الرئيسية / متابعات ثقافية و فنية / في رحيل إيف بونفوا

في رحيل إيف بونفوا

 

برحيل الشاعر الفرنسي الكبير إيف بونفوا، مساء الجمعة الماضي، عن سن يناهز الثالثة والتسعين، يكون شعراء العالم ومبدعوه ومثقفوه قد ودّعوا أحد أهم رموز الشعر والنقد الفني والترجمة في العصر الراهن.

وقال بيت الشعر في المغرب في بيان له عقب رحيل الشاعر: نودع صديقاً رائعاً حظينا بحضوره الجميل بيننا بمناسبة منحه جائزة الأركانة للشعر، في دورتها الثامنة، في حفل ثقافي وفني حاشد احتضنه المعرض الدولي العشرون للكتاب والنشر في الدار البيضاء، سنة 2014.

وإذا كانت جائزة نوبل للآداب التي رشح إيف بونفوا مراراً لنيلها قد فاتها شرف تتويج عطائه العميق الباذخ، فإن جوائز شهيرة كانت من حظه، من أهمها: الجائزة الكبرى للشعر للأكاديمية الفرنسية (1981)، جائزة غونكور (1987)، الجائزة العالمية سينوديل دوكا (1995)، جائزة الإكليل الذهبي (1999)، جائزة فرانتس كافكا (2007)، الجائزة الكبرى بييريت ميشلو للشعر (2011)، جائزة الشعر روجي كووالسكي (2011)، جائزة معرض غوادالاخارا الدولي للكتاب (2013).

وقد قدم إيف بونفوا، طيلة مسار شديد الامتداد والامتلاء. إبداعاً شعرياً ذا خصوصية تضع اللغة في قلب التجربة الإنسانية المباشرة؛ لغة تتخلق للوهلة الأولى، وتسمي الأشياء والكائنات من جديد، وتُفرغ الكلمات من الأكاذيب والأوهام وتعيد العالم إلى صورة حضوره.

وكان لا بد لتجربة بونفوا التي زاوجت الممارسة الشعرية بالعمل الفكري، عبر الفلسفة والنقد الأدبي والفني والميثولوجيا، مع جهد رائع في الترجمة نقل به إلى الفرنسية أعمال شكسبير وييتس وجون دون وبيتراركا ويورغوس سيفيريس وقصائد الهايكو وغيرها، كان لا بد لهذه التجربة العميقة أن تجد صدى في المشهد الثقافي العربي الذي انبرى شرقه وغربُه إلى ترجمة شعر إيف بونفوا رغم صعوبته البالغة.

وقد اجتهدت أسماء عديدة في ذلك، منها: أدونيس، أحمد عبدالمعطي حجازي، بول شاؤول، عيسى مخلوف، محمد لطفي اليوسفي، خالد النجار، محمد بن صالح، حسونة المصباحي.

وقد استثمرنا، في بيت الشعر في المغرب، مناسبة تتويج إيف بونفوا بالأركانة العالمية، فقدمنا إسهاما مغربيا في ترجمة جديد شعره، أنجزها مشكورين كل من الشاعر رشيد خالص والباحثة أسماء خلا. وصدر هذا الكتاب ضمن منشوراتنا، متضمناً كذلك حواراً مطولاً وعميقاً مع إيف بونفوا حول تجربته ورؤيته للعالم والوجود والكتابة، عبّر فيه عن سعادته بجائزة الأركانة لكونها ممنوحة من شعراء اللغة العربية، وأكد أن العربية كانت حاضرة دوما في أفق كتابته الشعرية. كما شكر بونفوا، في ختام الحوار، أصدقاءه شعراء المغرب على صونهم مهمة الشعر حيةً.

وأشاد تقرير لجنة تحكيم جائزة الأركانة العالمية للشعر بتجربة هذا الشاعر الفذ الذي قاوم غواية اللغة وإغراء اللامنتهى من جهة، وكمال العالم الذي افتتن به من جهة أخرى. وأوضح التقرير أن هذه الزاوية الحرجة التي اتخذ منها إيف بونفوا مكانا لصوته جعلت شعره متأرجحا بين القول الشعري والتأمل النظري، فظل وثيق الصلة بأشياء الحياة البسيطة، حيث يغدو فضاء انبجاس الشعر فضاء يتجدد فيه الواقع عبر كيمياء الكلمات.

***

ولد إيف بونفوا في مدينة تور عام 1923، من أب كان يعمل في مصلحة السكك الحديدية وأم ممرضة ثم معلمة.

بعد دراسات متخصصة في الرياضيات بالأقسام التحضيرية بثانوية ديكارت في تور ثم بجامعة بواتيي، قرر إيف بونفوا عام 1943 أن يستقر بباريس ليكرس وقته للشعر، وهناك تعرف على مجموعة من الشعراء السرياليين وصاحبهم.

تابع دراسته الجامعية في الفلسفة وتاريخ العلوم بجامعة السوربون.

بدأ الكتابة حوالي 1945 ونشر مقالة عازف البيانو ثم أسس مجلة “ثورة الليل” التي نشر فيها جزءا من قصيدته السريالية القلب – فضاء، ليحدث بعد ذلك قطيعة مع السريالية سنة 1947. وحصل على دبلوم الدراسات العليا بعد أن أنجز دراسة تحت إشراف الفيلسوف الفرنسي جون وال حول بودلير وكييركيغارد.

في بداية الخمسينيات، سافر إيف بونفوا، بفضل حصوله على عدة منح، إلى بلدان أوروبية من بينها إيطاليا حيث كان يتردد على حلقات آندريه شاستل في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا ثم عمل لثلاث سنوات كباحث في المكتب الوطني للبحث العلمي واشتغل بالتحديد على منهجية النقد في الولايات المتحدة الأميركية.

اشتهر إيف بونفوا كشاعر بعد إصداره لديوان “دو ﭫ، حركة وثباتا” سنة 1953 عن دار مركور دو فرانس. وتلته الدواوين: سائدة أمس الصحراء (1958) وحجر مكتوب (1964) وفي خديعة العتبة (1975) ثم ما كان بلا ضوء (1987) وبداية الثلج ونهايته (1991) والحياة التائهة (1993) والألواح المقوسة (2001) وسلسلة المرسات الطويلة (2008).

كما أصدر كتابات نثرية شعرية أولها في عمق البلاد (1972) وهي سيرة ذاتية تبرز العلاقة بالعمل الفني ثم تلاها قصص في الحلم (1987).

عمل إيف بونفوا في مجال التدريس منذ 1960 في عدد من الجامعات بسويسرا وفرنسا والولايات المتحدة. وفي سنة 1981، انتخب أستاذاً في مؤسسة كوليج دو فرانس حيث ترأس قسم الوظيفة الشعرية المقارنة حتى سنة 1993.

ترأس هيئة تحرير «قاموس ميثولوجيات وأديان المجتمعات التقليدية والعالم القديم» في مجلدين بمشاركة حشد كبير من العلماء (الطبعة الأولى 1981، إعادة الطباعة في (1999).

إلى جانب الشعر، اهتم إيف بونفوا بتاريخ الفن، حيث أنجز بحثا حول الرسومات الجدارية لفرنسا القوطية (1954) وآخر بعنوان روما 1630، أفق الباروكية الأولى (1970). نشرت هذه الأعمال بعد ذلك على شكل مجموعات مقالات نقدية.

وبإلاضافة الى ذلك، نذكر اللامحتمل (1959) والسحابة الحمراء (1977) وحقيقة الكلام (1988) وحوارات حول الشعر (1972-1990) والشعر والفن المعماري (2001) وتحت أفق اللغة (2002).

وترجم بونفوا عدة أعمال لشكسبير (هاملت، ماكبث، روميو وجوليت، جول سيزار، حكاية الشتاء، العاصفة، أنطونيو وكليوباترا، وغيرها).

وفضلا عن الجوائز العديدة التي ذكرنا في مطلع هذه الكلمة، فقد تم منح الشاعر الراحل دكتوراه فخرية من عدة جامعات من بينها الجامعة السويسرية نيوكاسل والكوليج الأمريكي بفرنسا وجامعة شيكاغو وروما وأكسفورد.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

الجيدة رئيسا لمجلس إدارة نادي الجسرة لدورة جديدة

خاص- الجسرة   تم عقد الجمعية العمومية العادية لنادي الجسرة الثقافي الاجتماعي مساء الأربعاء الماضي …