الرئيسية / فن تشكيلي / هاني حوراني رسام واقعي بإفراط وخيالي بخفة

هاني حوراني رسام واقعي بإفراط وخيالي بخفة

فاروق يوسف

فاجأني الفنان الأردني هاني حوراني مرات عدة عبر سنوات صداقتنا التي تمتد إلى أكثر من ربع قرن. كان الرجل يتنقل بين اهتماماته الفكرية والفنية بمزاج نخبوي تمكن منه الشغف بالجمال. وإذا ما كان حوراني قد ترك رجل السياسية الذي كانه في شبابه وراءه فإن كل ما فعله في سنواته التالية التي كانت ولا تزال مفهمة بالنشاط الفني والفكري لا يبتعد كثيراً عن حاضنته الفكرية الأولى، مقاوماً للأفكار السائدة، باحثاً عن احتمالات أخرى ومجدداً أسئلته الاجتماعية وتفككه بما تحمل من قيم ثقافية صادمة.
كل رداء ارتداه حوراني كان مناسباً له، بسبب اخلاصه وتفانيه في أن يكون هو نفسه مَن يكمل مغامرته إلى نهايتها. اما حين يتأكد من أن قام بواجبه بالطريقة التي ترضيه وأن يديه باتتا فارغتين فإنه ينصت إلى ما يقوله قلبه ليمشي وراء عاطفته، متحدياً المكانة التي وصل إليها بسبب ما أنجز.
حين اصطدم بحقيقة أن التغيير لا يتم من طريق النظريات أغلق مركز الدراسات السياسية الذي أنشأه في تسعينات القرن الماضي وتحول إلى التصوير. اما حين اصطدم بحقيقة أن التصوير بكل تقنياته قد لا يلهمه إلا الوصف انتقل إلى الرسم. وهنا بالضبط تمكن من النظر إلى الداخل بعينيّ المفكر والفوتوغرافي مجتمعين. وكما يبدو فإن حوراني قد تعلم من مغامرتيه في السياسة والتصوير الشيء الذي ينفعه في الرسم. أن لا يسمح لعاطفته في أن تجره إلى سحرها وتغمض عينيه برذاذها الناعم.
في معرضه «صدأ» الذي أقامه في مركز رؤى – عمان يخلص إلى الفكرة من جهة ما تنطوي عليه اختلاف المعارض ويتقن النظر إلى الصورة كما لو أنه في سباق مع الواقع، غير أنه في الوقت نفسه يستميت في الدفاع عن كل ما يمكنه أن يعينه على الظهور رساماً، يمتعه أن يمد أصابعه الملوثة بالأصباغ إلى القماش الأبيض فتنبعث الأشكال من مكان خفي. مكان يحدس الفنان أنه لن يكون مأموناً دائماً. وهو ما جعله يوحي بأنه يكرر مفردته كما لو أنه يستطرد راكضاً وراء الإيقاع الزخرفي.
في حقيقته فإن هاني حوراني كان يجرب أن يعيد رسم الشيء نفسه لكن بالطريقة التي نخدع أنفسنا بها. ليس الأمر بالنسبة إليه كذلك. فالزمن ليس سوى فكرة زائلة. مثلها مثل المهملات التي صورها بعد أن تأملها بصرياً طويلاً. ما يشغله فعلاً هو ما يتركه خيال يديه على ســطح اللوحــة من أوهام بصرية مجسدة.
يفكر هاني في الرسم أولاً ومن ثم تأتي مرحلة التفكير في الشيء الذي يرسمه والذي لن يكون خالصاً إلا بقدر قدرته على أن يكون عنصراً في النسيج الكلي الذي تقترحه يدا الرسام وهما تقترحان صورهما. من هذا المنطق يمكننا أن نفهم السبب الذي دفع بالفنان إلى أن يحتال على الرمانة والديك ليبتعد بهما عن الإشارة إلى فضاء حكاياتهما التقليدية. فلا التفاحة تؤكل ولا الديك يصيح. الأشياء التي صورها وفكّر من خلالها في أوقات سابقة هي مواد لأبنية خيالية، سيكون عليه انشاؤها بطريقة تتماهى مع خيال يديه. وكم أكبر في هاني ذلك العناد الذي يدفعه إلى التخلي عما يعرفه من موهبته لصلحة ما يجهله منها. ليس اليأس ما يدفعه إلى القيام بذلك ولكنه الأمل. الأمل في أن يكون العالم جميلاً.
ما يُسعد في رسوم هاني حوراني أنها تستفز المشهد الفني وقد اصطدم الرسم في العالم العربي بجدار الوصفات الجاهزة. مشهد لا يدعو إلى التفاؤل. هناك يأس شديد من أن يتمكن الرسم من استعادة دوره التنويري في تثقيف المجتمع جمالياً. صار الرسامون العرب، يقلد بعضهم بعضاً ويضيعون في لعبة التكرار.
هاني وإن كان واقعياً مفرطاً في رسومه فإنه يحضر من جهة مجهولة. وهو ما يضفي على تجربته في الرسم الكثير من الفطنة والطزاجة والطرافة التي صار الرسم في العالم العربي يفتقدها.

(الحياة)

شاهد أيضاً

معرض متوسطي للفنون التشكيلية في ليبيا

افتتح أمس (السبت) في «قاعة الشهداء» في مدينة مصراتة، شرق العاصمة الليبية طرابلس، المعرض الدولي …