الرئيسية / حوارات / المفكر مصطفى الرزرازي: النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب «رياديٌ»

المفكر مصطفى الرزرازي: النموذج المغربي في مكافحة الإرهاب «رياديٌ»

الصادق الرضي

يعد المفكر المغربي المصطفى الرزرازي، احد أبرز الأصوات المعاصرة في العالم العربي، في تفكيك ظاهرة «الارهاب»، عبر دراسات فيمونولوجية، تظهر مدى تعمقه في الخلفية الدينية والسياسية والاجتماعية لبيئات التطرف، وابعاده في التأريخ اليومي وتأثيره على المجتمع العربي والغربي على حد سوا.
الرزرازي، اضافة الى اشتغاله في البحوث، يدرس اختصاصاً يسمى «إدارة الأزمات»، في جامعة سابورو في اليابان، وهو ايضاً استاذ زائر في جامعة محمد الخامس في الرباط.
نشر عددا كبيرا من الدراسات حول التطرف والإرهاب بعدة لغات، وكان ضيفا يوم الخميس الماضي في مجلس العموم البريطاني، حيث قدم كتابه الصادر في لندن باللغة الإنكليزية «حرب المغرب حول الإرهاب: دروس في التعاون الأمني».
«القدس العربي» التقت بالمفكر المغربي، وهنا نص الحوار:

■ تبحث دوماً في ظاهرة التطرف، لكن يبدو كتابك الأخير، الذي يركز على الحرب الأمنية التي تشنها الحكومة المغربية، ضد الجماعات المتطرفة، متوغلاً، في مفاهيم الارهاب، فما هي أهم محاور هذا الكتاب؟
□ في هذا الكتاب قمت بعرض النموذج المغربي في مكافحة التطرف والإرهاب، من خلال تبنيه مقاربة متعددة الجوانب، اقتصاديا وقانونيا وحقوقيا ودينيا ودبلوماسيا، علاوة على موازنة التعاون الأمني في شقيه متعدد الأطراف والثنائي.
وإذا ما أخذنا طبيعة الأداء المغربي في تدبير الشأن الديني، نجد أن مقومات إعادة هيكلة الحقل الديني في المغرب، يتم من خلال تعزيز دور إمارة المؤمنين، المؤسسة العريقة التي تمنح للمغاربة عمقا تاريخيا للاستقرار والأمن الروحي، وتنزع عن المتشددين أي شرعية دينية في خطابهم السياسي المتأدلج بلغة الدين. علاوة على أن ما يميز تجربة المغرب في تدبير الحقل الديني عن غيرها داخل النسيج العربي الإسلامي العام، هي أنها لم تعن بمضمون العقيدة الدينية فقط، بل شملت أيضا، علاوة على التمركز حول المذهب الأشعري المالكي المعتدل، حقل تنظيم مراكز التعبد، ثم الاهتمام بالفاعلين الدينيين من أئمة ومرشدين بإعادة تأهليهم، وكذا إدماجهم داخل سلك الوظيفة العمومية، بما يجعل المؤسسة الدينية في المغرب تتبنى مفهوم الأئمة المعتمدين، ومن ثم فهي تقطع الطريق على ظاهرة التطوع في تدبير المساجد.
في هذا الكتاب قمنا أيضا بعرض أهم محطات التطور التي شهدتها الظاهرة الارهابية في المغرب منذ منتصف التسعينيات، مشددا على أن أحداث 2003 في الدار البيضاء كانت محطة مركزية في تجديد المغرب لوسائل عمله في التعاطي مع الظاهرة، وتبنيه لمقاربة شاملة تتقاطع فيها الإصلاحات القانونية والاجتماعية والاقتصادية، وإعادة هيكلة الحقل الديني، مع إعادة تجديد بنيات المؤسسات الأمنية، التي تبنت مقاربة استباقية تتناسب مع حجم التهديدات الإرهابية، وأن الحذر المستمر والتعاون الأمني مع الشركاء الأوروبيين والأفارقة ومن العالم العربي والولايات المتحدة وآسيا هما السبيل الأمثل لقطع الطريق على ظاهرة الإرهاب العابرة للأقاليم.
■ هناك تركيز واضح على أهمية التعاون الأمني الثنائي، لماذا؟
□ تجربة المغرب لم تقتصر على التعاون مع شركائه في اندماجه في تعزيز التنسيق والتعاون المعلوماتي والعملياتي، بل راكم تجربة بات من خلالها اليوم رائدا في تأسيس عقيدة جديدة للتعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، وهي عقيدة تتأسس على رفع التعاون الأمني إلى درجة فوق دبلوماسية، بما يفيد بأنها علاقات تعاون لا تتأثر بحالات الفتور التي قد تقع بين الحكومات. كما أن النجاحات في التعاون الأمني تتخللها للأسف بعض المعوقات التي تستمد أسسها من خلفيات سياسية، كما هو شأن التعاون المغربي الجزائري فهو شبه منعدم للأسف، رغم وجود تهديدات أمنية مشتركة للبلدين من الساحل ومن جهة البحر الأبيض المتوسط ومن ليبيا، بسبب عدم وجود رغبة لدى الجزائر لتناسي خلافاتها مع الرباط حول ملف الصحراء ورفع عتبة التعاون إلى ما فوق الخلافات.
ثم هناك معوقات فنية، يضيف المحاضر، ترتبط باعتماد بعض الدول، خاصة في أفريقيا، على قوات الجيش في مكافحة الإرهاب، على اعتبار أن الجماعات الإرهابية نجحت في هذه الدول في تأمين مناطق نائية للتحرك ولتنفيذ عملياتها، عكس مقاربة الاستخبارات التي تتأسس على الترقب، وتفكيك الخلايا، قبل نموها ونزوحها نحو الجبال أو نحو خلق بؤر للتموقع المجالي.
لكننا اليوم وبعد أن ضرب الإرهابيون مواقع قريبة جدا من أقدس مكان للمسلمين وهو الحرم النبوي الشريف، أصبحت الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ميثاق عالمي للتعاون الأمني ضد الإرهاب يتجاوز مجمل الخلافات الثانوية، سياسية كانت أو اقتصادية، على اعتبار أن الإرهابيين لا يتسللون عبر الحدود، ولكنهم يستغلون أيضا لحظات التوتر القائمة بين عدد من الدول للتسلل عبرها واستغلال لحظات التراخي الأمني.
■ في عمل جامعي سابق اشتغلت على سيكولوجيات الجهاديين الانتحاريين، هل لنا أن نعرف ما إذا سلطتم ضمن هذا العمل على الجهاديين العرب المقيمين في أوروبا، وارتباط بعضها بالتنظيمات الارهابية، وما رأيك بمن يحاولون ربط هؤلاء الإرهابيين الأوروبيين ببلدانهم الاصلية مثل دول المغرب العربي؟
□ في محاولة للفهم، أظن أن هناك بروتوكولا إجرائيا في بناء الفرضيات يجب أن يحترم. إذ عادة ما تكون الفرضية الهادفة إلى البحث عن توليد مبررات لإسقاط المسؤولية عن طرف دون آخر أو على عامل دون آخر، هي أشبه بالفعل العنيف الذي لن يؤدي إلا لإجابات قسرية، خاطئة. وأذكر أنني خلال الأشهر الأخيرة، كلما حاضرت في موضوع الإرهاب في إحدى الدول الغربية، يطرح سؤال، لماذا يتصدر أبناء دول المغرب العربي لائحة منفذي العمليات الإرهابية في أوروبا؟ سؤال، يستمد بكل تأكيد شرعيته الإحصائية، لكنه مزعج لعقل الباحث، لأنه يضطرك إلى توليد أجوبة غالبا ما تتخللها لحظات قلق جيني، وتسقطك لا محالة في منطق الرد على المنطق السببي، الموسوم برائحة العنصرية المقيتة. ومع ذلك، لابد لنا من أن نحاول فهم هذا التراتب الجغرافي بين دول الجنوب في توليد الإرهاب، او لنقل في توليد منفذيه.
في محاولة أولية لتصنيف آخر الإحصائيات، نجد أنفسنا مثلا في الاعتداءات الأخيرة التي عاشتها بلجيكا وفرنسا أن منفذي العمليات هم غالبيتهم: شباب ينحدرون من أصول مغاربية، من المغرب وتونس والجزائر، ينتمون إلى الجيل الثالث أو الرابع من أبناء المهاجرين الأوائل الذين هاجروا إلى أوروبا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ينحدرون من أوساط أسرية تتراوح بين الانحدار والترتيب المتوسط داخل الهرم ينتمون لأسر تعيش حالة تمازج لغوي- ثقافي متنافر: يتميز بعدم الاتقان لا للغة والثقافة الأم، ولا لثقافة ولغة البلد المضيف، ونقصد هنا بعدم الإتقان – ليس الإتقان اللساني المنحصر في التواصل مع الاخرين، ولكن نعني به الفشل في التعبير عن الهوية الذاتية بلغة وثقافة معينة. ورغم تجنسهم بجنسية بلد الإقامة والولادة، فأسرهم لم تتوفق في الاندماج داخل مجتمعاتها الغربية، كما أن أسرهم أغلبها إن لم نقل كلها لم تقتن بيوتا في بلد الإقامة، رغم تجنسها هناك، بينما كان استثمار الآباء في شراء إقامات في البلد الأصل، على أمل العودة أو وهم العودة، كما يقول سوسيولوجي الهجرة عبد المالك الصياد. مصحوبا بإقامتهم في إحدى الأحياء الفقيرة المتنامية على ضواحي العواصم الأوروبية، أضف إلى كل هذا أن أغلبهم يعاني من الفشل الدراسي، ثم إن مجملهم له سوابق في المخدرات والجريمة. دعنا نمارس تمرينا نظريا، رياضيا في محاولة فهم هذه العناصر، واقترح هنا ثلاث نظريات:
نظرية سوسيولوجيا الهجرة التي تتأسس على مفهومي العودة ووهم العودة، ثم نظرية اقتصاد الهجرة التي تعتمد على أن قياس الاندماج ليس في إتقان العادات، لكن في الاستثمار في المستقبل داخل البلد المضيف، ومؤشرها المركزي الملكية، ثم نظرية التحليل السياسي لأصوليات المهجر التي ترى أن الحركات الأصولية في المهجر ركزت على التطرف العقدي، أكثر من التطرف في المعاملات أو العبادات. بينما ركزت أصوليات الدول الإٍسلامية على التطرف السلوكي وفي العبادات. وأخيرا نظرية سيكولوجيا الهجرة التي تتأسس على مقولة إن من يفشل في الثقافة الأم من المهاجرين، هو يفشل لا محالة في الثقافة الثانية.
ربما يمكنا القول بأن مؤشرات الشخصية غير المستقرة فكريا ولغويا وعاطفيا ومعرفيا، عوامل تؤسس لا محالة من بناء شخصيات غير قابلة على التأليف بين المتناقضات داخل الذات، بهدف الحصول على الأمن الروحي، ما يؤدي بها إلى النزوع نحو تأسيس شخصية انشطارية تفصل الحب عن الكره، وتبحث عن موضوعين مستقلين، أو متضاربين لمنح الحب لهذا، والكره لذاك. بكل تأكيد أنها عمليات سيكولوجية دفينة، تتأسس بشكل لاشعوري، وغير إدراكي، لكنها تنمي الاستعدادات الدافعية في البحث عن البدائل المتمردة. وربما تكون الجريمة أو المخدرات إحداها. إلا أن البناء الثقافي الأصلي الذي يعيش معزولا ومغتربا داخل ذات المهاجر، وصرامة الإكراه البدني للمؤسسة الغربية في مواجهة هاتين الظاهرتين، يدفعان بالمراهق نحو البحث، كلما توافرت الوسائل، عن الحلول المطهرة، الطاردة للألم والتناقض، بل أيضا المحققة لحلم الانتقام وتفريغ السادية المتراكمة على امتداد السنوات.
هذا طبعا جانب واحد من التحليل لمحاولة الفهم، لكن لا يعفينا ذلك من ضرورة البحث في المكونات العامة الأخرى، المرتبطة بالدولة الاصل، والدولة المضيفة من زوايا متعددة تشمل التاريخ والسوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الاعتقاد ثم السياسيات الثقافية واللغوية، إذ غالبا ما نجد أن ليبراليي الأمة يتموقعون ضد ثقافة الأمة ولغتها، أو يتحايلون على هوية الجموع بتقديم ثقافة الفلكلور على ثقافة الهوية، تحت غطاءات عقيمة لما يسمونه حفريات الأنثروبولوجيا الثقافية. إذا عدت إلى الجانب الذي يعنيني أكثر، نجد أن مخرجات المسح الميداني الذي قمنا به، نفهم أن ظاهرة التطرف ظاهرة بدأت تنفلت يوما بعد يوم من كل التقييدات الأيديولوجية بحيث أصبحت تغطي كل الدول وكل الأديان.
وللتذكير فعلى مستوى منطقتنا العربية الإسلامية، شهدت ظاهرة التطرف الجهادي تحولا منذ حوالي عشر سنوات بانتقال حركات الجهاد العالمي من الصيغة التنظيمية المركزية في تدبير عملياتها إلى صيغة الشبكات اللامركزية. كما نجد ان العمليات الانتحارية لا تنحصر على شريحة العزاب، أو الفقراء، أو مرضى الاكتئاب أو الذكور دون النساء أو الأميين دون المتعلمين، بل امتدت لتتسع قاعدتها الاجتماعية وتشمل الطبقات الوسطى والعليا، ومن فئات الحاصلين على الشهادات العليا. ويبقى المراهق الشخص الأكثر ترشيحا للانسياب، والاستقطاب لهشاشة آلياته الدفاعية، وعدم اكتمال نضجه، خاصة في الشق المتعلق بالذكاء الاجتماعي والذكاء العاطفي.
إذا ما سلمنا بأن أغلب الأفراد الذين يتم استقطابهم من لدن الجماعات الجهادية هم من شريحة الشباب، فإنه من الجلي أن طبيعة الفترة العمرية للمراهقة تلعب حتما دورا في تهيئة المراهق لعملية الاستقطاب بما يشمل تقبله للقيم الفكرية لهذه الجماعات، المبنية على تغذية العدوان والكراهية. أظن أن مزيدا من البحث النفسي الاجتماعي سيساعد لا محالة في فهم الظاهرة، ومن تم وضع الإستراتيجيات والبرامج الكفيلة بتفاديها وإنقاذ ضحاياها، سواء من أولئك الذين يموتون كضحايا للعمليات الانتحارية، أو أولئك الذين ينفذون هذه العمليات بعد أن تم استقطابهم وترويضهم عقليا ونفسيا وجسديا، ثم تحويلهم إلى آلات للقتل الجماعي، أو أولئك الذين اختاروا لأسباب ذاتية أن يموتوا ويأخذوا معهم الآخرين. علينا البحث في مختلف العمليات النفسية التي تصنع فردا قادرا على إفناء نفسه وإفناء الآخرين.
■ هل من توصيف لعملية الاستقطاب وآثارها على خطف الشباب المتطرف عن محيطه الأسري والاجتماعي؟
□ فصل المراهق عن محيطه الأسري مركزي في فهم أول مراحل الإعداد للفرد وتحويله إلى مشروع انتحاري/استشهادي. عندما تشعر الذات بالتوتر تميل إلى البحث عن مجموعة من الأفكار والسلوكيات المتسمة بالتصلب كآلية دفاعية لحماية الضعف الذي تشعر به داخلها. الفكر المتطرف يبني ذاتا استعلائية تتأسس على تمثل ذاتها كفرقة مجاهدة، مقابل آخر جاهلي.. الجهادي يخضع لعمليات تعديل الفكر والسلوك في كل المراحل اللاحقة على تجنيده ..يتم تعزيز استعداداته بدعائم دينية ونفسية ومادية متعددة، تبدأ بإقناعه بشرعية الفعل الانتحاري، مرورا بتقليص قلق الموت عنده، بما يشمل التمثلات القبلية للألم المحتمل عند الانفجار، وكذا خفض الشعور بالذنب (في حالة حدوثه).

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

مدحت العدل: هوايتي كتابة الأعمال التنويرية

هبة ياسين اختطفه الفن من عالم الطب بعدما امتهنه لمدة عقد كامل، متفرغاً للعمل الإبداعي، …