متابعات ثقافية و فنية

إيناس حسني تكشف علاقة جوجان وماتيس وبيكاسو وفازاريللى بالفن الإسلامي

محمد الحمامصي

يهدف هذا الكتاب “جسر الصورة” للناقد التشكيلية د. إيناس حسني إلى إلقاء الضوء على التواصل بين فنون الشرق وأوروبا، حيث تمثل الفنون التشكيلية إحدى نقاط التماس بين الحضارتين الشرقية والغربية، فهناك تأثير متبادل بين هذه الفنون التى أنتجها الإنسان على مدى تاريخه الطويل، والتى تظل شاهدة على قوة فنون الشرق حتى الآن فى أوروبا، في إسبانيا، وإيطاليا وفرنسا، وحتى داخل شمال أوروبا نفسها.

ومع اتصال أوروبا بالشرق الأقصى بدايةً من فترة الكشوف الجغرافية، نجد أن الاستشراق الفني الأوروبي تأثر خلالها بالفن الهندي والصيني والياباني وفنون إفريقيا وانعكست هذه الفترة بصورتها الاستشراقية في أعمال كثير من المصورين الأوروبيين والمحدثين أمثال: “سيزان”، و”جوجان”، و”بيكاسو”، و”ماتيس” .. وغيرهم.

وتؤكد المؤلفة أنه بتتبع التأثير الفني بين الشرق والغرب المبكر واستمراره حتى وقتنا المعاصر تكمن أهمية الاستشراق وقضيته على المستوى الفني.

وتقول “مع أوائل القرن التاسع عشر حدث توسع أكبر، حيث أخذ الفنانون الغربيون من المطبوعات اليابانية والصينية زخارفها وألوانها.. وتكويناتها”، نرى في القرن التاسع عشر، موجة طاغية أدت إلى انتشار قوى للفنون الصينية واليابانية على نطاق واسع في إنتاج المصورين الغربيين عن طريق مطبوعات الخشب المحفور”، إلا أن كل ما حدث في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان محاولات على نطاق ضيق، فكانت الاستفادة عن طريق النقل فقط. أما مع بداية القرن العشرين فقد حدثت سلسلة من التمردات على الفن التقليدى، “وكانت باريس في بداية هذا القرن ملتقى الفنانين من كل صوب يرتادونها لممارسة التمرد على تقاليد الفن الواقعي”.

واتجه الفنانون الغربيون للاقتباس من فنون أخرى، فكانت الفنون الشرقية، ويؤكد على ذلك جون ديوي: “في مطلع القرن العشرين، كان الجانب الأكبر من الإنتاج الفني قد وقع تحت تأثير الفنون المصرية، البيزنطية، الفارسية، الصينية، اليابانية، الزنجية”.

وتكشف “وجدنا الروح الزخرفية لفنون الشرق الأقصى قد امتزجت في أعمال جوجان الرمزية لمذهب التكوين الموحد، ونرى الزخارف والتكوينات الإسلامية قد استخدمها ماتيس رائد المدرسة الوحشية، ونشاهد المدرسة التكعيبية التى انتقلت إلى الجواهر الهندسية للأشكال الطبيعية وهذا ما يتفق وطبيعة الفن البدائي الزنجي. ونرى السريالية (التي تعمل على حل رموز عالم الأحلام وتهدف إلى معرفة خبايا العقل الباطن)، وقد اتخذت أسلوبها من فنون الحضارات القديمة وخاصة الفن الفرعوني.

ونلمس جذور الأساليب التعبيرية في الفنون البدائية الزنجية التي تتخذ وسيلة التعبير بالحركات الجسدية. ولقد أدرجت مجموعة هذه الاتجاهات تحت اسم الفن الحديث، واعتبرت تطوراً للفنون القديمة، حيث “إن الفن الحديث باتجاهاته إنما هو امتداد للتجارب الفنية في حركاتها المتطورة منذ ما قبل التاريخ إلى الآن”.

وتضيف الكاتبة: هكذا استوحى الفنان الغربي من الفنون الشرقية أشكالها، ثم وضع هذا الشكل في قالب فكري، فامتزجت الغربية بالشرقية في إطار جديد كان له أثره على الذائقة ولاقى إقبالاً. ونظراً للآثار التي أحدثتها فنون الشرق في فنون الغرب، فإنها تستحق الدراسة وذلك من خلال تحليل أعمال الغربيين ومقارنتها بأصولها الشرقية والسعى وراء الأسباب التي رفعت من قيمتها الفنية. ولذلك أصبح الدور المهم الذي لعبته ثقافات الحضارات الشرقية، من علم، وفكر، وفلسفة، وفن، في نهضة الفكر الأوروبي وازدهاره من الأمور التي يجمع عليها الباحثون، بل ومن الحقائق التاريخية الثابتة التي لا سبيل إلى إنكارها رغماً عن آراء بعض المتعصبين الذين ينكرون ذلك.

وفي محاولة للتعرف على السمات الشرقية وأثرها على الفنانين الغربيين، تتوقف المؤلفة على القوام الفني لهذه الفنون وكشف الغطاء عن مضامينها الفكرية والفلسفية وجوانبها الروحية والوجدانية، إذ أن تلك الصفات قد أغرت الفنان الحديث بأن يتجه إليها في محاولة استلهام عناصرها في تجربته، ولذلك فإن الكتاب يهتم أساساً بهؤلاء الفنانين المحدثين الذين استلهموا الفنون الشرقية في أعمالهم.

وعلى هذا النحو فإن أوروبا وفنونها منذ عصر النهضة، تأثرت تأثراً بالغاً بفنون الشرق وهو ما انعكس على الثقافة والحضارة الأوروبيتين، بصورة جعلت أوروبا لا تندفع أكثر في هاوية الظلمات الإنسانية.

تختار المؤلفة حياة وأعمال أربعة فنانين تأثر بعضهم بالفن الإسلامي، بعضهم بفنون الشرق الأقصى، والبعض الآخر بالفن الأفريقي والفن المصري القديم، فبول جوجان تأثر بالفن المصري القديم وبالفن الياباني، وكذلك هنرى ماتيس تأثر بالفن الإسلامي، وبيكاسو تأثر بالفنون الإسلامية والأفريقية، وفازاريللي تأثر بالفن الإسلامي “المشربية، الفسيفساء، النجمة والمفروكة الإسلامية”.

وتقول المؤلفة “يوجد العديد من الفنانين غير بول جوجان الذين قرروا عيش حياتهم كما تصوروها في أعمالهم. لقد عاش جوجان بين عالمين في فنه، حضارته التي اشمأز منها فأظهر الحياة البدائية بتناغمها البسيط الساذج. فاتجه إلى الفن المصري القديم الذي أثبت فيما بعد أنه خير معين له، أراد أن يثبت أن سحر البحار الجنوبية لم يكن بالنسبة إليه وسيلة أو طريقاً للهرب من عالم معاصر يعيش ضمن إطار المعارض الفنية والتقارير الإخبارية عن الفنانين، كما أنه اتجه للفن الياباني. لقد جسد جوجان وحدة جديدة بين الفن والحياة والفكر والنظام والتصور والواقع فأصبح أحد الرواد الحقيقيين للحركة المعاصرة.

وتضيف “كان اتجاه هنري ماتيس نحو الفن الإسلامي، خير معين له في ترجمة ما بداخله على سطح اللوحة، حيث قال في مذكراته: “إني عاجز عن إجراء أي تمييز بين الشعور الذي أحصل عليه من الحياة وطريقة ترجمة هذا الشعور عن طريق الرسم. إن موديلاتي أشخاص وليس جماداً. قد تكون الأشكال التي رسمت بها هؤلاء الأشخاص غير جميلة، ولكنها كانت دائماً معبرة. ليس من الضروري أن يكون الاهتمام العاطفي الذي أيقظوه في داخلي مرئياً بصورة خاصة في اللوحات التي رسمت فيها أجسامهم إذ غالباً ما يمكن ملاحظة هذا الاهتمام العاطفي في الخطوط أو القيم المختلفة الموزعة على كامل مساحة اللوحة. إني عاجز عن وضع نسخة وضيعة للطبيعة وبدلاً من ذلك أشعر بأني مجبر على تفسير الطبيعة وتكييفها مع روح اللوحة. عندما أضع الألوان معاً على هذه الألوان أن تتوحد في وتر واحد أو في تناغم لوني كما يحدث بالنسبة لوتر موسيقي أو لحن”.

هذه هي فلسفة هنرى ماتيس الفنان الفرنسي الذي عرف بأنه “سيد الألوان”.

وترى المؤلفة أنه لا يوجد أدنى شك في أن فن بابلو بيكاسو من حيث النوع والكم لا يقارن وأن رسومه ولوحاته، وبالتالي أعماله كلها، كشفت عن رجل يستحق تسميته بعبقري عصره. قد يكون رجلاً ثورياً ورساماً أدخل تجديدات لا تحصى على فن الرسم وفناناً ابتعد عن عدد كبير من التقاليد الفنية البالية، ولكن كل ذلك لا يكفى لكي يعتبر الشخص عبقرياً. حيث إنه قام بتجريب الكثير من الفنون منها الفن الإسلامي، الفن المصري القديم، الفن الزنجي الأفريقى، حيث وجد في كل تجربة خروجاً عن التقاليد الفنية السائدة، فأراد ابتكار شيء خاص به من خلال هذه الفنون.

وتوضح “من الضروري وجود شيء آخر، سحر معين أثار إعجاب وتقدير النقاد والهواة على السواء، وبالفعل كان بيكاسو يملك القدر الكبير من السحر في أعماله. إن أعماله لا تحصى إذ كان من أغزر الفنانين الذين عرفهم التاريخ. كان يرسم اللوحات بسرعة لا تصدق وكان الناس يتهافتون على شراء ما يرسمه مهما كان موضوع العمل الفني. هذا هو بيكاسو الفنان العبقري للقرن العشرين”.

أما فيما يخص فيكتور فازاريللى فترى المؤلفة أنه اتجه إلى الفن الإسلامي بكل ثقل، من خلال فن الخداع البصري فاستغل الفن الإسلامي كفن المشربية “الأرابيسك”، والفسيفساء، والنجمة والمفروكة الإسلامية، حيث التكرار، واهتم بالتركيبات الهندسية والدوائر، لقد ركز في تشكيلاته الحديثة على حروف الكتابة واتخذ نفس قواعد التركيب على الوحدات المنفصلة وإخضاعها للكل المتكامل، واستغل قيمة اللون للحصول على تبادل في الدرجات اللونية بين الشكل والأرضية وتدرجات الألوان بين الفاتح والغامق.

وكان “فازاريللي” من أكثر فناني القرن العشرين تميزاً بالقدرة على الحلم، حيث كانت حياته كلها عبارة عن محاولة لجعل الفن بمثابة كنز تنهل منه البشرية كلها، فقد استفاد من تجارب الحضارة الإسلامية، واستخدم أبسط الأشكال الهندسية الأساسية عند الفنان المسلم وهي الدائرة والمربع والمعين والمضلعات الهندسية (الأطباق النجمية)، وبدأ يعيد صياغتها من خلال الثراء اللوني والتناغم في الملامس وتغييرها، كذلك استخدم في أعماله المطبوعة ملامح الفلسفة التي اتبعها الفنان المسلم من حيث اعتماده على الخطوط السوداء والبنية التي تحدد الأشكال وتعطي لها تأثيراً منظورياً، وكذلك تعامل مع فكرة ملء الفراغ باستخدام العناصر الهندسية التي تضيف للعمل المنظور الحركي.

(ميدل ايست اونلاين)

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة