قد قام بالانتحار، من أجل قيام أبنائه المأزومين اقتصادياً، باستلام مبلغ تأمينه على الحياة، من شركة التأمين، مضحياً بنفسه لأولاده، وذلك للحصول على احترام أولاده، ومحبتهم وتحقيق سعادتهم، ذلك الاحترام الذي لم يستطع الحصول عليه وهو عائش بينهم ويخدمهم، فقرر أن يحصل على احترامهم بالوفاة، وترك الحياة نظيفة أمامهم من أية أشياء قديمة تنغص عليهم متعة اللهو والسعادة.

وعلى الصعيد الوطني أو السياسي البوعزيزي، فإن أولياء الأمور من الحرس القديم لا يريدون أن يخلعوا، ويتركوا الطريق للجيل الجديد، أو على الأقل، كما يقول المثل: “مُرّ، ودعهم يمرون”.

وهكذا يستمر الصراع بين القديم والحديث، بصور شتى، صارت تتصدرها المظاهرات الشعبية، بما يقابلها من الكبت الحكومي. فاحترنا كيف نتفاهم.

وهذه المسرحية لآرثر ميللر، المتوفى سنة 2005، والذي عُرف بمزجه للرمزية مع الواقعية في مسرحياته الاجتماعية، وهي عديدة، تعتبر أكثر المسرحيات الأميركية شهرة، وهي تدرس الآن في مختلف أنحاء العالم، بصفتها آخر نموذج كلاسيكي للمسرح الحديث في القرن العشرين.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

‘نوفيتشنتو’ عازف بيانو يبحث عن موقع له في العالم

أبو بكر العيادي “نوفيتشنتو” مونولوغ يقع بين المسرح والحكاية المروية بصوت عال، ألفه الإيطالي أليسّاندرو …