ساحر الأسئلة

علي زراقط

إن كان للسينما قديسون، فلا بدّ أن كيارستمي أحدهم. وإن كانت السينما هي صنعة السحرة فلا بد أن كيارستمي هو كبيرهم الذي علّمهم السحر. القديسون يبحثون في الجسد الفاني، عن تنمية الروح والاتصال بما هو أكبر وأعظم لأجل الوصول إلى الحقيقة، فيما السحرة يبحثون عن اللحظة التي تصير استعارةً عن الحياة، لحظة اختفاء الجسد ثم ظهوره، أو لحظة خروج الأرنب من القبعة، هذه اللحظة التي تلمع فيها المعرفة في عين الرائي فيدهش. هي كذلك سينما كيارستمي الساحرة التي تلهيك بقصص بسيطة، كي تخترق مشاعرك وعقلك بأسئلة عما هو أكبر وأعظم، عن الحقيقة خلف اختفاء الجسد وظهوره.
«كراسي السينما تجعل المتفرّجين كسالى. هم يتوقعون أن يتمّ منحهم كل المعلومات. لكن بالنسبة إلي، علامات الاستفهام هي علامات الترقيم في الحياة». يقول كيارستمي، الذي وضع علامة الاستفهام الأخيرة في حياته يوم الاثنين الرابع من تموز ٢٠١٦. بعد صراع مع سرطان في الأمعاء، توقف كيارستمي عن طرح أسئلته التي شغلت محبي السينما لأكثر من أربعين سنة. رحل عباس كيارستمي، إلا أن أسئلته بقيت بلا أجوبة، تحث المشاهد الكسول إلى البحث والتأويل.
في المشهد الافتتاحي من «سوف تحملنا الريح» تعبر السيارة بركابها طريقاً جبلية، نرى السيارة من بعيد، نراها وهي تسير في الطريق الملتوية باعثةً الغبار خلفها، فيما يجري الحديث داخلها عن المكان الذي يقصدونه. يقول أحدهم إن عليهم أن يجتازوا نفقاً للوصول إلى الطريق، فيجيبه الآخر انهم تجاوزوه فيما كان نائماً، ليكملوا الطريق وليدور الحديث حول شجرة ما عليهم أن يجدوها. بتلقائية، ومن حيث لا تدري يأتيك الاحساس بأن هذه السيارة قد عبرت للتو النفق إلى حياة أخرى، ليس بالضرورة إلى ما بعد الحياة، بل إلى نوع آخر من الحياة. في هذه الحياة الجديدة التي يرسمها كيارستمي على الشاشة يقرأ المشاهد إشارات الطبيعة من شجر أو ريح كما يقرأ الملاّحون الخرائط، أو كما يقرأ العرّافون الطالع، في خطوط اليد، في بقايا القهوة، أو في إشارات الأفلام المرسومة على الشاشة. لا شيء دقيقا، لا شيء مؤكدا، إلا أنك تدرك أن هناك معنىً لهذه الإشارات، نوع من الإيمان تبثّه فيك هذه المشاهد، نوع من الصلاة، التي تمسّد الروح، وضرب من السحر، الذي يترك فراغاً فيخلق الدهشة والرغبة في البحث والتحليل.
الخيارات
أفلامه تدور دائماً حول البحث، عن الحركة الداخلية والخارجية التي تضع الانسان في تماس مع الخيارات. فمن الطفل الذي يبحث عن منزل صديقه كي يعيد له الدفتر في «أين منزل الصديق»، إلى السيارة التي تعبر الجبال باحثةً عن الشجرة التي سوف تدلها على الطريق في «سوف تحملنا الريح»، إلى المخرج الذي يبحث عن فريق عمله في فيلمه السابق بعد الزلزال الذي ضرب منطقة تصويره في «وتستمر الحياة»، إلى الرجل الباحث بين وجوه مياومي طهران عن عامل يدفنه بعد انتحاره في «طعم الكرز»، تحتل الحركة والبحث الدائم المكان الأوسع في أفلامه. لطالما كانت شخصياته قلقة وباحثة، وعلى الأرجح أنها كانت تبحث عن الهدوء، السكينة، الطمأنينة، أي التوقف. هذه الحركة الدائمة التي هي الحياة، تبدو محكومةً بهاجس التوقف، وهذا السعي الدائم عبر الأسئلة، يبدو محكوماً باستحالة الإجابة. على هذا البنيان المتناقض يبني شاعر السينما الإيرانية قصصه، ففي تماس الحياة الدائم والمباشر مع الموت، أو الحياة ما بعد الموت، تدور أسئلته، ربما تلك هي روح كيارستمي التي كانت تبحث عن السكينة، ترى هل لنا أن نسأله إن كان وجدها في موته؟!
من يشاهد مقابلة مع كيارستمي عن فنّه، يعلم أن المعلّم لم يرد يوماً أن يمنحنا أجوبةً، لم يرد لنفسه قالباً معداً بشكل مسبق. فهو لا يعرّف عن نفسه كمخرج، ولا حتى كفنان، بل يدّعي أنه يحاول أن يمارس أعمالاً كالسينما، الفن والشعر كي يضعنا أمام خيارات الحياة، أمام الطبيعة بما هي. يقول: «أصور مواضيع من الحياة العادية، في مواقعها الطبيعة التي يجدها البعض غير سينمائية. إلا أن ما أريد أن أظهره هو الطبيعة بذاتها، كونها حقيقة الحياة».
شخصيات مسافرة
لم يبدأ كيارستمي حياته الفنية في مجال السينما، بل كان يريد أن يكون رسّاماً، إلا أنه لم يجد في عمله التشكيلي الجودة التي يريد، فاتجه إلى تصميم الإعلانات، ومن ثم تصميم إعلانات الأفلام إلى أن وجد نفسه في مجال صناعة الأفلام الخاصة بالأطفال. هو طريق أيضاً غير محددة الملامح، يشبه أفلامه، يشبه شخصياته المسافرة دائماً إلى مكان ما، لا تعلم ما هو بالضرورة، إلا أن ما يهم من هذا كله هو الرحلة. نتذكر فيلمه «مسافر» (١٩٧٤) الذي يحكي قصة ولد يريد أن يسافر من مدينته الصغيرة إلى طهران ليشاهد مباراة في كرة القدم، فيحاول جمع المال عبر العديد من الحيل إلى أن ينجح في الوصول إلى الملعب، لكنه يكتشف أنه دخل باكراً جداً وأن ثلاث ساعات تفصله عن المباراة، يقرر أن يكتشف المكان بنفسه، ثم ينام قليلاً إلا أنه حين يستيقظ يرى أن الملعب بات فارغاً وأن المباراة انتهت. أليست هذه رحلة حياة؟ صراع لأجل ما نشتهيه، نرتكب في سبيله الذنوب، ثم عندما يصير بين أيدينا نغمض أعيننا لنكتشف أن الوقت قد مضى؟ هذا النوع من الأسئلة الوجودية، الممررة ببساطة توازي السذاجة، هو ما يميّز كيارستمي، الذي يقترح صراعاً حول أسئلة الوجود والعدم بلا افتعال، وبلا ادّعاء. هل يكفي هذا النص لاستعادة كيارستمي؟ لا أظن أن أي كلام قد يكفي، ربما يكفينا الصمت وإعادة مشاهدة أفلامه، مراراً. وداعاً عباس كيارستمي، ها أنت عبرت النفق في رحلة جديدة وتركتنا مليئين بالأسئلة.

محطات
مواليد 22 حزيران العام 1940 في طهران.
مخرج سينمائي وكاتب سيناريو ومنتج أفلام ومصور فوتوغرافي ومصمم غرافيك ورسام وشاعر.
بدأ العمل في مجال السينما العام 1970، لينجز خلال مسيرته أكثر من أربعين فيلما ما بين شريط وثائقي وقصير وروائي.
يعتبر كيارستمي من مخرجي تيّار «الموجة الإيرانية الجديدة» التي تشكلت في نهاية ستينيات القرن الماضي، والتي ضمت العديد من الأسماء البارزة، منها فروغ فرخزاد وسهراب شهيد ثالث وبهرام بيضائي وبرويز كيماوي وغيرهم… ومن خصائص هذه الموجة أسلوب المحادثة الشعرية، كما أن «القصة» التي يعالجونها تنحو إلى موضوعات السياسة والفلسفة.
تميز كيارستمي باستخدامه الكاميرا الثابتة، وكثافة الحوار، كما أن أفلامه الروائية تملك الكثير من عناصر السينما الوثائقية، وقد جاء القسم الكبير من هذه الأفلام في إطار المناطق الريفية. كذلك عرف عنه اختياره الأطفال كأبطال لأفلامه. ميزة أخرى تمتع بها أن ممثليه كانوا في البداية من الهواة، قبل أن يلعبوا أدوارهم معه ليحترفوا الفن لاحقا.
تمتلئ أفلامه بمرجعيات الأدب الفارسي كذلك بالمرجعيات الشعرية الإيرانية المعاصرة، على سبيل المثال عنوان «أين منزل الصديق» هو عنوان لقصيدة من قصائد الشاعر الكبير سهراب سيبهري، و «سوف تحملنا الريح»، جملة من قصيدة للشاعر الكبير فروغ فرخزاد. في أي حال، عرف عن كيارستمي بأنه شاعر السينما.
أثارت أفلامه الكثير من حماسة النقد الذي كال له المديح، مثلما عرف نجاحا جماهيريا، ومن أبرز أفلامه ما اصطلح النقاد على تسميته «ثلاثية كوكر» وتضم «أين منزل الصديق» (1987) و «الحياة تستمر» (1991) و «عبر أشجار الزيتون» (1994) كما «المسافر» (1974) و «كلوز أب» (لقطة مقربة 1990)، و«طعم الكرز» (1997) و «سوف تحملنا الريح» (1999) و «نسخة مطابقة» (2010).
أول مخرج إيراني يحوز «السعفة الذهبية» في مهرجان كان العام 1997 عن فيلم «طعم الكرز» (أو مذاق الكرز).

(السفير)

شاهد أيضاً

“واجب” لآن ماري جاسر .. حين تختبئ السياسة خلف نقد قاس للمجتمع “النصراوي”

يوسف الشايب لا يمكن القول إن فيلم “واجب” لآن ماري جاسر، مرشح فلسطين للمنافسة على …