الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / محمد حياوي: معجزة الروائي في قدرته على الانفصال عن المجتمع

محمد حياوي: معجزة الروائي في قدرته على الانفصال عن المجتمع

خالد حماد

بقية أبناء جيله من الكتاب العراقيين تورط محمد حيّاوي في نقد الجنرال السلطة، ليهجر بلده إلى بلاد أخرى ومع انشغاله بالحياة هجر فن الرواية وانشغل بفن التشكيل، ويصبح أحد أهم الفنانين التشكيليين بهولندا، ليعود حياوي ويفاجئ المشهد الروائي العراقي برواية “خان الشابندر”، وهي إحدى أهم الروايات العراقية التي تكثف اللحظة الراهنة لواقع المشهد العراقي من شتات وتمزق من خراب.
حياوي الذي قدم للقصة العربية مجموعتين قصصيتين منذ قرابة العشرين عاما، يعود بعمل روائي يحمل الكثير من التساؤلات عما جرى للعراق من خراب. “خان الشابندر” ليست فقط مجرد رواية مكان، بل هي رواية ذاكرة وتأريخ لواقع ما كان وما هو كائن الآن، تلخيص ساحر للتمزق والشتات اللذين يعيشهما العراق من زمن الجنرال إلى زمن الطائفية والاستعمار.
رواية المكان

عن “خان الشابندر” وانتمائها إلى رواية المكان يحدثنا حياوي قائلا “هذا التصنيف ليس حسب مفهوم غاستون باشلار الصارم وفلسفته للمكان في السرد، فطالما أثارت فضولي الأمكنة في الواقع، لا سيما تلك المعزولة أو المرتبطة بحكاية ما. عند زيارتي لخرائب خان الشابندر وسط بغداد القديمة، جلست أدخن في الباحة وأتخيّل الحيوات التي كانت تضج فيه في الماضي، تخيّلت الأصوات والضحكات والنحيب يتردّد في أرجائه الغامضة. الأحلام والأمنيات التي اعترت سكانه آنذاك، يومياتهم المتداخلة وصراعاتهم”.

يتابع “المكان يشكل عندي المنطلق الأوّل للحكاية، أو لنقل اللبنة الأولى التي سأبني عليها لاحقا حكايتي. طالما اعتقدت أن المخيلة ليست مجرد وجود أثيري، بل هي وجود فيزياوي تلزمها حاضنة ما كي تعمل. ربما خان الشابندر نفسه لم يكن مهما بالنسبة إلي حين كتبت الرواية، لكن بيت بائعات الهوى الملاصق له هو المحور المهم، لقد استخدمت الخان كمنصة فلسفية إن شئت، بسبب وجود العاملين فيه من أتباع الديانة المندائية العميقة التي لها فلسفتها في الحياة والموت والعبادة والعلاقة مع الخالق. تلك الديانة التي تحترم حتّى العاهرات في حال توصلن إلى محبة الله. وعندما تحولن إلى ملائكة كان يلزمهن مكان محدّد يصعدن منه إلى السماء، فكان خان الشابندر كمنعرج روحي يربط بين السماء والأرض، وفق هذه الرؤية نعم. أعدُ روايتي “خان الشابندر” رواية مكان من الطراز الأوّل، لكنّه مكان متداخل مع الزمان، أقصد زمان القَص أو الحكي، متداخل إلى درجة يصعب معها فصلهما أو تحديد ملامحهما”.
عن “خان الشابندر” وواقع سيرة حياوي يؤكد ضيفنا أن روايته خيال مطلق، وليس للواقع فيها من نصيب يذكر، وهي أقرب إلى ذكرى بعيدة جدا لامرأة قابلها في أحد البيوت المشابهة لبيت “أم صبيح” في الرواية، وظلت عالقة بمخيّلته، إذ يلفت إلى أنه فيها بعض ملامح البطلة هند، وهي التي مازال يعتقد بأنّها حرية برواية أخرى تليق بجمالها وشخصيتها المختلفة، وربما يكتبها ذات يوم، كما يقول.

البعض يرى أن المشهد الروائي في العراق مازال غائما وغائبا، على الرغم من جهود الروائيين العراقيين لتصدر المشهد الروائي العربي، فعن أسباب هذا الغياب، يشير حياوي إلى وجود عدة عوامل ساعدت في هذا الغياب، أهمها عدم التواصل مع المشهد الروائي العربي منذ أكثر من ثلاثة عقود بسبب الحروب والحصارات.

يقول “على الرغم من أن الروائي العراقي ظل مخلصا لقضية الرواية العربية ومواكبا ومتابعا لها من عمق الصفيحة التي وضعته الأنظمة المتعفنة داخلها، إلا أن الحياة الثقافية العربية ظلت منشغلة عنه بهمومها الذاتية، الأمر الذي ولد لديه شعورا بالنكوص والانكفاء الداخلي والتقوقع على تجاربه العميقة، تلك التجارب التي كان ينضجها ببطء في عزلته، وعندما انهدّت جدران العزلة المقيتة تلك بعد زلزال 2003 الذي خلفه الاحتلال، فوجئ العالم بحجم ونضج تلك التجارب التي لم تكن ظاهرة للعيان. الأمر يذكّرني بإحدى بطلات قصصي، حوري اليهودية التي كانت تعيش في بيت معزول وتربي الحمام على مدى عقود من الزمان، وعندما ماتت أخرج رجال البلدية جثتها وهدّوا بيتها فامتلأت سماء المدينة بأسراب الحمام التي غطت عين الشمس. طبعا لا أزعم أن الرواية العراقية ستفعل فعل حمام حوري تلك، لكن بالتأكيد ثمّة نضجا روائيا ما هناك قد يلفت انتباه النقد العربي يوما ما”.
الغياب والعودة

كُتِبَت خان الشابندر بلغة فيها الكثير من المشهدية التي يمكن لها أن تتحول إلى عمل سينمائي، بمعنى أدق هي أقرب إلى الرواية السينمائية، يعلق ضيفنا “أنا بطبعي مخلص لقضية الأدب، وأشعر بأن مهمة الكاتب منح المتعة للقارئ وإغناء تجاربه، وانطلاقا من حرصي هذا فإنني أحاول جاهدا تجسيد المشاهد أمامه قدر الإمكان ولا أترك مجالا للتأويل أو التشويش”.
رواية ذاكرة وتأريخ لواقع
عالجت “خان الشّابندر” قضية الطائفية في المشهد العراقي من دون محاكمة أيّ من الطوائف. يوضح محمد حيّاوي ذلك قائلا “طالما اعتقدت بأن الروائي ليس مؤرخا أو قاضيا أو معلما أو فيلسوفا أو منظرا سياسيا، إنه مجرّد مرآة صغيرة تُري الناس واقعهم المزري الذي لا يستطيعون رؤيته لأنّهم وسط مخاضته، معجزة الروائي الحقّ تتجلى في قدرته على الانفصال عن المجتمع واختيار زاوية مناسبة لتوجيه مرآته ويري الناس يومياتهم وصراعاتهم ومآسيهم التي يخوضون فيها من دون أن ينتبهوا، أي يعيد إنتاج الواقع بطريقة يراها مناسبة وتصلح للمعالجة، طبعا أنا لا أقصد بالضرورة أن يكون الروائي سوداويا، لكن الرواية مرآة عاكسة للمجتمع ولا يمكن أن تعكس لك الفرح حين توجهها إلى الأحزان، المرآة لا تكذب أبدا، ومن خالف مرآته إنّما يخون مجتمعة، لكن من جهة أخرى، كما أن المرآة لا تكذب فهي لا تستطيع ان تُحاكِم أيضا”.

وعن سر غيابه عن المشهد الروائي يشير حياوي إلى أنه كان غيابا قصريا في الحقيقة، فقد لعب الهروب والتشرّد واللجوء إلى بلدان غريبة دورا كبيرا في إعطاب مخيلته، على الرغم من أنه أنتج بعض الأعمال المهمة في الماضي.

يقول “كنت لسنوات طويلة أحتفظ بمخطوطة روايتي القديمة “فاطمة الخضراء” وعليها ملاحظة بخط الكاتب الكبير الراحل جبرا إبراهيم جبرا، فيها يمتدح روايتي تلك ويوصي بحجبها عن النشر لأنّها لا تناسب الأوضاع التي كانت سائدة آنذاك، لكنه ختم ملاحظته بالتنويه بمستقبلي الأدبي. كانت تلك الملاحظة محفّزي الدائم في الواقع، وعندما عدت إلى العراق في العام 2012 وزرت تلك الأماكن وقابلت الناس الذين طحنتهم الحروب والحصارات والاقتتال الطائفي، عندها فقط بدأت مخيلتي تعمل بشكل فجائي وداهمني طلق الحكايا إلى درجة لم أكن ألحق سيلها وتداخلها برأسي، فكتبت روايتين في فترة متقاربة هما ‘خان الشّابندر’ و’لا عذارى في حلب’، بالإضافة إلى عدد من النصوص القصيرة وفق رؤية جديدة للقَص، وبدأت بروايتي الثالثة ‘ببغاء المُجنّدة’ التي لا تزال تعذبني”.

 

(العرب)

شاهد أيضاً

بلجيكا تحتفي بكتّاب عرب وأجانب

عبد الله مكسور قدّم نادي القلم الفلاماني في إقليم “الفلاندر” ببلجيكا، للعام الثاني على التوالي، …