إضاءات

الديكتاتور مخلوق السخرية

كمال العيادي

بر نموذجين للديكتاتور في الفن هما هتلر في فيلم شارلي شابلن والزعيم في مسرحية عادل نرى كيف يكشف الديكتاتور عن عاهات وجوانب ضعف. هذه السخرية، هي ما تفتقده الرواية العربية، لذا غابت رواية الديكتاتور.

حين تتجمع كل السلطات بين يدي الفرد الواحد، ويتفنن في ممارستها وفق أهوائه ومزاجيته، فنحن إذاً إزاء حالة واضحة من الديكتاتورية. حيث إن الديكتاتور هو ذاك الطاغية المستبد الذي يستفرد بالحكم والرأي والقرار، ويمارس نفوذه المطلق ويستحوذ على كل السلطات والصلاحيات من دون مشاركة أو اعتبار للقانون والعدالة. وكتب التاريخ القريب والبعيد مليئة بمثل هذه النماذج المستبدة التي حكمت شعوبها بكل أشكال الطغيان والجبروت، ومارست كل أصناف الظلم وأنواع القسوة والسادية والدموية التي تصل حدّ التوحش والخروج عن الآدمية أحيانًا.
والواقع أننا نجد أن الكثير من الأعمال الأدبية والروائية العربية قد تقاطعت مع شخصية الديكتاتور بشكل ما، ولكن بطريقة غير مباشرة، إما عبر الإشارة والتلميح أو عبر الإسقاط والاستعاضة عن تناول شخصية الديكتاتور والحاكم الأوحد المستبد باستحضار وتناول شخصية أقل رتبة، كأن يكون ضابطًا شرسًا ظالمًا يتلذذ بتعذيب ضحاياه، أو شخصية عمدة قرية مستبد أو حتّى موظفاً حكومياً يستغل درجته ورتبته الأعلى في الوظيفة ليتحكم في مصير من تحت سيطرته وقبضة يده وقراره، وبالتالي التعامل مع شخصيات دنيا في مؤسسة الاستبداد، ولكننا نكاد لا نجد عملاً روائيًا واحدًا توغل في عمق سيكولوجية الديكتاتور العربي المستبد وحاول تفكيك شخصيته بعمق ومن منظور إبداعي.
خلال شهر أكتوبر من سنة 1940 وفي الفترة التي كان العالم كله تقريبًا يعيش حالة من التوجس والخوف من مطامع وتحركات الحزب النازي في ألمانيا ومزاجيّة زعيمه الدموي المتشنج والعدائي، فاجأ الممثل الألمعي الشهير تشارلي تشابلن العالم بتأليف وإخراج فيلم ساخر عن أدولف هتلر والنازية تحت عنوان «الديكتاتور العظيم» «The Great Dictator»، وقام فيه بتجسيد شخصية هتلر تجسيداً شديد السخرية والجرأة. ومن المصادفات أنه كان أوّل فيلم ناطق ينتجه ويقدمه بعدما نجح عبر مسيرة طويلة ومذهلة في تقديم عشرات الأفلام الكوميدية الصامتة.
وتدور أحداث الفيلم حول حلاق يهودي شديد الشبه بالديكتاتور «هينكل» يصاب بفقدان الذاكرة. وعندما يخرج من المستشفى، يصطدم بحالة مرعبة من الهستيريا والخوف الذي أصاب المواطنين بسبب العنف والعدوانية التي يمارسها النظام الحاكم وسيطرة الديكتاتور – الذي يؤدي أيضًا شارلي تشابلن دوره – وسعيه لإبادة اليهود لتعصبه للجنس الآري، وفي نهاية الفيلم يُصادف حدوث تبديل بين الشخصيتين، فيظن الجنرالات أن الحلاق اليهودي – أثناء هروبه من المعتقل بملابس ضابط – هو الإمبراطور «هينكل» في الوقت نفسه الذي يقبض فيه سجان المعتقل بطريق الخطأ على الديكتاتور الأصلي أثناء رحلة صيد بسبب اعتقادهم أنه الحلاق اليهودي الهارب.
حيلة ولعبة تبادل الأدوار والوظائف بين الضحية والجلاد، سمحت بقدر كبير من المرونة الفنيّة في تغيير حدّة زاوية الرؤية للواقع والأحداث. فإذا بهذا الديكتاتور الذي كان يرعب الجميع ويسبب مجرد ذكر اسمه واستحضار صورته المتجهمة حالة من الفزع والقلق والخوف، ليس أكثر من بالونة مليئة بالهواء ومهرج أحمق وأهطل يتصرف بغباء وبله. بل هو مجرد كائن بائس جبان يخفي رعبه وضعفه خلف قناع وجهه الصارم وصراخه وتشنجه الأخرق وتصرفاته الصبيانية.
الزعيم
ولعل مسرحية «الزعيم» التي استقبلها الجمهور العربي بكل حفاوة وما زال يشاهدها بإعجاب كبير، والتي قام عادل إمام بلعب دور البطولة وتجسيد شخصية الديكتاتور فيها، والتي تستلهم وتقتبس كثيرًا من فكرة فيلم «الديكتاتور العظيم» لتشارلي تشابلن، ليس فقط في أنّها تتناول الشخصية النموذجية نفسها، أي شخصية الديكتاتور الأخرق «مع تعريب ملامحه ومزاجه» بسخرية، ولكنها أيضًا تحاكيه في تقنية وفكرة تبادل الأدوار والوظائف بين الجلاد والضحية وتفريغ ملامح وخصائص هذه الشخصية وتجريدها من كل ما يُفترض أن تكون عليه من جبروت وقوة وسلطة، عبر تعويضه بشبيه له يلعب دوره، لتظهره في صورة البائس الجبان الضعيف المهتز الأخرق الذي تسوقه الأقدار ليلعب دورًا لا يتلاءم إطلاقا مع شخصيته المهتزة.
وفي اعتقادي أن النجاح الباهر الذي عرفه فيلم «الدكتاتور العظيم» لتشارلي تشابلن وكذلك مسرحية «الزعيم» لعادل إمام، يعود بالأساس إلى نجاحهما في تعديل زاوية الرؤية التي نرى بها شخصية الديكتاتور بشكل عكسي تمامًا، وبالتالي النجاح في تقليم مخالبه وتعريته وذلك من خلال تقديمه بشكل كاريكاتوري يبعث على السخرية والاستهزاء بعدما كان شبيهه في الواقع يثير في نفوسنا الخوف والرعب والتوجس والقلق.
هو الإبداع الساخر وحده إذاً، ذاك الذي يمكنه أن يطوّع كل شيء من جديد ليبعثه في صورة بديلة، ويعيده بالتالي إلى حجمه وحقيقته كما يراها وكما يجب أن تكون وتظهر عليه.
وربما هذا تحديدًا ما نفتقده في الرواية العربية. نفتقد روح السخرية والمرح الفني في التعامل مع الشخوص المريضة بجنون العظمة وتفريغها من الهواء المضغوط الذي ينفخها لتنتهي إلى صورة أقرب إلى خيال مآتة باسطًا عيدان يديه الرقيقة في عمق الحقل. نفتقد تلك القدرة على إعادة تشكيل وتصوير شخصية الديكتاتور عبر تحويلها إلى عجينة خام لعمل إبداعي متين يتجاوز الآنيّ والظاهر فيها إلى الأبقى والممكن فينا، ويعمل على تجريدها من صورتها القاتمة ومرارتها إلى مادة للسخرية الفاتنة الملهمة، وبذلك فقط يمكن لنا أن نهزم الخوف فينا ونتغلب عليه. ذلك أن كل ديكتاتور هو صنيعة ما نصبغه عليه من صفات الجبروت والشدة والقوة، ويجاهد هو ما استطاع أن يخفي جبنه وعقده النفسية خلف بذلة عسكرية أو بوليسية نخيطها له نحن في كوابيسنا وأوهامنا وهواجسنا. ولعل ما شهدناه بأنفسنا خلال السنوات الأخيرة يؤكد لنا هذه الحقيقة. فمع أوّل غضبة حقيقيّة للشعب وبمجرد خروجه إلى الشارع بعدما تخلص من نسيج الخوف الذي كان يكبله، تساقطت أكذوبة الديكتاتوريات الهشة كما تتساقط أوراق الشجر اليابسة في الخريف.

(السفير)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق