الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / حدائق الشرق تنبت بباريس

حدائق الشرق تنبت بباريس

عياش دراجي

اختار معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية باريس موضوع تاريخ الحدائق وتناسق الطبيعة والإنسانغرد النص عبر تويتر، وأقام معرضا تحت عنوان “حدائق الشرق” في ظل سحر الشرق والحضارة العربية الإسلامية الذي لا يزال يسري في أوساط العارفين بوهجه وإسهاماته في الحضارات الإنسانية في شتى المجالات.
يقام نصف معرض “حدائق الشرق” في الهواء الطلق بأشجار ونباتات لها أصول شرقية وضعت في ساحة المعهد بنسق وهندسة تراعي تصاميم الحدائق الشرقية القديمة، ويقام نصفه الآخر في أروقة المعهد وتعرض فيه صور ولوحات ومجسمات تبين تعلق إنسان الحضارة العربية الإسلامية بالطبيعة والأرض وتنسيق الحدائق، كهندسة وفن وعلم قائم بذاته.
يسافر الزائر في اللوحات التي يعرض أغلبها طرق السقاية، ويكاد يسمع دوران النواعير وخرير الماء وهو يسقي الزروع والنباتات والحدائق، لا حقول الغذاء فقط بل أشجار الورود والأزهار، من حدائق بابل وبلاد ما بين النهرين وواحات الصحارى الممتدة من المشرق إلى المغرب ثم إسبانيا حيث قصر الحمراء بالأندلس ومن هناك إلى الهند وزيارة لحديقة تاج محل.

يعيد المعرض للشرق مكانه في خيال الزائر، كما لو كان الشرق كله حديقة تفرض ذاتها في بهو الدار أو في جنبات المدينة، ويدرك زائر المعرض أن تاريخ الشرق حافل بالحدائق وبفلسفة زينة المحيط وخدمة الأرض معا.
تأثيرات جمالية
وعن الأبعاد الجمالية لحدائق الشرق، تقول مفوضة المعرض سيلفي دوبان إن “حدائق الشرق كانت دائما تدهشنا نحن الغربيين، بهندستها التي تبدو مثل الكتابة بحبر النباتات على الأرض الجدباء، وخلال كل القرون عرفت الحضارة الشرقية أو العربية الإسلامية كيف تحافظ على الجمال من خلال القدرة على التصرف بالماء والنباتات…”.
شموخ النخيل وتحته شجيرات التين والزيتون والبرتقال والرمان وأشجار الورد والياسمين، كل ذلك يأسرك وأنت تتهادى وسط المعرض في ساحة المعهد، تقول لك الحديقة “لست في باريس، فاستنشق أريج الشرق وتدبر”، وتسافر أنت مع الشذى حتى تصحو تحت زقزقات عصافير سكنت المكان لأنها وجدت بيئتها المفضلة بعيدا عن ضوضاء المدينة.

نماذج حدائق الشرق المقامة في معهد العالم العربي سهر على رسمها كبار مصممي الحدائق العارفين بتقنيات الشرق في هذا الفن، للمحافظة على روح الشكل ومعانيه، وحين يتطلع الزائر إلى الحديقة الخارجية من علٍ يراها تصميما هندسيا تتناسق فيه الأشكال والألوان وتتجلى فيه فلسفة التجريد في الحضارة الشرقية.
تصاميم من وحي حدائق الأندلس وأخرى من السجاد الفارسي كيف ينسج على الأرض بنبات الأرض، وتطريز نباتي مستوحى من رياض الحدائق المغاربية وهندستها التكعيبية والمربعة، وشلالات صغيرة توضح للزائرين كيف اعتنت الحضارة العربية الاسلامية بالماء والنبات معا، وكيف استحدثت أفكارا للسقاية، وجعلت من الحدائق مكانا للراحة والطمأنينة والتدبر والجمال.
إسهامات حضارية
أراد القيمون على المعرض -وفق الخبيرة في الحضارة الشرقية وعضو إدارة المعرض أنياس كارايون- “تسليط الضوء على الحضارة العربية وكيف أنها أسهمت في شتى المجالات العلمية، فضلا عن فن العناية بالطبيعة وبناء الحدائق والجنان، ونريد أن نقول للجمهور إنها حضارة ذات ذائقة راقية، وقد اعتنت بالإنسان ووسائل راحته وبهجته، وليست حضارة قاسية وجافة كما قد يعتقد البعض..”.

في صالات العرض الداخلي لوحات كثيرة على الجدران تصور نواعير السقاية والري ومجسمات التحكم بالماء، ورغم أنها بالأبيض والأسود لكن الإمعان فيها يجعل الخضرة تغزو خيال الزائر لفرط تدفقها على مجاري الماء.
صور لنواعير مشرقية وأخرى أندلسية ومغربية، ليدرك الزائر أن فن الري والسقاية كان ثقافة شعبية وتطبيقات ميدانية وليس مجرد أفكار معزولة أو خاصة بقصور الحكام وعلية القوم.
تختم سيلفي دوبان حديثها للجزيرة بالقول “إننا نتعلم في الحديقة الإصغاء لذواتنا وللآخرين، ونتعلم فيها احترام الإنسان وكل ما ومن في الطبيعة، نشعر فيها بقيمة التناسق والانسجام، وأننا في مكان للالتقاء والحرية.. ولا قيمة لأي مدينة ولا مدنية دون حدائق”.
وسيبقى معرض حدائق الشرق مفتوحا حتى نهاية شهر سبتمبر/أيلول، وأصداء الزائرين تتردد بإعجاب كبير لدى إدارة المعهد التي تحرص على أن يبقى ساطعا بكل ما هو شرقي.

 

(الجزيرة)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …