الرئيسية / فن تشكيلي / شانتال غريّب.. توترات الأقنعة

شانتال غريّب.. توترات الأقنعة

محمد شرف

لن يجد الناظر صعوبة لدى معاينته أعمال شانتال غريّب، المعروضة على جدران غاليري «آرت لاب»، في إدراك العفوية التي تشي بها لوحاتها. هذه الملاحظة المبدئية تنسحب على المفاصل العديدة المكوّنة للوحة، أكان من حيث صياغتها الأساسية، أم في ما يتعلّق بالخيارات اللونية المعتمدة، وهذه الملاحظة تشي، أيضا، بطبيعة الصانعة وشخصيتها، وبطريقة تعاطيها مع ما يحيط بها من أمور في مجالات مختلفة.
هذا الحكم، المتعلّق بالارتباط الوثيق بين شخصية الفنان وأعماله، لا يُعد اكتشافاً في عالم التشكيل، بقدر ما هو تحصيل حاصل، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض الاستثناءات واردة هنا أو هناك. إلى ذلك، تنبغي الإشارة إلى أن التصرّف العفوي في طريقة التعامل مع اللوحة يتخذ معانٍ شتى، ولا يؤدي حكماً إلى نتيجة تضفي على العمل طابعاً «طفولياً» فطرياً، علماً أن هذا الاتجاه كان مقصوداً لدى فنانين كثر. في أعمال شانتال غريّب لا نجد اهتماماً شديداً بالرسم كحالة تأسيسية يعتبرها البعض واجبة، وينصرف عنها آخرون تبعاً لماهية الهدف النهائي للعمل. وكما تفيدنا معاينة هذه الأعمال، فإنها تنتسب من دون شك إلى الفئة الثانية، إذ ليس هناك ما يشير إلى أنها اتبعت طريقاً محدداً نُسجت معالمه منذ البداية على أساس مخطط واضح، بقدر ما كانت المعالجة تتم في شكل تدريجي، وتبعاً لحالات لحظوية تتطور وقد تتبدل خلال العمل.
وجوه وتمزقات
إلى هذا الأمر تشير ضربات الريشة النزقة التي لا تنصرف بالضرورة إلى تحديد الشكل الوارد في المساحة التشكيلية، ولو بشكل ضبابي، بل تعمد إلى تحويره في غالب الأحيان وإضفاء صفة الإختصار عليه، معقودة، من الناحية السيكولوجية، على تبيان وجوه بشرية تعبّر عن حالات مأزومة. هذا النهج لا يمكن إعتباره غريباً عن الوضع المأزوم الذي نعيشه، وهذا الواقع الذي نذكره هنا نجد أنفسنا مدفوعين إلى تكرار الحديث عنه في كل مناسبة، إذ من الصعب أن يفلت التعبير التشكيلي من براثنه، وإن جاء هذا التعبير مختلفاً ومغايرا بحسب الرؤية الذاتية لكل فنان. وإذا كانت أعمال شانتال غرّيب الأولى اتخذت لنفسها موضوعات مستلهمة من الثقافات القديمة والأديان، مضمّنة تلك الأعمال جملة من الرموز والإشارات، فقد تطورت علاقتها مع هذه العناصر والموتيفات في أعمالها الحديثة، كي تمتزج بمؤثرات جديدة، وبالتالي بأفكار مستحدثة. إذ عبر معايناتها وإدراكها لما يحيط بها من حوادث ومتغيرات، تحاول الفنانة تمثيل كل ما يمت بصلة إلى العلاقات الإنسانية، مع تركيزها على ما يوفره لها محيطها من صور مختلفة. الوجوه في أعمالها التي نراها في المعرض الحالي هي أقرب إلى الأقنعة، وهذا المدخل يبدو واضحاً وطاغياً ، وإن ظهرت هذه الوجوه البشرية من وراء أقنعتها، فهي تظهر محمّلة بتمزقات وجودية. في هذا الإطار، تقول شانتال غرّيب: «أحاول صوغ الوجه كانعكاس لعمق الشعور الإنساني، مركّزة على الأحاسيس الحقيقية غير المزيّفة، التي وإن كنا نخفيها في أغلب الأحيان، فإننا نتفهم، بناء على ذلك، ردّات فعل الآخرين وإنفعالاتهم».

(السفير)

شاهد أيضاً

ضحايا الحرب الصامتون في حملة غرافيتي يمنية

علي سالم بعينين يكسوهما الحزن والشرود، تنظر في أفق المجهول وعلى رأسها ما تبقى من …