الرئيسية / قصة / على الرصيف ..للقاص عبد الحسين العبيدي

على الرصيف ..للقاص عبد الحسين العبيدي

خاص (الجسرة)

 

في الوقت الذي ضغط على بطنه ليكتم صرخاتها التي صارت قرقرات فاضحة تفاجأ بالقدم التي أرتقتْ الصندوق .الظل الوارف الذي احتواه حرضه على الإسراع. لم يحدث أن كان السيد سعيد ،الذي قضى ثلاثة عقود ، هي كل حياته ،متسرعا في شيء . فهو لا يعير للزمن أي اهتمام. وحيدا على الرصيف ،تدفعه الشمس الحارقة فيحتمي بمظلة الباص, و الصندوق الذي أمامه وسيلته للتواصل مع الدنيا .رمقها مندهشا , قدما صغيرة تنتعل حذاءً أسودا يحيط بالقدم التي غطاها جورب أبيض شفاف يكشف عن بياضها الناصع كما لو أنها عارية .لم يعتد سعيد على هكذا أقدام، فهو يعرف أحجام الأحذية من النظرة الأولى. الأحذية التي اعتلت الصندوق كانت كبيرة ،خشنة ،مفلطحة ،ترهقه في تنظيفها وتلميعها ,كما أرهقته سابقا ….حينما كان يختبئ بالحذاء الأحمر ذو الرقبة الطويلة الذي انتزع ثمان سنوات من عمره , فوهبه ما تبقى له من عمر , خلافا لأقرانه الذين لاذوا بالتراب ، فعادوا إليه . دفعه الحذاء ليتخيل القدم التي تنتعله.,,أنها صغيرة بأصابع طرية كقطعة زبد ,,قال لنفسه .
وتمنى لو يقضمها ،يلحس دسمها بلسانه ليوقف تدهوره. وكاد أن يقدم نعليه البلاستيكيين لها لتنزع الحذاء ,فيضعه في حضنه ، يتلمسه ،يربتُ عليه، يمسده ،يشم رائحته النفاذة وليرِ مكعب الزبد الدسم ,اللين ،الأصابع في امتدادها الطري ,الناصع ،ونهاياتها الملونة ….وتراءت له فكرة القضم مؤلمة ،موجعه, لا تستحقها هذه الطراوة الباهرة ، فنبذها .,,سألعقها ,,: قال
ومرر لسانه الجاف على شفتيه اليابستين كما لو أنه يلحسهما بعد وجبة دسمة… وبينما أرتقت عيناه الساق الممتلئة البضة ، صمتتْ بطنه
قالتْ لصاحبتها وهي تتطلع بها عبر نظارتها المعتمة، وقد بدت مسترخية في وقفتها ,دون أن تبالي بانزياح تنورتها عن الساق التي راحت تومض بإصرار.
ـ الحر مسألة نسبية .
أضافت وهي تحاصرها بنظراتها : يعتمد على مدى إحساسك به
لم يفهم سعيد شيئا ،كما لو أنه يسمع كلاما بلغة غريبة.كان يلبس قميصا قطنيا غامقا يلتصق بظهره , فبدا شاذا منطويا كما لو انهتسلل من ازمان سحيقة
.يتطلع بعضلة الساق مأخوذا بالاكتناز الناصع الذي أغشى عينيه ،بينما كان الجورب يحتضنها ، يهصرها ،يلتصق بها .أعاد مسح الحذاء مرة أخرى ،دافعا برأسه قريبا من الساق محاولا تعقب امتداداته الرخوة ,الريانة ،فتردعه التنورة الرصاصية ،توقفه عند حافتها التي انزاحت قليلا للأعلى .كرر طلاء الحذاء وراح يعيد تلميعه ،تدفعه رغبته لإبقاء صاحبته التي كانت في نقاش ودود مع صديقتها متناسية قدمها التي أطاحت بهدوء ه و لامبالاته. لم يعد أمامه من مبرر للاحتفاظ بالساق ..تنهد .طرق على الصندوق بالفرشاة طالبا تغير القدم .نظرت لبرهة لحذائها الذي بدا براقا لامعا ، بينما كان وجهه ذابلا تعتروه صفرة كالحة. تسلق الساق بعينيه من جديد .ارتطمت عيناه بالركبة ،فبدت له كإناء زجاجي شفاف مليء بلحم تفوح منه رائحة التوابل .أبتسم لهذا الهاجس الدسم .
حاول أن يهادن روحه التي صرخت : جوعانة .
– كل الأشياء نسبية :ردت بغنج فاضح
لم يشغله حديث الفتاتين .كان منهمكا في ملاحقة الخطوط الزرقاء الدقيقة الناعمة ،وهي تنساب تحت الجلد الناصع للساق السمينة البراقة .يتعقب امتداداتها وتفرعاتها .وعندما يتيه في العراء الأبيض ،يرجع ليضع الطلاء على وجه الحذاء .أغراه اصطدام يده بالساق صدفة .أعاد الكًرة ثانية محاولا خلق فرصة للاحتكاك باللحم الشهي ،ولما خاب تناول علبة الدهان وراح يلمع الحذاء بأطراف أصبعيه
ـ الناس تحترق وانت تقولين نسبية !!!:قالت صديقتها بنفاذ صبر عارم .
ـ هذا بالنسبة لكم . ردت بلامبالاة
قالت صديقتها بلهجة فاضحة :أحقا لم تشعرِ بالنار!؟
كان يصغي كالأبله. يحاول أن يفهم .يطارد الكلمات ، يجري وراءها ولما فشل ،عاد ليطرق الصندوق بطرف الفرشاة معلنا انتهاء معاناته .سحبتْ المرأة قدمها . أعطته أجرته. ولما ذهبتا ،هرع ليسد جوعه .

شاهد أيضاً

قصص قصيرة جدًا للكاتبة الفلسطينية “سائدة بدران”

-سائدة بدران-  خاص (الجسرة)     – نهاية – حين استلقى ذهب وجعه بعيدا، حملَ …