الرئيسية / فن تشكيلي / تراتبيات الإضمار والإظهار في أعمال عبدالله الهيطوط

تراتبيات الإضمار والإظهار في أعمال عبدالله الهيطوط

عبد الواحد مفتاح

اللمسة اللإشارية والعلامة الصباغية التي تَهتَبِل إلى خُطاطات الإضمار والإظهار، المَسنودة بخِفّة الأثر، هي الحالة البارزة لأعمال عبدالله الهيطوط، الذي جَنح في أعماله الأخيرة، بعد مَعرضه الأخير برواق “نظر” بالدار البيضاء، إلى استخدام المذكرة كسند لمُربعه الأيقوني.

المذكرة بما هي رفيق السفر والتجوال في عوالم الطبيعة والمفَكّر فيه، تحضُر هنا كزاد رئيسي، ومُكوِن أولي ولا نهائي للوحته، التي تحمل صفة البداية. البداية التي تَتَمنّع في طقس عتبة أن تكون. فكل عمل فني هو نقطة بدأ أو انطلاق نحو…

المذكرة كسند، بهذا، هي مغامرة مَحفُوفَة بالتساؤل، كيف يُمكن الاشتغال على سند غير محايِد؟ سند يحمل صفة مُسبقَة.. فهو ليس فارغا، ومليئا بما يُمثِله من يَومي ووقتي، يَقتَنصُه الفنان في لحظة لا تَشيخ. لحظة ذات شحن إبداعي يَتمثلُها بلطخاته التَجميدية ليَصير الوقت حالة مُتحَجِرة داخل مُربعِه، الذي هو دعوى إلى الإنعِتاق والتسامي في بعده الإنساني.

إلى جانب شفيق الزكاري وعزيز أزغاي وآخرين قليلين ورائعين، يُعتبَر عبدالله الهيطوط من الفنانين القلائل، الذين تَعيش لوحاتهم حالة بَحث دائِب. فهو لا يَركَن إلى جاهزية نسق ما، بقدر ما تَجده مُنشغلا في دَيمومة الحفر والتنقيب الرَكِيز، ما يَجعل مرسمه يعرف إنتاجية فنية بِموتِيفات غزيرة تُعتبر في كثير من طُروحاتها، لحظة بارِقة، من حيث هي تجاوز أزمة داخل الفعل التشكيلي، فانتِقالُه من ثيمة إلى أخرى، مع التعْويل على تقنيات جديدة بشكل متواصل يجعل لوحة هذا الفنان، إلى جانب لمعانها المضيء، ذات نُزُوح تجديدي على مستوى الرؤية، وهذا ما نحن بحاجته داخل المشهد التشكيلي المغربي بعمق.

أعمال هذا الفنان هي تفجير للشكل، وتَحطيم لمفهوم الحَيّز، بما هو حد بين إنسان وآخر، يَلتحم فيها الموضوع بموسيقالية اللون عنده، وهي موسيقالية تَعرف تماهيا وتلاعبا، مع ما يطرحه مربع اللوحة من فِتنة لونية تَتمخّضُ عن سعادة المعنى وبهائه.

قيمة الحرية هي كل ما تَنشُده لوحة عبدالله الهيطوط، وهي قيمة لا تَستمِد نسْغها هنا، من سياق دلالي رَكّبها عليه، بقدر ما هي فعل تفاعل يُبَلّغُ عن ذاته داخل اللوحة، عبر استقلالية ما تَدّعيه عن كل تقليدية مُراوغَة داخل بُؤرته البَصرية.

كيفما نَظرتَ إلى لوحة هذا الفنان تَجد ألوانها تَضُمّ عِدة طبقات من التأويل المُتعدِد، لتُشكل بذلك صورة تَتأرجح بين إيقاع اللَون ومَجازِه. فما تَعرفُه من اشتِغال مُكثَف على التَركيبات الشعرية، والرسومية المُؤثَثَة فوق تجريدية صِرفة، هو وجه لتعبيرية مُشاكِسة تَشِعّ بالفيض الصوفي العِرفاني، وهو فيْض تعبُ الوصل إليه واضح على مستوى العمل داخل اللوحة.

أعمال الهيطوط التي تُضْمِرُ أكثر مما تُظهِر مُسْتأنِسَة بجمالية البتر والانمِحاء، ضَلّت وفِيَة لقلقها الهادِر الذي هو ميزة المشروع الجمالي لهذا الفنان، الذي نَقش اسمه بإزميل مُجتهِد في مدونة التشكيل المغربي المعاصر. فَتَقصي دروب النور على مستوى الإنساني واللّعب الحر بالمُفردَة والجُمل اللونية على مستوى التعبير الجمالي، كلها إلى جانب عوامل أخرى أعْطته حُسن تلقي سريع وتجاوُب مهم من طرف متتبعي الحركة التشكيلية، من مهتمين ونقاد.

أعمال هذا الفنان الأخيرة مِن مَعزوفات لونية وتشكيلية، هي قوة من أجل استقلال الإنسان عما يُكَبّلُ الجوهري داخله، لهذا تَجدها تَرتَهِن إلى تحرير السند، نفسُه الذي هو غيره في كل لوحة، من فكرته المرهونة بالاستهلاك اليومي والعابر، عبر ترحيله نهائيا من ماديّتِه إلى حياته اللونية هذه، التي هي غَيرُ فيض صوفي يَحْبَل بأسراره، وفِتنتِه التي تَتزَيا بموسيقى تتراقص في صمت ناعم.

فعبدالله الهيطوط فنان عميق في تأملاته، وبليغ في انتِقائيَتِه الصباغية، لهذا تَجد لوحته تتّصف بهرمونية تُسْلِمك إلى فضاءات الوعي بالباطن. فرُبّ إشارة أبلغ من لفظ. فاللوحة، هنا، ليست مُجرد موضوع مُتعة، قابلة لتأويلات دلالية عديدة، بقدر ما هي نَسيج عن مشروع جمالي عالِم، يَتجاوز بعضه البعض باستمرار فيما يَهتبِل له هذا الفنان من بحث شاغله التجديد ومَرجِعُه تَكوين أكاديمي رزين.

لوحة عبدالله الهيطوط هي لغة مفتوحة على سعادة الرسم بلا عُدة تخطيطية .. أبجديتها اللونية ساكِنُها خلخلة للمُنْطَبع والسائد، وكشف يُشَمّر عن جُهده، ليَخلق فضاءاته بلمسة مُجتهدة.

لا شك، كما دَلّلتْ على ذلك إجماعات عديدة وغير غائمة، أن الإنسانية ستبدأ بالتّحَسن عندما تأخذ الفن على محمل الجد، تماما كالكيمياء أو الفيزياء أو المال. الفن مُهم بعمق، خاصة في مجتمعنا المغربي هذا، الذي يَعيش حالة جفاف وفراغ قيمَة كبير، وهو الوضع الذي لا يمكن أن يَتصدى لتَجاوُزه إلا فنانون مُضيئون هاجِسهم مشروع جمالي حقيقي وفاعل، وقُدرَة منيرة على الاجتهاد والإبداع في غير إدعاء، أو تَزَرُّف (من يطيل عنقه أطول من زرافة).

إلى هنا بُروز أسماء شابة وجادة، استَطاعَت أن تُؤسِس للوعي بالأزمة إلى تَقديم إبدالات تَأسيسية ضابطة لشَرْطية مَشروعية مَشروعها الجمالي.

عبدالله الهيطوط أحد هذه الأسماء، التي تَشتَغل في صمت لَيّنٍ ومُثمِر. وهو نَفسه الصَمت الذي يَصير له أن يُصبِح إضاءة واضحة على مُستوى الاشتغال المتوهج داخل لوحة التَشكيل المغربي.

(ميدل ايست اونلاين)

شاهد أيضاً

ضحايا الحرب الصامتون في حملة غرافيتي يمنية

علي سالم بعينين يكسوهما الحزن والشرود، تنظر في أفق المجهول وعلى رأسها ما تبقى من …