الرئيسية / إضاءات / هجرة الشفويّ وتغريبة المكتوب

هجرة الشفويّ وتغريبة المكتوب

توفيق قريرة

نحن لا نلد بأفواهنا إلاّ لنقول بها إنّنا هنا. في أيدينا نضع أشياءنا البخسة والثمينة وحين نضع الأقلام فيها نكون قد بدأنا نفكّر في الكتابة، غير أنّا لن نكتب إلاّ إذا علّمونا طريقة ما في الكتابة، فإمّا أن نصوّر اللّفظ بالخطّ وهذا يمكن أن يفعله متعلّمو الكتابة جميعا، وإمّا أنْ نجنح لطريقة من تمثيل الكلام هي التي تسمّى إنشاء أو إبداعا أو حتى كتابة وهذا لا يقدر عليه إلاّ المَهَرة وهم ككلّ المَهَرة نادرون.
ولقد تعلّمنا في المدارس أنّ كلامنا الشفويّ اليومي غير المحكّك قد يتسلّل شئنا أم أبينا إلى الكلام المكتوب وتعلّمنا أنّ ذلك يعدّ هجرة غير شرعيّة من عالم الكلام العاديّ أو العامّي إلى عالم الكلام الراقي وأنّه علينا أن نكون كحرس الحدود في كتاباتنا الإبداعية، نطرد عن أسوارها التي أوهمونا أنّها عالية كلّ تسلّل غير شرعيّ من كلام العامّة الذي هو في الأصل روح كلامنا اليومي. لقد علّمونا كيف نتعامل مع الشفوي والمكتوب تعاملا طبقيّا فجّا: فلا اختلاط بين شريف المكتوب واسْتِفال الشّفويّ وأنّ كلّ زواج بينهما سيكون هجينا لعينا. عاشت الكتابة عهودا أرستقراطية تفوق عهود الأرستقراطية التي عرفتها في كل حضارة طبقة النبلاء والأشراف ومن كان في دائرتهم ومن هذه الأرستقراطية ارتبطت الكتابة بالفنّ النبيل وكان الشعر في كلّ حضارة مثالا له واستطاع الشعر أن يستوعب كثيرا من مواضيع الكتابة، وأن يحوي بعضا من أنماطها السردية كان المسرح أشهرها؛ وصار النثر مرتبطا بالكلام الشفوي لأنّه أقلّ قيودا وأقرب إلى أن يركب مطيته كلّ متكلّم، ونسي الناس أنّهم ينطقون قبل أن يكتبوا ويتكلمون على السجيّة قبل أن يحكّكوا الكلام وأنّهم مبدعون قبل الكتابة وبعدها.
ورغم كلّ الإحاطة فإنّ الشّفويّ ينجح في التسلّل إلى كثير من الأشعار التي هي فخر الكتابة؛ ونحن نجد في الأشعار القديمة كثيرا من مستوطنات الشفويّ ما تزال فيه مرئيّة ولن يراها إلاّ من يصدّق أنّ الهجرة غير الشرعيّة للشّفوي إلى عالم المكتوب قد حدثت في غفلة من حرّاس أرستقراطية المكتوب في الأشعار العربيّة القديمة مستوطنات من الشّفويّة يمكن أن تلمح متستّرة بين بيوتات الشعر المنمّقة بتطريزات الكتابة وتحضر فيها كآثار خلايا حيّة لسلالة منقرضة في بقايا جسم محنّط: تلك البقايا المستكنّة في هياكل الأبيات الشعريّة هي عناصر حياة الشفويّ في المكتوب. فعلى سبيلا المثال في بيت من معلّقة الشاعر عمرو بن كلثوم ( ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا فنجهلَ فوْق جَهْل الجَاهٍلينَا) أكثر من عنصر للشفويّ. إنْ تأمّلنا في حرف (ألا) من هذه الجهة لنْ نكتفي بما يقوله الدارسون إنّه حرف يُفتتح به الكلام، ففي ذلك توصيف لا يميّزه من غيره من الحروف والأدوات التي تشاركه هذا الدّور الموقعي. فائدتنا ستكون أكبر إنْ نحن اعتبرناه عادة شفويّة قديمة تسلّلت إلى المكتوب لتفيد ما تفيده في الشفويّ وزيادة ولنقل على سبيل إعادة بناء تلك العادة إنّ هذا المركب الصوتي يمكن أن يكون في منطلقه مركبا صوتيّا يستعمله المتكلّم في العادة للتعبير عن الفخامة فهو صوت تعبيري قبل أن يكون حرفا ذا دلالة؛ والأصوات التعبيريّة موجودة في كلامنا اليومي الشفوي وتختلف من لهجة إلى أخرى ويمكن أن يعبّر كلّ صوت أو مجموعة من الأصوات عن انفعال يؤثّر في دلالة الكلام ولنقل إنّه بذلك الانفعال توسم دلالة الكلام بالسّخرية أو بالممازحة أو بالتهديد أو بغيرها من الانفعالات الشاحنة للدلالة؛ فهو من هذه الناحية يشبه التنغيم في الكلام إذْ يدخل على البنية اللغوية الواحدة ليغير دلالتها وكيفيّة تداولها. وما شرحه النحاة والمفسّرون في (ألا) إنّما هو افتراض ركّبوا فيه بين حرف الهمزة ولا النافية وولّدوا منهما دلالة جديدة ولم تكن إلاّ محاولة في استقراء بنية شفويّة بتأويل أصوات مكتوبة معروفة. ويمكن أن نضيف في البيت نفسه النون الساكنة في (يجهلنْ) التي عادة ما تُقرأ على أساس كونها تخفيفا من النون المؤكّدة لكنّها يمكن أن تكون من لوازم عادة شفوية تجعل النّون ملحقة بالبنية الفعليّة لا لمجرّد التوكيد بل لتكون جزءا من أداء شفوي تتفاعل فيه (ألا) الدالة على إشعار المتكلّم بفخامته واستعلائه في صدر الكلام فتكون النون قُفلا لكلام يخدم بنية تعبيرية تنسجم مع سياق التعبير عن التخويف والترهيب. هذا القول يضفي روحًا حيّة لا على النصّ بل على من يلقيه. وفي البيت نفسه استعمل (فوق) استعمالا مألوفا لكنّ له آثارا من الاستعمال الشفويّ الدالّ على الكثرة لا على الظّرفية وما زلنا إلى اليوم نستعمل في كلامنا اليومي (فوق ) في معنى تَسْويريّ أو تكميمي حقيقي لا مجازيا وفي المكتوب لا يُصار إليه إلاّ مجازا. أكثر الاستعمالات التي نلمح فيها حضورا للشفوي في المكتوب هي الأصوات التي استعملت استعمال الأسماء أو الأفعال من نوع (هَيْت لك) التي لا شكّ أنّ البحث وراءها اشتقاقيّا لا يفيد شيئا، لأنّ لها أسرارا استعماليّة تتجاوز نطاق ربط الصلة بين الأبنية إلى البحث عن قصة تداولها في اللهجات القديمة أو حتى في اللغات المجاورة للعربية الحيّة أو المنقرضة.
ومثلما يهاجر الشفوي ويستوطن في مدن المكتوب الباذخ وينجح، يحدث أن يغترب المكتوب عن فخامته ليسكن في قرى الشفويّ عندئذ سنتحدث عن تغريبة المكتوب وهي تغريبة لأنّ الشفويّ يظلّ يشعرنا بأصل المكتوب ولا يمكن أن يتستّر فيه لأنّه واضح المعالم ينبغي أن ينتظر وقتا وتعوّدا حتّى يتناسى الناس معدنه الأصيل. دخول المكتوب في كلامنا الشفويّ يمكن ملاحظته في استعمال التنقيط بتسمية علاماته فنحن اليوم إذا ما استطردنا خصصنا ذلك الاستطراد في حديثنا باعتماد عبارة (بين قوسين) نريد أن ننبّه المتلقّي بها إلى أنّ ما سنضعه مجازا بين قوسين ينبغي أن يراعيه على أنّه معلومة ثانويّة أو مساعدة لها وظيفة إعلامية أو شارحة أو غير ذلك، لكن لن يكون للقوس الشفوي وظيفته التي له في نظام المكتوب بالضرورة فأغلب الأحيان يكون له دور أوسع وأكثر تمرّدا على ما قنّنته له الكتابة، بل إنّ القوسين أو الهلالين يمكن أن يصبحا في محاوراتنا علامات نرسمهما بالإشارات اعتمادا على حركة اليد، إمّا برسم قوسين بالإصبع أو برسم هلالين بإصبعي اليدين محاكاة لكيفيّة رسمهما في المكتوب هنا أيضا يصبح النظام العلامي الخطّي إشاريّا وتنتقل الإحالة على المكتوب ونحن في سياق شفويّ. يجبر نظام التنقيط على أن يهجر مدن المكتوب التي عشّش فيها غير أنّه يظلّ محافظا على أصله. كثيرة هي مظاهر حضور المكتوب في الشفويّ قد يضيق المجال ههنا عن إحصائها غير أنّ ما يعنينا في هذا السياق هو أن ننفي أن تكون المحسّنات اللفظية والتنميق نوعا منه لأنّ ذلك موجود أيضا في الكلام الشفويّ ونحن لا نشعر به أو نشعر به حين نريد أن نفعل. إنّ السفر جيئة وذهابا بين المكتوب والشفويّ نابع من تقاطعهما والوهم بفصلهما عبث لأنّ المتكلّم بهما واحد ولأنّه لا مكتوب من غير شفويّ هذا بديهي لكنّ الكلام يغترف بطبعه من كلّ إناء حتّى من إناء الملوك الذين قد يكتبون أشعارهم بماء الذهب أو هكذا تقول أساطيرهم.

(القدس العربي)

شاهد أيضاً

فكتور هوجو .. الفرنسي الذي وجد الجمال في كل شيء

خاص   (الجسرة)   أديب وشاعر وروائي فرنسي (1802-1885)، ولد في بيسانسون في إقليم دوبس شرقي …